مصر تعيد رسم خريطة التطلعات التركية في المنطقة

الثلاثاء 2013/11/26
أردوغان يدفع ثمن اخفاقات سياسته في الشرق الأوسط

لندن - "طرد السفير التركي من مصر، لحملاته المستمرّة على قادة الثورة وتوجيه ألفاظ نابية لجمال عبدالناصر"؛ خبر نشرته جريدة "الأهرام" المصرية في عددها الصادر يوم 5 يناير 1954. بعد حوالي 59 عاما على هذه الحادثة، يعيد التاريخ نفسه.

لم يفاجئ قرار الحكومة المصرية تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع تركيا إلى مستوى قائم بالأعمال، المراقبين لمسيرة العلاقات بين الدولتين خلال الأشهر القليلة الماضية، وقلل هؤلاء من تأثير القرار على العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين الجانبين، وإن كان توقيت إعلانه وطريقته محل تحليلات وقراءات تراوحت بين وصفه بأنه يأتي كرد فعل متوقَّع، والقول إنه يعكس ما يسمى بـ"الدبلوماسية الخشنة".

لكن الأزمة الدبلوماسية الحالية بين القاهرة وأنقرة تعكس تخبط الحكومة التركية ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في تعامله مع الملفات الشائكة في المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بسوريا وليبيا وتونس ومصر.

فقد لعب حزب العدالة والتنمية الحاكم، عبر قنوات حكومية رسمية، دورا هاما في فتح قنوات اتصال بين تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، والإدارة الأميركية منذ عام 2005، حيث أقيمت بعض الاجتماعات السرية بين الجانبين، وهو ما أثر كثيرا على موقف الرئيس الأميركي باراك أوباما من الثورة المصرية في 25 يناير 2011، وسهّل من اتخاذه ردود أفعال غير متشددة تجاهها.

وكان للسفير التركي الحالي لدى واشنطن نامق طان، الذي كان سفيرا لتركيا لدى إسرائيل، موقف بارز عام 2010 في تسهيل الاتصال الدبلوماسي بين أعضاء من تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، وأعضاء في الكونغرس والحكومة الأميركية. وكان عصام العريان وعبد الموجود راجح هما اللاعبين المحوريين في تلك اللقاءات، التي طرح خلالها الإخوان أنفسهم كبديل عن نظام مبارك.

لكن التعاون بين الأتراك والإخوان في مصر وصل إلى أعمق نقطة خلال حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، وحصلت حكومة الإخوان جراء ذلك على وديعة بقيمة مليار دولار خلال محاولاتها لمواجهة الغضب الشعبي المتصاعد وقتها تجاه إدارتهم السيئة للملف الاقتصادي. وحاولت تركيا وقتها دفع النظام المصري إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحا فيما يتعلق بالأزمة السورية، واستغلال الإمكانيات المصرية ونفوذها الإقليمي في الضغط على نظام الرئيس بشار الأسد، وهو ما ترجمه الرئيس المعزول في خطابه بأستاد القاهرة، الذي دعا فيه إلى الجهاد في سوريا لإسقاط الأسد.


عرقلة التغيير في مصر


بعد الإطاحة بنظام الإخوان في مصر، كان أحمد داوود أغلو في قلب التحركات التي قادتها أطراف إقليمية لعرقلة التغيير في مصر، وكان هو صاحب الاقتراح الذي طرحه أثناء اجتماعه بكاثرين آشتون، منسق العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي قبل زيارتها الأولى إلى القاهرة، بضرورة إصرارها على زيارة مرسي داخل محبسه، لإضفاء الشرعية عليه كرئيس منتخب، معتقلا سياسيا، ولسحب هذه الشرعية من قادة الجيش.

كما كان للتحركات التركية أثرا كبيرا على قرار تعليق بعض المساعدات العسكرية، الذي اتخذته واشنطن تجاه القاهرة الشهر الماضي، وهو على ما يبدو ما تنبهت له الحكومة المصرية المؤقتة.

