مصر تفاجأ بالعيد السبعين لإسرائيل

اللجوء إلى التسوية مع إسرائيل خيار سياسي ضمن حزمة من الخيارات التي لا تتناسب معها طريقة "والله زمان سلاحي".
الخميس 2018/05/10
هكذا احتفلت السفارة

حظي احتفال إسرائيل بذكرى إعلان تأسيسها السبعين، بضوضاء كبيرة في مصر هذه المرة، وكأن القاهرة تفاجأت بموعد الذكرى. وكشفت الطريقة التي جرى التعامل بها معها، عن ازدواجية فاضحة، درجت الكثير من الدول العربية على ممارستها في حالة إسرائيل، التي لا أحد ينكر أنها احتلت أجزاء واسعة من الأراضي العربية.

في الظاهر ثمة عداء سافر يدغدغ مشاعر المواطنين، لأن القضية الفلسطينية لا تزال تحتل حيزا في وجدانهم، على الرغم مما يحيق بها من تراجع في الاهتمامات. في الباطن هناك علاقات وطيدة تجمع إسرائيل بعدد من الدول العربية، في مقدمتها مصر التي وقعت اتفاقية سلام معها عام 1979.

الازدواجية المصرية تحولت إلى أداة من الأدوات السياسية التي تحقق جملة من الأهداف، أصبحت ذريعة للتنصل من بعض الالتزامات الدبلوماسية، أو بمعنى أدق حفظ قدر من ماء الوجه أمام الرأي العام.

كانت هذه المسألة علامة رئيسية في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. في الوقت الذي كان عهده نموذجا للهدوء والتعاون السياسي والاقتصادي، بلغت فيه المعارضة المصرية ضد إسرائيل عنفوانها الصوتي.

أصبح شعار رفض التطبيع مع إسرائيل سيفا في جميع النقابات المهنية بمصر، يصعب أن يخترقه أحد الأعضاء، وإذا حدث يتعرض لعقوبات نقابية، تصل إلى تهديده بعدم مزاولة المهنة.

تصدرت نقابة الصحافيين الواجهة في هذه المعركة الرمزية، وحافظت على موقفها الرافض للتطبيع، إلى أن انهارت حوائط الصد، ولم يعد مجلس النقابة يبالي بمن ذهب إلى الإسرائيليين، وأي طريق سلك، ومن استقبلهم في القاهرة؟

قضى تبدل سلم الأولويات بمصر على هذه الممانعة الخادعة، التي لم تعبر فقط عن رفض للعلاقات مع إسرائيل، لكنها كشفت عن حجم التوظيف الرسمي لها. وكما كان هناك تجار مع التطبيع، كان أيضا هناك تجار ضد التطبيع.

أذكر في عام 1996، أنه جاءت شخصية إسرائيلية كبيرة للقاهرة، وأرادت أن تلتقي عددا من الكتاب والمفكرين للحوار معهم. قامت الأجهزة المعنية في مصر بترتيب اللقاء في سرية تامة، واستجاب كثيرون من باب حب الاستطلاع والمزيد من المجاملة للحكومة، والتناغم مع ما عرف في ذلك الوقت بـ”مجموعة كوبنهاغن” التي قادها المفكر الراحل لطفي الخولي، بهدف تقريب وجهات النظر بين العرب وإسرائيل للتوصل إلى تسوية مقبولة، بناء على القرارات الدولية ذات الصلة.

الغريب أن الحكومة التي دعت هؤلاء في السر لعقد اللقاء وقتها، هي نفسها التي أفشت أسماء من حضروا اللقاء، وقدمتها أجهزتها الأمنية إلى محررين في صحف معارضة للنظام الحاكم، عرفت بمواقفها الصارمة – الظاهرة من التطبيع مع إسرائيل، ومن يدعون له.

ما أشبه الليلة بالبارحة، في كل عام تحتفل إسرائيل بذكرى تأسيسها، ولم نشهد كل هذه الانتقادات التي ظهرت يومي الاثنين والثلاثاء، والدعوات المكثفة من قبل سياسيين ونخب مختلفة إلى تدخل الحكومة ومنع الاحتفال. الحكومة كعادتها لم تتدخل وتركت الناس لتفريغ شحناتهم العاطفية، وتم الاحتفال، الذي من المؤكد أنها على علم بتفاصيله، وقامت أجهزة الأمن بتسهيل الترتيبات اللازمة لتأمينه، بدءا من حجز الفندق وقائمة المدعويين وحتى مغادرتهم.

