مصر تغلق المواقع غير المرخصة بعد استنفادها فرص تسوية أوضاعها

إقصاء المنابر غير المحترفة يحسن من صورة المهنة.
الخميس 2021/03/04
الغطاء القانوني يضمن حقوق الصحافيين

تتباين الآراء حول قيام المجلس الوطني للإعلام في مصر بإغلاق المواقع الإخبارية غير المرخصة، لكن غالبية الصحافيين يرون أنها خطوة مهمّة لإنهاء الفوضى وتعزيز فكرة المنافسة بين الصحف على أرضية مهنية بعيدا عن لغة الإثارة.

القاهرة - أغلق المجلس الوطني للإعلام في مصر المئات من المواقع الإلكترونية غير المرخّصة لفرض المهنية بسياسة الأمر الواقع، بعد انتهاء المدة التي تم تمديدها أكثر من مرة، لتسوية أوضاعها القانونية، وهو الإجراء الذي باتت العديد من الدول العربية تلجأ إليه لـ”ضبط القطاع وإنهاء الفوضى”.

وسار مجلس الإعلام المصري على نفس النهج الذي سلكته وزارة الاتصال والثقافة في المغرب منذ عامين، والهيئة السعودية للملكية الفكرية الشهر الماضي، لإقصاء “المنابر العشوائية” التي تسببت في تجاوز مرحلة الفوضى واعتادت الخروج عن النص والمعايير المهنية والأخلاقية.

وقال كرم جبر، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر أمام لجنة الإعلام والثقافة بمجلس النواب، الأحد الماضي، إنه لم يتم تمديد المهلة المقررة لتقنين الصحف والمواقع غير القانونية التي انتهت منتصف فبراير الماضي بعد أن جرى منحها أكثر من فرصة لتقديم طلبات التقنين، وسيتم اتخاذ كل الإجراءات لتنظيم الإعلام الرقمي، والتي قد تصل العقوبة إلى الغلق، ولا تراجع عن هذه الخطوة.

وتسببت بعض المواقع الإلكترونية في زيادة ارتباك المشهد الصحافي المصري، لعدم التزامها بالحد الأدنى من المعايير المهنية والأخلاقية وتجاوزها ميثاق الشرف الإعلامي، والاعتماد على لغة الإثارة في تحقيق نسب مشاهدات وقراءات حالية، والتسويق لنفسها بين جمهور منصات التواصل الاجتماعي دون رقيب.

سامي عبدالعزيز: الخطوة تخلق مرونة في حصول الصحافي على المعلومة

ولم يستطع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فرض هيمنته على هذه النوعية من المواقع أو محاسبتها، لأن الكثير منها يُدار من وحدات سكنية لا أحد يعرف هوية أصحابها، وبعض ملاكها ليسوا صحافيين، وتعتمد على مجموعة من الهواة ومن خريجي كليات الإعلام غير مؤهلين، ما تسبب في تشويه صورة المهنة في نظر الجمهور.

وتأتي الخطوة الجديدة في إطار ضبط المشهد الصحافي والإبقاء فقط على المواقع الشرعية، كبداية لتصحيح مسار المهنة وإعادة الاعتبار إليها، لكنّ معارضين اعتبروا ذلك مقدمة لإحكام القبضة الحكومية على ما تبقى من المنابر الرقمية.

وتقوم المواقع الإخبارية غير المرخصة بإرسال مندوبين عنها إلى وزارات وجهات رسمية بدافع تغطية نشاطاتها، والكثير منهم يفتقد للمهنية والاحترافية، ما تسبب في صدور قرارات شفهية للمسؤولين بعدم التعامل مع الصحافيين عموما، لما يشكله هؤلاء الهواة من منغصات لجهات حكومية.

وقال مسؤول إعلامي في وزارة التربية والتعليم لـ”العرب”، إن مركز الاتصال بالوزارة لديه قائمة تضم 280 صحافيا مفوضين من مواقعهم الإخبارية لتغطية أنشطتها وفعالياتها، وهو رقم ضخم مقارنة بعدد الإصدارات المعروفة بكونها شرعية في مصر، ما يشكل عبئا على المسؤولين، ويتسبب في التضييق على الجميع في الحصول على المعلومة والاكتفاء بالتعامل مع البيانات الرسمية.

وصارت أغلب الوزارات تتعامل بالمثل، ما انعكس بشكل سلبي على الصحف والمواقع المعروفة وواسعة الانتشار، ما يعني أن الإبقاء على المنابر المرخصة وإغلاق الأخرى أو حجبها سوف يفيد بطريقة مباشرة الإصدارات التي لها سمعة وثقل، على مستوى التغطية وتعزيز المصداقية عند الجمهور، وتحسين العلاقة مع الجهات الحكومية في الحصول على المعلومة.

