مصر تعيد المساجد إلى مدارها الديني وتنأى بها عن الغلوّ الإخواني

الأربعاء 2014/03/05
خروج الإخوان من الحكم يجب أن يعزز بتحييد المساجد وضبط الخطاب الديني

القاهرة - يبقى سلوك الإخوان المسلمين متماثلا بين جميع فروعه في الدول التي ينشط فيها هذا التنظيم، خاصة في الأقطار العربية التي نجحوا في الوصول إلى سلطتها في السنوات الأخيرة. ولعل أهم هذه السلوكات هي محاولة السيطرة على المساجد وبيوت الله ليتمكّنوا من إيصال ما يريدون بثه بين الناس من فتنة وإرهاب، تحت غطاء الدين والوعظ باسم الله. وهو ما قررت وزارة الأوقاف المصرية القطع معه على غرار المحاولات التي تحدث في تونس في الاتّجاه نفسه.

قررت السلطات المصرية مؤخرا توحيد موضوع خطبة الجمعة في كافة مساجد البلاد، في إجراء يعدّ الأخير في سلسلة قرارات تهدف إلى محاولة السيطرة على الخطاب الديني في المساجد التي تشكل ساحة صراع جديدة مع مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين.

وقد اعتاد مؤيدو الرئيس المخلوع محمد مرسي، المدان في جرائم إنسانية مُورست في حق الشعب المصري وتهديد سيادة دولة مصر، أن يستخدموا المنابر والمساجد وخطب الجمعة للتنديد بما يسمونه “انقلابا” على الشرعية الّتي ظهر زيفها في ثورة يونيو، وللتعبير عن مواقفهم السياسية، في اعتداء صارخ على حرمة المساجد وقيمها الدينية والروحية كفضاء للتعبد. وهي المناسبة الثانية التي يستعمل فيها الإخوان المساجد لأغراضهم السياسية الخاصّة وأجندتهم الضيقة، بعد أن استخدموها في السابق للترويج بكثافة لمرشحيهم في الانتخابات الّتي تلت ثورة يناير 2011.

أصبحت المساجد تعوض المنابر الإعلامية التي أغلقت بسبب بثها لخطاب الفتنة والتحريض على القتل

وقررت وزارة الأوقاف المسؤولة عن إدارة المساجد في مصر، نهاية يناير، توحيد خطبة الجمعة في كافة مساجد البلاد، وذلك لإرساء خطاب دينيّ “يخدم قضايا المجتمع وينبذ العنف”، في خطوة لإشاعة جو من الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي. وقد بادرت إدارات الأوقاف الرسمية للدولة وكافة فروع الأزهر بإعطاء مواضيع عامة يلتزم بها الأئمة في خطبهم ودروسهم للناس مع إعطائهم الحرية في صياغة الخطاب والشكل الذي تقدم به الأفكار للناس حسب طبيعة المساجد والمناطق السكانية. إذ أنّه وبالإضافة إلى إشكال محتوى هذه الخطب والشكل الذي تقدم به، تبقى نسبة المساجد الخارجة عن نطاق سيطرة الدولة المصرية كبيرة، فـ 10 آلاف مسجد الآن لا يمكن التحكم فيها من مجموع 130 ألف مسجد في مصر، حسب تصريح صبري عبادة وكيل وزارة الأوقاف المصرية. ويضيف عبادة أنّ “قرارات الوزارة تهدف إلى تجنيب المساجد الصّراعات السياسية والحزبية”، فيما يعتقد محللون أنّ الصراع بين السّلطة والإسلاميين على المساجد يرجع إلى محاولة كلّ منهما السيطرة على الخطاب الديني في البلاد، فالسلطة تبحث عن تهدئة الأجواء فيما يبحث الإسلاميون عن إثارتها.

ويعتقد جورج فهمي، الباحث المتخصّص في شؤون المؤسسات الدينية في منتدى البدائل العربي بالقاهرة، أنّ “هناك منافسة على التحدث باسم الإسلام بين جماعة الإخوان والمؤسسات الدينية التابعة للدولة وهي؛ الأزهر والأوقاف”، موضّحا أسباب هذا الصراع بالقول “إنّ المساجد في مصر من الساحات التي يمكن من خلالها ممارسة تأثير على أفكار المصريين وآرائهم، وهي إحدى أدوات تشكيل الرأي العام، خاصّة خارج القاهرة، أي في محافظات الصعيد والدلتا، حيث نشهد ارتباطا وثيقا لسكان هذه المناطق (أغلبهم غير متعلمين) بالمساجد.”

