مصر تكافح للتوصل لخطة فعالة لمواجهة كورونا

الحكومة المصرية تتخوف من أن يؤدي الانفتاح وتخفيف القيود إلى المزيد من ضحايا الفايروس الذين يتزايدون يوما بعد يوم.
الجمعة 2020/05/15
إجراءات شديدة لتفادي أي انتكاسة

القاهرة – تجد الحكومة المصرية نفسها في ورطة مع فايروس كورونا، هل تواصل خطواتها الاحترازية أم لا، فهي تشعر أن غالبية الخطوات التي اتبعتها غير فعالة بشكل كاف، ما يتطلب توسيع نطاق الحظر في الشارع، لكنها تخشى أن يتواصل نزيف الاقتصاد وترتفع نسبة البطالة بصورة أكبر..

وتعمل الحكومة على فك بعض القيود على الأنشطة الرئيسية، وهي تضع يدها على قلبها، خوفا من أن يؤدي الانفتاح وتخفيف القيود إلى المزيد من ضحايا الفايروس القاتل الذين يتزايدون يوما بعد يوم.

ربما تكون هذه الورطة شبيهة بورطات تعيشها حكومات أخرى في العالم، لكن لمصر خصوصية يعرفها كل من يعيش فيها حاليا، وكيف يتعامل قطاع كبير من الناس مع كورونا.

وفشلت جهود وتحذيرات الحكومة في حض المواطنين على الالتزام بضوابط التباعد الاجتماعي، وبدت الكثير من الشوارع مزدحمة، والمواطنون غير عابئين بالعدوى، أو على حد قول بعضهم “الأعمار بيد الله”، في إشارة قوية إلى التواكل وارتفاع درجة اللامبالاة، وهناك فئة تتعامل باستهانة شديدة وتعتقد أن الفايروس غير قاتل، أو مسرحية تشارك فيها الحكومة المصرية.

وأعلنت وزيرة الصحة المصرية هالة زايد الخميس، خطة تتضمن تحديد اشتراطات أساسية لعمل المنشآت والجهات ووسائل النقل المختلفة، واستمرار أنشطة التباعد الاجتماعي والحد من التزاحم، والحفاظ على كبار السن وذوي الأمراض المزمنة، ونشر ثقافة تغطية الوجه بالكمامات، وتشجيع الاهتمام بالحالة الصحية العامة.

وسيتم تنفيذ الخطة على ثلاث مراحل رئيسية، الأولى تشمل إجراءات شديدة لتفادي أي انتكاسة، وتتضمن: الفرز البصري والشفوي وقياس الحرارة لمن يدخلون المنشآت والمترو والقطارات، وإلزام الجميع بارتداء الكمامة عند الخروج من المنزل، وإلزام أصحاب الأعمال والمحال التجارية وضع وسائل تطهير الأيدي على الأبواب، والحفاظ على كثافة منخفضة داخل المنشآت، وعدم فتح دور السينما والمسارح والمقاهي أو أي أماكن ترفيهية.

علاوة على عدم فتح صالات الألعاب الرياضية وقاعات الاحتفالات والاستراحات المغلقة بالأندية، وتخصيص عربة كاملة لكبار السن والحوامل في المترو، ومقاعد خاصة إضافية لهم بجميع وسائل النقل الأخرى، وتشجيع خدمات الشراء الإلكتروني والتوصيل، مع مراعاة إجراءات منع انتشار العدوى. وفي حال عدم حدوث انتكاسة تبدأ المرحلة الثانية لمدة 28 يوما، وتتضمن استمرار معظم إجراءات سابقتها.

وتشير خطة وزارة الصحة إلى أن الحكومة تتعامل مع الأزمة وفقا لمقتضياتها، فبعد مرور أسابيع على تسجيل أقل من 20 حالة وفاة في اليوم وإصابة حوالي 200 بفايروس كورونا، شهدت الأرقام زيادة في الأيام الأخيرة بشكل ينذر بالسوء، وتم الإعلان الجمعة عن رقم قياسي جديد، هو 495 إصابة جديدة و21 حالة وفاة جديدة، ولا تزال الأرقام المعلنة تدور قريبا من هذه الأرقام.

وزيرة الصحة ألقت اللوم على المجتمع لعدم إتباع القواعد، في حين يرى الناس أن الحكومة مسؤولة عن توفير الوقاية

وتظل حالة عدم اليقين مستمرة بين قطاع من المواطنين، فبين التعامل بحذر شديد، وبين العشوائية الحادة، خيوط رفيعة يمكن أن تتحول إلى وبال على الجميع، فالحريصون حتما أكبر المتضررين من المتهاونين.