علاقات اقتصادية على المحك
القاهرة- لم تكن للتصريحات التركية وآخرها تصريح أردوغان بأن "إشارة رابعة التي يرفعها أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي ليست رمزا للقضية العادلة للشعب المصري فقط بل أصبحت علامة تندِّد بالظلم والاضطهاد في كافة أنحاء العالم"، التأثير الأقوى على القاهرة بقدر ما كان إقدام الحكومة التركية على استضافة مؤتمر في إسطنبول شارك فيه أعضاء بارزون في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين تحت شعار "تحالف الحقوقيين الدوليين" لمقاضاة مصر والنظام الحالي في الجنائية الدولية، وهو ما حدا بالقاهرة إلى اتخاذ قرار تخفيض حجم التمثيل الدبلوماسي مع أنقرة، قبل أن ترد الأخيرة بقرار مماثل.

على أن قرار خفض درجة التمثيل الدبلوماسي أثار مخاوف مراقبين من أن تؤدي تداعياته إلى تأثير سلبي على القطاعين التجاري والاستثماري بين مصر وتركيا، إذ دعا السفير عزت سعد مساعد وزير الخارجية الأسبق، إلى "تذكّر أن هناك مصالح اقتصادية بين البلدين"، مشيراً إلى أن مصر قد تخسر استثماريا، في حال تصاعدت الأمور حتى وإن كانت الخسائر التركية ستكون أكبر.

كما ألمح رئيس مجلس الأعمال المصري – التركي عادل لمعي إلى إمكانية حدوث انعكاسات سلبية للقرار على العلاقات الاستثمارية بين البلدين خاصة الأيدي العاملة، موضحا أن حجم الاستثمارات التركية في مصر تبلغ 1.5 مليار دولار ممثلة في 300 مصنع وشركة يعمل بها نحو 52 ألف عامل، في حين جمّدت ثلاث شركات تركية فقط أنشطتها في مصر منذ ثورة 25 من يناير. وعلى الرغم من أن تلك المخاوف لها ما يبررها؛ فإن المعطيات الراهنة تشير إلى أن هناك حرصا مصريا وتركيا على ألا تصل حالة التوتر بينهما إلى نقطة اللاعودة وألا يؤثر ذلك التوتر على العلاقات الاستثمارية وبشكل أكبر على حجم التبادل التجاري، الذي وصل العام 2012 وفقا لإحصائيات وزارة الصناعة والتجارة الخارجية والغرفة التجارية بالقاهرة إلى 5.1 مليار دولار، بينها نحو 3.6 مليارات واردات تركية إلى مصر مقابل صادرات مصرية إلى تركيا تصل إلى 1.6 مليار دولار.

ومن المتوقع أن يؤثر قرار طرد السفير التركي على كثير من الأنشطة الاقتصادية، في الوقت الذي قلَّل فيه البعض من إمكانية أن تنعكس حالة التوتر السياسي بين الحكومتين سلبا على واقع العلاقات الاقتصادية بالنظر إلى حرص رجال الأعمال من الطرفين على استمرار مصالحهم، غير أنها توقَّعت أن ينحصر تأثير القرار على إمكانات توسيع حجم العلاقات التجارية وإقامة المشروعات المشتركة على المديين القريب والمتوسط.

ويرى محللون أن القرار جاء بعد أن ازداد الموقف المصري رسوخا بدعم سياسي واقتصادي من جانب دول الخليج العربي خاصة السعودية، وبعد مراجعة الإدارة الأميركية لمواقفها تجاه مصر وهو ما تبدَّى في تصريح وزير الخارجية جون كيري، أن جماعة الإخوان المسلمين سرقت الثورة من الشباب الذين قاموا بها، علاوة على تغيّر السياسات العدائية تجاه مصر من جانب الاتحاد الأوروبي. وأضاف المحللون أن القرار يأتي في سياق تقديم مصر لنفسها بصورة جديدة كقوة إقليمية كبرى تحدِّد اتجاهاتها وتملك خياراتها، وتجلى بالتوجه إلى عقد اتفاقات عسكرية مع روسيا الاتحادية، "لكن القرار على الرغم من قوته إلا أنه إجراء متعارف عليه وفقاً لاتفاقية "فيينا" ويُعبِّر عن أزمة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول".

