مصر تكشف تركيا- الإخوان

الجمعة 2013/11/29

ما يفسّر غضب تركيا- الإخوان من مصر، أن مصر كشفت طبيعة السياسة التركية التي يتّبعها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. لم تعد هذه السياسة سرّا عسكريا بعدما تبيّن أن لا هدف لتركيا إلا الترويج للإخوان المسلمين بغض النظر عن الطريقة التي وصلوا بها إلى السلطة، أو عجزهم عن امتلاك أي مشروع من شأنه النهوض بالمجتمع في هذا البلد العربي أو ذاك. إضافة إلى ذلك، يعكس التدهور في العلاقات بين القاهرة وأنقرة الفشل التركي على الصعيد الإقليمي، خصوصا في مجال استعادة، ما كان في الماضي سلطنة عثمانية، دور الدولة القادرة على لعب دور إيجابي في كلّ أنحاء الشرق الأوسط.. وصولا إلى شمال أفريقيا.

أكّد إبعاد السفير التركي من القاهرة أنّ ليس في استطاعة مصر أن تكون تابعا لتركيا- الإخوان، وأن تتلقى دروسا في الديمقراطية من رجب طيّب أردوغان أو غيره، وذلك في وقت تتراجع فيه الديمقراطية في تركيا نفسها. لم يعد هناك بكلّ بساطة نموذج تركي يستطيع أردوغان تسويقه في أي دولة من دول المنطقة، خصوصا بين العرب.

لم يعد ممكنا ترويج النموذج التركي، لسببين على الأقلّ. الأوّل أن أردوغان فشل فشلا ذريعا في كلّ خطوة أقدم عليها في المنطقة. والآخر أن رئيس الوزراء التركي لا يعرف شيئا عمّا جرى ويجري في الداخل المصري. لا يستطيع أردوغان أن ينظر إلى مصر إلا من زاوية واحدة، هي زاوية الإخوان المسلمين الممسكين بكلّ السلطة في الدولة العربية الأهمّ. هل يمكن اختزال مصر بالإخوان؟ إلى إشعار آخر، هذا الافتراض من رابع المستحيلات.

يرفض أردوغان حتى الاعتراف بأنّ مصر شهدت يوم الثلاثين من حزيران- يونيو الماضي ثورة شعبية حقيقية. لم يكن الأمر انقلابا عسكريا في أي شكل. إذا كانت لدى أردوغان وحزبه عقدة العسكر، فإنّ المصريين لا يعانون من هذه العقدة، خصوصا أنّ المؤسسة العسكرية المصرية باتت تعرف حدودها من جهة، وقد حصرت مهمّتها في دعم ما يطالب به الشعب، بأكثريته، من جهة أخرى.

لو لم تكن المؤسسة العسكرية المصرية تعرف حدودها، لما كانت استوعبت أن الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس حسني مبارك كانت ثورة بالفعل، ولما كانت دعمت العملية التي أدت إلى خروج مبارك من السلطة بأقلّ مقدار ممكن من الخسائر، بما في ذلك الخسائر البشرية.

كانت المؤسسة العسكرية جزءا من «ثورة الخامس والعشرين من يناير» التي خطفها الإخوان المسلمون، باعتراف وزير الخارجية الأميركي أخيرا. سرقوا الثورة مطلع العام 2011 بعدما قدموا كلّ الوعود المطلوبة في شأن التمسّك بالنهج الديمقراطي والمحافظة على مؤسسات الدولة، على رأسها القضاء المستقلّ والأجهزة الأمنية. تبيّن بما لا يقبل الشكّ أن الهدف الوحيد للإخوان، الذين لم يلتزموا أي وعد من وعودهم، كان يتلخّص بتكرار ما قام به العسكر بعد انقلاب 1952، أيّ الاستيلاء على كلّ مفاصل السلطة.. بما يضمن سقوط مصر تحت هيمنة الحزب الواحد. تغيّر العسكر في مصر، ولم يتغيّر الإخوان فيها. كلّ ما فعلته المؤسسة العسكرية المصرية يتمثّل في دعم خيارات الشعب المصري الذي يتطلّع إلى قيام نظام ديمقراطي عصري، وليس إلى استبدال الإخوان بالعسكر.

