مصر تقاوم التحرش بملابس قصيرة للنساء

في الماضي، كنّا نرتدي الفساتين القصيرة، التي فوق الركبة، ولا يتعرض لنا أحد، أمّا الآن، ورغم انتشار الحجاب والنقاب، فقد تفشت بصورة غير مسبوقة حالات التحرش، هيّا إذا نعود إلى الملابس القصيرة، لنجبر الرجال على احترام أجسادنا.. ذلك هو جوهر مبادرة، طرحتها شابة مصرية مؤخرا، ولاقت الكثير من الانتقاد، إلا أن العديد من الرجال رحبوا بها أيضا.
الاثنين 2016/12/19
هل تجبر الفساتين القصيرة الرجال على احترام جسد المرأة

"فستان زمان والشارع كان أمان"، مبادرة تناهض التحرش الجنسي الواقع على المرأة المصرية، حاولت صاحبتها الشابة، هادية عبدالفتاح، بالتعاون مع المصور الفوتوغرافي جهاد سعد، أن يردا على من يدّعون أن ملابس المرأة، سبب التحرش الجنسي بها، في الوقت الذي كانت المصريات في الستينات يرتدين الفساتين القصيرة المكشوفة، ويمشين بأمان في الشارع.

فكرة هادية وسعد، جاءت ضمن “حملة الـ16 يوما”، الداعية إلى مقاومة العنف ضد المرأة، والتي أطلقتها هيئة الأمم المتحدة بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة بمصر، وانتهت يوم 10 ديسمبر الحالي، إلا أن هادية وسعد، يعملان بشكل مستقل، وينفقان على أفكارهما، من مالهما الخاص، دون التبعية لأي جهة رسمية.

هادية قالت لـ”العرب”، “بحثت عن أفكار غير معتادة وصادمة للمجتمع، أستطيع من خلالها توصيل العمق في طرحي لقضايا المرأة، وتحريك المياه الراكدة بإلقاء حجر فيها، وبعد بحث طويل عن من ينفذ معي فكرتي، ويؤمن بالقضية دون مقابل مادي، وجدت ضالتي في المصور الفوتوغرافي جهاد سعد”.

الاثنان قاما معا، بعمل جلسات تصوير، في شوارع وسط القاهرة، بصحبة مجموعة من الشابات من مختلف الأعمار، ومختلفات كذلك في الحالة الاجتماعية، بين عازبة ومتزوجة، ارتدين فساتين قصيرة مكشوفة الكتفين، وكان من المهم للغاية وجود المحجبات بالمشهد، واللائي ارتدين هن أيضا فساتين لكنها تناسب الحجاب.

هادية (29 عاما)، شابة قادمة من محافظة دمياط (شمال مصر)، عملت منذ عام 2010، مع مؤسسات المجتمع المدني، المتخصصة في حقوق المرأة والطفل، وباتت تولي هاتين القضيتين اهتماما كبيرا، ثم استقلت بعملها وبأفكارها، بعد سنوات من الخبرة.

وأوضحت هادية، أن فكرة تصوير فتيات في الشارع، يرتدين فساتين قصيرة، شبيهة بتلك الفساتين التي كانت ترتديها النساء في الستينات، ثم يمشين بجرأة في الشارع، دون أن يتحرش بهن أحد، كانت في مخيلتها منذ أكثر من عام، لكسر حجة الرجال، بأن ملابس المرأة هي ما يثير غرائزهم، وتجعلهم يتحرشون بها.

وأكدت هادية أن ملابس المرأة، ليست السبب في التحرش بها، خصوصا وأن غالبية نساء المجتمع أصبحن الآن من المحجبات ومن مرتديات النقاب، ولفتت إلى أن أعلى نسب التحرش الجنسي عالميا، موجودة في أفغانستان وباكستان، رغم ارتداء نسائهما ما يغطي رأس المرأة حتى أخمص قدميها.

أرجع بعض الخبراء، تفاقم ظاهرة التحرش الجنسي في مصر، إلى أسباب عدة، منها التدني الأخلاقي للشباب، بسبب عدم تطوير الخطاب الديني، والأفلام التي تحرض على البلطجة، واستخدام النساء العاريات كسلعة لترويج المنتجات، بينما أرجعها آخرون إلى نزول النساء للعمل، وارتدائهن ملابس مثيرة.

