مصر تغلق ثغرة نسب أطفال دور الأيتام إلى أسر بديلة

أقر مجلس النواب المصري (البرلمان) التعديلات الجديدة على قانون محاكم الأسرة الذي تقدمت به الحكومة، لغلق ثغرة إثبات النسب للأطفال المودعين بدور الرعاية التابعة لوزارة التضامن، بعد قيام بعض “الأسر البديلة” في الآونة الأخيرة برفع دعاوى قضائية طالبت فيها نسب الأطفال إليها.
السبت 2017/12/16
أطفال في حاجة إلى جو أسري لا إلى مأوى

القاهرة – أغلق البرلمان المصري الثغرة التي كانت تنفذ منها بعض “الأسر البديلة”، التي تتكفل برعاية أطفال دور الأيتام، لمحاولة إثبات نسب هؤلاء الصغار إليها من خلال محاكم الأسرة.

ونصت المادة المستحدثة التي أقرها البرلمان أخيرا على “أن تكون محاكم الأسرة ملزمة بتضمين تقرير الأخصائي الاجتماعي المقدم للمحكمة بصفته خبيرا، بيانا حول ما إذا كان الصغير المرفوعة ضده دعوى إثبات نسب خاضعا لنظام الأسر البديلة التابع لوزارة التضامن من عدمه، تلافيا لصدور أحكام بإثبات نسب هؤلاء الأطفال”.

ويعني ذلك أنه في حال قيام أي أسرة برفع دعوى قضائية لإثبات نسب طفل إليها، أن تعلم المحكمة من خلال أخصائي اجتماعي أولا، عما إذا كان هذا الطفل ضمن أطفال دور الرعاية أم لا، وإذا ثبتت صحة ذلك يتم رفض الدعوى لأنه من حق الأسرة البديلة إثبات نسب الطفل المتكفلة برعايته ضمن أبنائها الفعليين.

وبرّرت الحكومة موقفها من إضافة هذه المادة في قانون محاكم الأسرة، بأنها توقف اختلاط الأنساب والتصدي لمحاولات بعض الأسر التي لم تنجب أبناء بأن تسمي أحد الأطفال باسمها دون وجه حق، مستغلة في ذلك عدم وجود أسرة له أو أنه طفل مشرّد، لا سيما وأن المؤسسات الدينية المصرية تتمسك بحرمة “تبنّي” الأطفال، فضلا عن أن هناك من يحاول تشويه صورة مشروع الأسرة البديلة بسبب هذه الثغرة القانونية. وتستهدف وزارة التضامن الاجتماعي من الأسر البديلة شرائح عديدة من الأطفال، كمجهولي النسب والأطفال غير الشرعيين الذين يتخلى عنهم أقاربهم، والضالون الذين لا يمكنهم الإرشاد عن أسرهم وتعجز السلطات عن الاستدلال عنهم أيضا، إلى جانب من تستحيل رعايتهم في أسرهم الأصلية، كأبناء المسجونين ونزلاء مستشفيات الأمراض العقلية.

وتسعى الحكومة إلى إغلاق جميع دور رعاية الأطفال وتوسيع الاعتماد على الأسر البديلة، بعدما أصبح بعضها يتاجر باسم الصغار للحصول على تبرعات فضلا عما تشهده من انتهاكات بدنية ونفسية، إضافة إلى أن الأسر البديلة سوف توفر الكثير من الإنفاق الحكومي الموجه لدور الرعاية، لأن كل أسرة ملزمة بالإنفاق على الطفل الذي ترعاه.

الحكومة تسعى إلى إغلاق دور رعاية الأطفال والاعتماد على الأسر البديلة، بعدما أصبح بعضها يتاجر باسم الصغار

وتصطدم فكرة تبنّي الأطفال للأسر البديلة برأي ديني أزهري وسلفي متحجر، إذ يحرمّ (الرأي) بشدة أن تقوم هذه الأسر بتبنيهم أو كفالتهم إلى الأبد داخل البيوت، لأنهم عندما يكبرون في السن يحق لهم الزواج من بعضهم باعتبارهم غرباء (أعضاء الأسر والشباب أو الفتيات الذين تم تبنيهم)، لذلك تُلزم وزارة التضامن هذه الأسر بالتخلي عنهم عند سن البلوغ.