وجد المصريون في المؤسسة العسكرية ضمانة لهم ولاستمرار مؤسسات الدولة الضاربة في التاريخ، نظرا إلى أنّ عمرها آلاف السنين. ولكن أهمّ ما رفضه المصريون هو أن يكون بلدهم جرما يدور في الفلك الإخواني الذي تسيّره تركيا- أردوغان. رفض المصريون بكلّ بساطة أن يكون على رأس مصر رئيس ضعيف اسمه محمّد مرسي، لا يمتلك أي مشروع حضاري أو اقتصادي أو اجتماعي من أي نوع كان، باستثناء تغيير طبيعة المجتمع المصري نحو الأسوأ كي يسهل تحويل مصر إلى تابع لتركيا.

لابدّ من الاعتراف بأنّ تركيا تمثّل نجاحا اقتصاديا باهرا. في الأشهر العشرة الأولى من هذه السنة، جاء إلى تركيا ما يزيد على ثلاثين مليون سائح. هذا النجاح ليس عائدا إلى أن الإخوان صاروا في السلطة، بل عائد أساسا إلى مساعدتهم في المحافظة، إلى حدّ ما، على مؤسسات الدولة المدنية ومكافحة الفساد وطرح مشاريع اقتصادية طموحة والمحافظة على الأمن والاستقرار في الوقت ذاته. وهذا يعني أن إخوان تركيا في الداخل تصرّفوا على العكس تماما من تصرّف الإخوان في مصر بعد وصولهم إلى رئاسة الجمهورية.

لم يبدأ الإخوان في تركيا العمل على المسّ بالدولة المدنية إلا حديثا. وهذا المس أثار قسما لا بأس به من المجتمع التركي وسيخلق مشاكل كثيرة للإخوان مستقبلا، ويمكن أن يحبط مشروع أردوغان الهادف إلى إقامة نظام رئاسي قويّ يجلس على رأسه. أن تطرد مصر السفير التركي دليل على أن مصر تعرف ماذا تريد. لعلّ أكثر ما تعرفه مصر أنّ كلّ مكان في المنطقة تدخلّت فيه تركيا جلب على أهل هذا المكان الخراب. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، خذلت تركيا الشعب السوري. صعّدت كلاميا مع نظام بشّار الأسد الفئوي إلى أبعد حدود. ولكن على أرض الواقع، لم تفعل ما يمكن أن يحمي السوريين من وحشية النظام. لم تستطع حتى إقامة مناطق آمنة داخل سوريا يستطيع السوريون العيش فيها في ظروف شبه طبيعية بعيدا عن القصف الذين يتعرّضون له من الجو خصوصا.

تبيّن أن السوريين لا يستطيعون الاتكال على تركيا- أردوغان في أي شكل، وأن الكلام التركي عن ضرورة رحيل الأسد الابن لا يزال إلى الآن كلاما. أكثر من ذلك، اكتشف السوريون أن ليس في استطاعتهم سوى الاتكال على أنفسهم في حال كانوا يريدون التخلص من الظلم والطغيان والغرائز المذهبية والتطرّف والتبعية لإيران.

ما ينطبق على سوريا، ينطبق أيضا على غزّة. بدل أن تدعم تركيا السلطة الوطنية الفلسطينية وتسعى إلى إعادة «حماس» إلى رشدها، باعت الفلسطينيين الأوهام. أرسلت سفينة «مرمرة» في السنة 2010 لفكّ الحصار الإسرائيلي عن غزة. كانت العملية فاشلة إلى حدّ كبير. لا يزال الحصار الإسرائيلي مستمرّا. الجديد أنّ غزة تحوّلت بفضل الدعم التركي إلى بؤرة إرهابية لا أكثر تساعد في زعزعة الاستقرار المصري.

يحصل ذلك لأنّ تركيا لا ترى سوى الإخوان. عندما يكون هؤلاء في السلطة، وحتى خارجها، عليها دعمهم.. بغض النظر عن الأضرار التي تلحق بهذا الشعب العربي أو ذاك.

يكفي التمعّن في ما يدور في سوريا وغزّة للتأكد من أن ليس لدى تركيا من دروس تعطيها إلى أي طرف خصوصا مصر. لا نريد بالطبع التحدث عن الفشل التركي في تونس وليبيا وحتى لبنان. كلّ ما هو مطلوب أن يستوعب إخوان تركيا أن النموذج الذي يطرحونه كان صالحا لتركيا فقط، وأن أقصى ما يستطيعون عمله المحافظة على هذا النموذج، أي نموذج الدولة المدنية التي بدأت تظهر لديهم ميول إلى ضربها والقضاء عليها، بدءا بحقوق المرأة ووضعها الاجتماعي وصولا إلى التعليم.


إعلامي لبناني

8