فكرة هادية، تلقفتها بعض المواقع الإلكترونية وصحف محلية بشغف شديد، وتابعوا تحركاتها، وقاموا بتصوير الفعاليات، فأحاطت بها حالة من الجدل، بين مؤيدين ومعارضين لها، وكان الاعتراض أشبه بالهجوم والتحقير من الفكرة برمتها، بل اتهمها البعض بأن ارتداء الفتيات فساتين قصيرة ومكشوفة، وسيرهن بالشوارع، يحرض على التحرش الجنسي أكثر.

ملابس المرأة ليست السبب في التحرش بها، خصوصا وأن غالبية نساء المجتمع أصبحن الآن من المحجبات

قالت هادية “أتابع حالة الجدل الدائرة حول المبادرة، ولا يزعجني أمر من يعارض الفكرة، ولا حتى بمن يشتمني، فهذا يعني أن الفكرة صدمت المجتمع، وحققت بشكل كبير هدفها بطرح القضية، وفتحت النقاش حولها، والمهم أن يعرف الجميع أن التحرش ليس سببه ملابسنا نحن النساء”.

ورغم المعوقات الأمنية، والتي كانت تستلزم الحصول على تصريح من وزارة الداخلية، وعدم وجود من يوافق على استضافة الفتيات اللاتي وقفن للتصوير (الموديلز)، سوى مقهى “عيش وملح” بوسط القاهرة، إلا أن مبادرة هادية لاقت نجاحا، وتم اختيار الفتيات المشاركات في التصوير، بشكل عشوائي على صفحات التواصل.

المصوّر الفوتوغرافي، جهاد سعد، ابتدع فكرة استخدام الكاميرا الخاصة به في تصوير الفتيات وهن يقع عليهن العنف، وجاء ذات مرة بفتاة من حي شعبي، وقام بنفسه بعمل ماكياج لوجهها وجسدها، يبرزهما وكأنهما تعرضا للضرب من جانب زوجها، ليوضح حالات العنف الأسري، الذي يمارس ضد المرأة في مصر، وخصوصا في الطبقات الدُنيا.

وسعد هو مؤسس صفحة “روبابيكيا”، التي تعنى بشكل كبير بقضايا المرأة، وشارك هادية في المبادرة وخروج الفكرة إلى النور، وهي المبادرة التي توافقت مع نفس منهاجه.

وأشار لـ”العرب”، إلى أنه منذ عام 2008، أي قبل ثورة 25 يناير 2011، وهو يهتم بشكل كبير بقضايا المرأة، وشدد على أنه لا ينتمي إلى أي مؤسسة نسوية، بل يعمل بشكل مستقل، مؤكدا أنه ينفق من جيبه الخاص على تلك المشاريع.

ورغم صعوبة التصوير في الشارع بفتيات مرتديات فساتين قصيرة، إلا أن سعد تحمس للفكرة، ليدلل على أن ملابس المرأة لا تحض على التحرش الجنسي، وأن الأمر برمته مسؤولة عنه الأخلاق.

ولفت سعد في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن المجتمع لا يزال في حاجة إلى تثقيف وتوعية كبيرين للغاية، وحتى الآن يواجه هجوما كبيرا، عند تصويره أي جلسة تصوير خاصة بقضايا العنف ضد المرأة، وتعجّب من أن الجمهور المتلقي ترك الفكرة من أساسها وراح يعلق على شكل الفتاة، وفستانها، والديكور المصاحب للتصوير، وليس هذا فحسب، بل كانت هناك شتائم وسبّ لكل من قام بالعمل.

وأوضحت هادية أن لديها خارطة للدفاع عن حقوق المرأة في العام الجديد 2017، ستنفذ من خلالها أكثر من 45 جلسة تصوير تخص قضايا العنف الواقع ضد المرأة باعتباره عام المرأة، وأنها في كل مرة ستختار مصورا مختلفا لتكون هناك أفكار متعددة وجديدة.

21