ويعتقد خبراء أن تخفيف القيود في بداية شهر رمضان أحد الأسباب التي تفسر انتشار الفايروس، حيث جرى تأخير حظر التجوال إلى التاسعة مساء بدلا من الثامنة، وتم السماح للمتاجر الكبيرة (المولات) بفتح أبوابها يومي الجمعة والسبت بعد أن كانت مغلقة في هذين اليومين.

وفي حادثة غريبة وغير مفسرة تم اقتراح وضع لوائح جديدة لنقابة الصيادلة من شأنها أن تسمح بإعادة تصنيف الصيادلة كأطباء من خلال إجراء بعض الاختبارات الإضافية لسد العجز في المستشفيات، وهو ما رفضته تماما نقابة الأطباء، وتم تجاهل الموضوع.

رغم أن هذا الاقتراح جاء من قبل إحدى إدارات المؤسسة العسكرية بشكل غير معلن لزيادة عدد الأطباء في البلاد، إلا أنه تم تسريبه على الفور ولقي سخرية على الإنترنت.

ومع اندفاع الحكومة من أجل تبني سياسة ناجعة، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مقبرة لمقترحاتها، وبدت كأنها تطارد قرارات الحكومة، وتفند الكثير منها وتضعها في مقارنة عملية مع الواقع، من خلال التشكيك في جدوى سياساتها.

وظهرت مقاطع فيديو لمرضى صوروا أنفسهم وهم يحتضرون بسبب إصابتهم بكورونا، ومع تزايد حالات الوفيات، ازدادت أيضا الانتقادات العامة للنظام الحاكم.

وكادت تخسر الحكومة المكاسب التي حققتها في الأيام الأولى للتعامل مع الجائحة قبل أن تتسم تصوراتها بقدر من الارتباك، وفقدان السيطرة على الأسواق المزدحمة المفتوحة، وعدم التمكن من وقف العشوائية في المناطق الشعبية.

وكتبت إحدى الطبيبات المصريات على فيسبوك قبل أن تبدأ في انتقادها لفشل النظام في معالجة الفايروس، بما في ذلك عدم وجود بروتوكولات للتعامل معه، وعدم وجود خطة أو قيادة أو أشعة مقطعية أو اختبارات مناسبة أو أجهزة تنفس أو وحدات عناية مركزة، تقول “آمل أن تقرأ هذا المنشور وتشاركه قبل أن يتم حذفه كالمعتاد وقبل أن أقع في مشكلة”.

ويقول أقارب المرضى اليائسون في مستشفيات العزل إنهم لا يتلقون معلومات حول ما يحدث في الداخل، وعندما يحاولون زيارتهم يتم إبعادهم.

وتشعر شرائح كثيرة من المواطنين بأن الحكومة في مأزق، لأنها لم تكن تتوقع ارتفاع أعداد المصابين خلال فترة وجيزة، ربما يكون العدد الإجمالي (نحو عشرة آلاف) يعد نسبة قليلة مقارنة بعدد السكان (مئة مليون)، لكن ارتفاع الوفيات إلى حوالي خمسمئة ضحية، يعتبر مرتفعا عن النسب العالمية.

وجعلت الأرقام المتناقضة البعض يعتقدون في عدم دقة الإصابات المعلنة، أو أن هناك تراخيا في تعميم الفحوصات الطبية، أو أن ثمة مصابين لا يذهبون إلى مستشفيات العزل، ويضطرون إلى دخولها بعد تأخر حالتهم، وهنا قالت وزيرة الصحة، إن 30 في المئة من الوفيات لاقت حتفها قبيل دخولها المستشفى أو بعد دخولها بساعات.

ويشير خبراء إلى أن الزيادة الملحوظة في الأرقام المعلنة تعود إلى توسيع نطاق الفحص الطبي، فكلما زاد جرى اكتشاف المزيد من المصابين.

لا يستطيع الكثير من المواطنين تحمل تكاليف الوسائل اللازمة للوقاية، يشتري المواطن الفقير أقنعة الوجه بـ1 جنيه مصري (0.05 جنيها إسترلينيا) من أجل الامتثال للإجراءات الجديدة، ومن أجل أن يسمح له بدخول المكاتب الحكومية وهي إشكالية تواجه الشرائح الفقيرة، حيث تعتبر الحماية الشخصية من كورونا باهظة.

مع انفلات زمام السيطرة، بدأت لعبة اللوم المتبادل بين الحكومة والمواطنين. وقد ألقت وزيرة الصحة اللوم على المجتمع لعدم اتباع القواعد، وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن النظام بذل قصارى جهده، في حين يرى الناس أن الحكومة مسؤولية عن توفير الوقاية، ولا يجب أن تترك الفقراء نهشا للمرض.

10