الاحتفال هذا العام أخذ اهتماما واضحا، لأنه عُقد في أحد الفنادق الكبيرة “ريتز كاريتون” بالقاهرة، القريب من جامعة الدول العربية، وعلى بعد مئة متر من جسر 6 أكتوبر الشهير، المسمى على ذكرى انتصار مصر على إسرائيل في 6 أكتوبر عام 1973.

الفندق يطل على أكبر ميادين القاهرة، وهو ميدان التحرير الشهير، رمز ثورة يناير 2011، التي أسقطت نظام حسني مبارك، الذي احتفظ بعلاقات دافئة مع إسرائيل، إلى الدرجة التي وصفه أحد قادتها بأنه “كنز استراتيجي”.

لا أحد يعرف بالضبط أسماء من حضروا، لكن بيان الخارجية الإسرائيلية، أشار إلى أن المراسم حضرها لفيف من “الدبلوماسيين ورجال الأعمال، وممثلون عن الحكومة المصرية”. ومن غير المستبعد أن يتم تسريب أسماء من حضروا الحفل قبل أن يقرأ القارئ هذا المقال.

وقال دافيد جوبرين، السفير الإسرائيلي لدى القاهرة، خلال الحفل “الشراكة المتينة بين مصر وإسرائيل تشكل قدوة ومثالا لحلّ صراعات إقليمية ودولية في العالم”.

كلام جوبرين يعبر عن واقع إلى حد كبير يتعمد الكثير من المصريين والعرب تجاهله، يتعلق بالتبدل الحاصل في الاهتمامات، والتغير اللافت في الحسابات والتقديرات. لم يعد أحد (تقريبا) يتحدث عن الحرب والمقاومة وقذف إسرائيل في البحر. الجميع يتسابق نحو البحث عن فرص السلام، وفي أحسن الأحوال تعظيم التسوية السياسية، وليس الاعتراض عليها.

ما حدث من صخب في مصر، مساء الثلاثاء، جزء من ثقافة الصياح التي أدمناها في التعامل مع إسرائيل وغيرها، وأدت إلى خسائر فادحة في الكثير من المواجهات المصيرية. وبسببها تكاد تضيع القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا العربية.

لست ضد الحرب والمقاومة، لكن مع ضرورة الاستعداد لهما جيدا، وتوفير الإمكانيات اللازمة لتطبيقهما بصورة عملية. كيف نتحدث عن مقاومة وهناك من يساوم ويناور بها؟ أي حرب التي يمكن أن نخوضها ونحن منقسمون ويقاتل بعضنا بعضا؟

اللجوء إلى التسوية مع إسرائيل خيار سياسي ضمن حزمة من الخيارات المحدودة التي لا تتناسب معها طريقة “والله زمان سلاحي” التي كان يرددها آباؤنا في ستينات القرن الماضي. العالم يدار وفقا لتوازنات القوة الشاملة الحقيقية، ومن بينها القوة العسكرية. أين نحن كعرب من ذلك؟

الإجابة معروفة وكاشفة لحجم المأساة. عندما يمعن أحدنا النظر في الخلافات الفلسطينية التي وصلت إلى درجة التضحية بالقضية في سبيل الانتصار لمواقف شخصية، يجد من الطبيعي أن تفاخر إسرائيل بالاحتفال بذكرى تأسيسها السبعين وفي قلب القاهرة، وهي مدركة أن من وجهت لهم الدعوة سيرحبون ويحتفون بها.

سيوف المقاومة ورفض التطبيع والإدانة والشجب، تلاشت مع الواقع المرير الذي نعيشه. الازدواجية آفة جعلتنا لم نعد نرى أبعد من أرجلنا. كثيرون يبحثون عن وسيلة للخروج من مأزق حالي أو محتمل، ولم يعتادوا البحث عن علاج حاسم.

احتفلت إسرائيل بذكرى التأسيس في قلب القاهرة، وستحتفل في بلدان أخرى مع حلول 14 مايو. وهي منتشية بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة. سوف نظل نبكي على اللبن المسكوب.

2