وسبق عند توقيع مصر على الاتفاقية الدولية للطفل، أن تحفّظت على مادة التبني، لمعارضتها الشريعة الإسلامية، لكنّ متابعين رأوا أن هذا التحفظ بدأ يتلاشى مع مرور الوقت إلا في ما يتعلق بمنح اسم الأب للطفل المكفول، الأمر الذي تلقفته الجماعة السلفية للتصعيد ضد مشروع الأسرة البديلة.

وذهب متابعون إلى أن هذا التصعيد مرده أن بعض الإسلاميين والجمعيات الشرعية الموجودة بالمساجد يمتلكون دورا لرعاية الأطفال ومنهم من يستثمرها في جلب التبرعات واستعطاف الناس، وأن اعتماد الحكومة على الأسرة البديلة بشكل أوسع، يقلص المكاسب المادية التي كانت تدخل خزائن دور الأيتام المملوكة لهؤلاء.

ويرى حقوقيون أن تحرك الحكومة نحو إجراء تعديلات على قانون محاكم الأسرة بما يمنع نسب الأطفال للأسرة البديلة، جاء في سياق ديني بحت، من خلال تطبيق الشريعة وتصعيد السلفيين المتكرر ضد فكرة الأسر البديلة ووصول الأمر حد تحريم بعض الشيوخ رعاية أي أسرة لطفل يتيم أو ليس له أقرباء بدعوى أنه عندما يكبر سوف يكون غريبا عنها ولا يحق له العيش معها.

ويقول هؤلاء إن موافقة البرلمان بشكل سريع على تعديلات الحكومة على قانون محاكم الأسرة أغلقت الباب أمام السلفيين لنشر ثقافة تحريم الأسرة البديلة في المجتمع، خاصة بعد نجاح الفكرة في توفير جو أسري مترابط من أب وأم وإخوة للأطفال اليتامى، بدلا من دور الرعاية التي لا تقدم سوى المأوى وبعض الخدمات الاستثنائية فقط للطفل.

وواجهت تعديلات القانون داخل البرلمان معارضة شرسة من جانب نواب حزب النور السلفي (9 نواب)، الذين اعتبروا أن التحرك نحو تحجيم دور رعاية الأيتام مقابل توسع الاعتماد على الأسر البديلة وشرعنتها لهذا الحد، “خطر على المجتمع” من الناحية الأخلاقية، وهو ما لم تأخذ به الأغلبية البرلمانية التي أقرت التعديلات.

وكانت وزارة التضامن، قبل صدور هذه التعديلات، أعلنت عن خطط لتسهيل إجراءات شروط كفالة الطفل اليتيم داخل الأسرة، من بينها تسليم الرضع من سن ثلاثة أشهر، ورفع سن الزوجين الراغبين في الكفالة إلى ستين عاما بدلا من 55 عاما، وأن تكون الأسرة البديلة ميسورة الحال وتمتلك مسكنا وأن يثبت البحث الاجتماعي قدرتها على الإنفاق على الطفل الذي ترعاه.

وقال أحمد صالح، رئيس جمعية الدفاع عن الطفل، إن غلق ثغرة نسب الأطفال لأسرهم البديلة يفتح المجال أمام التوسع في فكرة هذه النوعية من الحاضنات الاجتماعية للمحرومين من أسرهم، لأن ذلك يتصدى للموروث الرافض للفكرة بدافع ديني على اعتبار أن ذلك من المحرمات.

وأضاف لـ”العرب” أن المسألة كانت بحاجة إلى تقنين للوضع القائم حتى لا يترك الطفل ينتسب لأسرة لم يخترها، أو يعيش طوال حياته مخدوعا إذا انتسب لأسرة بديلة ما قد يدمر حياته عند الكبر ولا يستطيع أن يتبرأ من ذلك.

وأشار إلى أن اعتماد محاكم الأسرة على تقارير الأخصائيين الاجتماعيين لمعرفة ما إذا كان الطفل مدرجا ضمن مشروع الأسر البديلة من عدمه قبل البت في مسألة نسبه، غير كاف، لأنه قد يحدثُ تزوير في الأوراق، ولا بد من الاعتماد أيضا على تحليل الوراثة المعروف بـ”دي إن إيه”، ويترك الطفل ليحدد عند بلوغه سن الرشد مصير حياته ويختار الأسرة التي يريدها.

21