ويقول عمرو عزت مسؤول ملف الحريات الدينية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية “ستظل المساجد ساحة معركة مستعرة بين السلطة التي تحاول تأكيد تماشي سياساتها مع الاسلام من جهة، وتيار الإسلام السياسي الذي يحاول نزع المشروعية الدينية عن تلك السلطة من جهة أخرى”. في خطوة أضحت معهودة لدى جماعات الإسلام السياسي المنتشرة في كافة الأقطار التي ينشط فيها هذا التيار. ويعتقد عزت أن قرارات وزارة الأوقاف “تهدف إلى السيطرة على التيار الإسلامي المؤيد للإخوان والمعارض للسلطة الحالية”، ويؤكد أنّ “هناك تعاطفا كبيرا لدى كثير من أئمة المساجد مع الإخوان ومرسي، وهو ما تحاول السلطة السيطرة عليه”. إذ أصبحت المساجد تعوض المنابر الإعلامية التي أغلقت بسبب بثها لخطاب الفتنة والتحريض على القتل بين أبناء الشعب المصري، ما دفع السلطات إلى إغلاق عدّة محطات تلفزيونية مطلع يوليو الفائت. وهو ما يؤكده الباحث جورج فهمي بإشارته إلى أن “أهمية المساجد تضاعفت بالنسبة للإسلاميين مع ضعفهم الراهن في مجال الإعلام”.

وشهدت المساجد، مرارا، صدامات بين مؤيدي مرسي ومعارضيه، خاصة أثناء حكم مرسي الذي استمر لعام واحد، ما دفع السلطات أخيرا ـ أمام تراكم الخطابات التحريضية وتمادي الإسلاميين في استغلال هيبة بيوت الله في التحريض على العنف ـ إلى التدخل والسيطرة على هذا الخطاب، فقد كانت خطبة الجمعة الماضية مثلا، موحدة في كامل مصر حول الحفاظ على البيئة، فيما ركّزت بعض مواضيع الخطب السابقة على تطوير الأحياء الفقيرة ودور الشباب، وهي موضوعات أبعد ما تكون عن الصراع السياسي وحالة الاستقطاب الحاد في البلاد بين الإسلاميين والدولة.

تمادي الإسلاميين في استغلال بيوت الله للتحريض على العنف دفع السلطة المصرية إلى التدخل للسيطرة على هذا الخطاب

وفيما التزم عدد من أئمة المساجد في ضاحية “الدقي” غرب القاهرة بالخطوط العامة للخطبة الموحدة، فقد تجاهل آخرون هذا القرار. ولم يلتزم الإمام خلف مسعود في مسجد المنتزة في حي “امبابة” غرب القاهرة بالخطبة الموحدة، وخطب عن الصراع بين “الحق والباطل” في القرآن الكريم مسقطا الأمر على الوضع السياسي الراهن في مصر، وهو ما يتعارض وبشكل صارخ مع تعاليم الإسلام التي تؤكد تحريم بث الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد. فقد صرّح الإمام مسعود قائلا: “أنا إمام اتبع الدين ولست إماما اتبع السلطة، فالدولة تتخذ إجراءات ليكون الخطاب الديني تابعا لها. هذا أمر مرفوض”. لكن السلطات المصرية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا العصيان والتعنت الذي يبديه الإخوان في عدم امتثالهم للقانون، فبعد خطبة الجمعة الأخيرة أحيل أربعة أئمة إلى التحقيق في الوزارة بتهم “التحريض على العنف والدعوة لتظاهرات ضد الحكومة والإساءة إلى الجيش والشرطة”. وقبل ثلاثة أشهر قررت الأوقاف إنهاء التعاقد مع 55 ألف إمام في الوزارة من غير الأزهريين، كما قررت منع إقامة صلاة الجمعة في الزوايا التي تقل مساحتها عن 80 مترا، وهو القرار الذي بدا بعيدا عن التطبيق حتى الآن. فقد اتهمت السلطات المصرية الأئمة الذين تم الاستغناء عن خدماتهم بأنهم “يدعون إلى العنف ويستخدمون المساجد لبث التشدد الديني والترويج لجماعات الإسلام السياسي”.

وأكد وكيل وزارة الأوقاف صبري عبادة أنّ “الاجراءات الأخيرة تهدف لمنع التّحريض على العنف ونشر الأكاذيب في المساجد التي كانت المكان الأنسب للإخوان لنشر فكرهم وتضليل الناس». مضيفا “هناك فوضى مدمرة في المساجد”.

ويرى بعض المحللين أنّ الحكومة تهدف كذلك من خلال فرض سيطرتها على المساجد، إلى تجريد مؤيدي مرسي من أحد مصادر قوتهم الّتي من خلالها يريدون إعادة الإخوان إلى الحكم دون انتخابات أو دون محاسبة عمّا إرتكبوه من جرائم في حق الشعب المصري.

13