وكان الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية بدر عبد العاطي أعلن، السبت الماضي، أن الحكومة المصرية قرَّرت تخفيض مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع أنقرة من مستوى السفير إلى مستوى قائم بالأعمال، واستدعاء السفير التركي لدى القاهرة وإبلاغه بأنه بات شخصا غير مرغوب فيه ومطالبته بمغادرة البلاد بالإضافة إلى نقل السفير المصري لدى أنقرة، الموجود بالفعل في مصر، بشكل نهائي إلى ديوان وزارة الخارجية بالقاهرة.

وشكَّل القرار المصري ذروة تردي الأوضاع بين الحكومتين منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي أوائل تموز/ يوليو الماضي، حيث اتخذت الحكومة التركية موقفا مناهضا لثورة 30 يونيو/ حزيران 2013 التي أطاحت بنظام مرسي، إذ وصف حسين جيليك نائب رئيس حزب "العدالة والتنمية" الحاكم عزل مرسي بـ"الانقلاب القذر" وتوالت تصريحات القادة الأتراك المناهضة للثورة المصرية، وردّت الخارجية المصرية باستدعاء السفير التركي حسين عوني بوصطالي لإبلاغه احتجاجها على تلك التصريحات.

واستمرت تصريحات القادة الأتراك على ذات النهج وأبرزها هجوم شنَّه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، في آب- أغسطس الفائت، على شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، متهما إياه بـ"الداعم للانقلاب وأن ذلك تسبب في نهايته كعالم كما انتهى علماء أتراك ساندوا انقلابات شهدتها تركيا في السابق"، ما دفع الخارجية المصرية لاستدعاء السفير التركي للمرة الثانية قبل أن تسحب كلا الحكومتين سفيرها للتشاور، وبينما عاد السفير التركي للقاهرة الشهر الفائت إلا أن السفير المصري بأنقرة عبدالرحمن صلاح لم يعد.


انحسار الدور التركي


الجانب التركي، المتأثر بمواقف أردوغان، سارع إلى التأكيد على أهمية العلاقات مع مصر. في هذا السياق، أعرب الرئيس التركي، عبدالله غول، عن أمله في أن تعود علاقات بلاده مع مصر إلى وضعها الطبيعي، واصفا المرحلة الراهنة في العلاقات بين القاهرة وأنقرة بـ"الاستثنائية".

كما اعتبر وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو، أن عملية تبادل طرد السفيرين "حادث عارض سيمر وتبقى العلاقات بين البلدين اللذين يرتبطان بأواصر أخوية أبدية ويتبادلان الاحترام باعتبارهما قوتين إقليميتين كبيرتين".

من المتوقع أن ينحسر الدور التركي في المنطقة، بعد أن اعتمد على علاقاته مع مصر في الوصول إلى السودان وليبيا، وفي لعب دور مؤثر في منطقة الخليج العربي، وبذلك سيقتصر هذا الدور على الملف السوري فقط، وينتهي تماما بانتهاء الأزمة هناك، خاصة بعد حدوث التوتر الذي تشهده العلاقات بين واشنطن وبين أكبر حليفين لها في المنطقة، القاهرة والرياض.

ويحمل قرار طرد السفير التركي من القاهرة تداعيات موازية كذلك على العلاقات المصرية – القطرية، ويبعث رسالة واضحة للدوحة، أكبر داعم ومموّل للجماعة في مصر. فقد بدأت بالفعل الدعوات الشعبية إلى طرد السفير القطري كذلك، وخاصة بعد تبيّن الدور الذي لعبه في حماية قادة التنظيم في الأيام الأولى للثورة، والتصريحات الاستفزازية التي أطلقها وزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية "بضرورة الإفراج عن المعتقلين السياسيين وعودة الرئيس المنتخب إلى السلطة". من المنتظر أن تؤثر مواقف رجب طيب أردوغان على شعبيته في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها العام المقبل، بالإضافة إلى سماحه للمتشددين المرتبطين بتنظيم القاعدة المتجهين إلى سوريا باتخاذ الجنوب التركي معسكرا مفتوحا لهم، وفشله في إيجاد حل نهائي وناجع للأزمة الكردية في البلاد. غير أن قضية "ميدان تقسيم" التي سقط خلالها 5 قتلى وآلاف الجرحى من المتظاهرين السلميين، سيكون لها الدور الأكبر في تحديد خريطة القوى داخل البرلمان التركي القادم، ومن ثم شكل الحكومة التركية المقبلة.

6