وأكد سامي عبدالعزيز، عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقا لـ”العرب”، أن تقنين أوضاع الصحافة الإلكترونية ضروري لتكون هناك محاسبة على أساس مهني، ولن يحدث ذلك قبل إقصاء الهواة والدخلاء على المهنة، ومن شأن هذه الخطوة خلق مرونة في حصول الصحافي على المعلومة.

وأوضح أن القارئ في حالة تشتّت، ولا يعرف هل هذا الموقع معترف به ومهني أم لا، ويضمن التقنين الحصول على المعلومات بثقة واطمئنان، والأهم أن إقصاء المنابر المخالفة يعزّز فكرة المنافسة بين الصحف على أرضية مهنية بعيدا عن لغة الإثارة من جانب البعض، لتحقيق شهرة ومعدل قراءات من خلال الخروج عن النص.

ومن شأن تقنين أوضاع الصحف الإلكترونية أن يحصل محرّروها على اعتراف رسمي متأخر من الدولة، بعد سنوات طويلة من الكفاح للوصول إلى هذه النقطة، فهناك تفكير جاد داخل نقابة الصحافيين لإدراج صحافيي المواقع تحت سقفها، ما يمنحهم شرعية التعامل مع الجهات الحكومية دون تضييق أو استهداف.

ويشتكي بعض الصحافيين من أن خطوة التقنين قد تطال غلق مواقع حيوية أحدثت إضافة للمهنة، لكنّ مؤيدي الخطوة دافعوا عن ذلك بأنه لا يمكن التحجج بهذه المبررات للعمل خارج إطار القانون وعدم الالتزام بالقواعد والمعايير، وتضييع الفرصة على محرري المواقع المعترف بها في الحصول على مزايا مادية واعتراف رسمي.

واشترطت نقابة الصحافيين أن يكون المحرر الإلكتروني المنضم إليها عاملا في موقع شرعي مرخص، وغلق غير المرخص يسهّل الطريق أمام الاعتراف بمن يعملون في مواقع شرعية، بحكم أن الصحافة الورقية في طريقها للاندثار في ظل التراجع الحاد، ولا بديل عن تحويل المواقع ومحرريها إلى كيانات تقود المهنة بغطاء قانوني.

يحيى قلاش: لا يمكن استقامة المشهد دون القضاء على العشوائية

ورأى يحيى قلاش نقيب الصحافيين الأسبق، أن إقصاء المنابر الصحافية غير المحترفة من المشهد، خطوة هامة لتحسين صورة المهنة أمام الرأي العام، والقضاء على ما يسمّى بالصحافة الصفراء، أو صحافة الإثارة، لأن ذلك تسبب في مشكلات كبيرة، ولا يمكن استقامة المشهد دون القضاء على الابتزاز والعشوائية.

وأضاف قلاش لـ”العرب”، أن تقنين أوضاع الصحافة الإلكترونية يضع حدّا لنشر المعلومات المزيّفة التي لا تتفق مع المهنية، ويحول دون انتحال البعض صفة وأسماء صحف ومواقع كبرى لتحقيق شعبية زائفة تتسـبب في إرباك الجمـهور وتشويه صورة المؤسسات الصحافيـة الموثوق بها، بحثا عن الانتشار السريع.

وفوجئ العاملون في مؤسسات صحافية كبيرة خلال الفترة الأخيرة بوجود مواقع إخبارية تنتحل صفة صحف كبيرة، مثل الأهرام، حيث يوجد موقعان يحملان اسم “الأهرام الكندية”، و”الأهرام اليوم”، وتكرر نفس الأمر مع صحف الجمهورية والمساء، وهي إصدارات لها تاريخ ويتم العبث باسمها.

ويعود إقصاء المواقع المخالفة بالنفع على نظيرتها المعترف بها، لأن الصحافة الإلكترونية غير الشرعية استطاعت أن تسحب من رصيد المهنية باعتمادها على الشائعات ومناقشة موضوعات شائكة وغريبة لاستقطاب شريحة معيّنة من الجمهور تستهويه هذه القضايا التي تفتقد للموضوعية.

ويحمل إقصاء المنابر المخالفة ميزة أهم للمهنة نفسها، لأن الشروط التي حددها مجلس تنظيم الإعلام للترخيص صارمة، منها أن يكون 70 في المئة من هيكلها التحريري ممثلا بصحافيين أكفاء لهم تاريخ وسمعة ومصداقية، ورؤساء التحرير لهم سجل ورقم عضوية بنقابة الصحافيين، وتمويل الإصدار معروف، ويكون الموقع نفسه يتبع مؤسسة مختصة بالنشر.

ويقود ذلك إلى إقصاء المواقع التي تتلقى تمويلات أجنبية، في تمهيد علني لوجود توجه حكومي لغلق الثغرة التي تتسرّب منها بعض الصحف الرقمية وتدعمها جماعات مشبوهة، وتعمل دون سند قانوني بعيدا عن رقابة الجهات الرسمية، وتعتمد في غالب موضوعاتها وأخبارها على ترويج الشائعات وتأليب الرأي العام ضد الدولة المصرية.

18