مصر تلتحق بموجة محاسبة التماثيل على خطايا أصحابها

ترميم تمثال فرديناند ديلسبس بعد الإهمال يثير الجدل باعتباره كان شخصية انتهازية ساهمت في احتلال مصر سنة 1882.
الثلاثاء 2020/07/07
تعرض لكسر قاعدته سنة 1956

أضحى غضب الجماهير بلا بوصلة، مدفوعا بمرارات متراكمة ترفض التسامح مع الماضي، وتحمل العداء لكل رمز يربطها بالثورة عليه، ما دفع جموعا من المتظاهرين في كثير من بلدان العالم إلى محاسبة التماثيل المعبرة عن رموز يرونها غير أخلاقية، وتصرفاتها مرفوضة وهذا ما وسع الجدل في مصر حول ترميم تمثال فرديناند ديلسبس.

القاهرة – يبدو أن ظاهرة محاسبة التماثيل وصلت مصر مؤخرا، حيث أثار إعلان الحكومة المصرية عن إعادة تمثال فرديناند ديلسبس بعد الانتهاء من ترميمه إلى موضعه الأصلي عند مدخل قناة السويس بمدينة بورسعيد، شرق القاهرة، معركة ساخنة تمددت عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووصلت أصداؤها إلى مجلس النواب، وفضائيات وصحف عدة، وتشعبت القضية، وأخذت مسارات أخلاقية تداخلت مع أخرى سياسية في توقيتات بالغة الحساسية، ومليئة بالتعقيدات الداخلية والخارجية.

كان تمثال الدبلوماسي الفرنسي الذي أسس مشروع قناة السويس قبل حوالي قرن ونصف القرن، قد تعرض لكسر قاعدته سنة 1956 بواسطة أهالي مدينة بورسعيد كرد فعل شعبي على مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي ضد مصر، وظل التمثال موضوعا في مخازن الهيئة لنحو 61 عاما، عندما قررت الحكومة اعتباره أثرا عام 2017، وبدأت قبل أشهر ترميمه على نسقه الأول تمهيدا لعودته إلى قاعدته التاريخية.

وانطلقت مؤخرا موجة غضب للإطاحة بالتماثيل المعبرة عن رموز يرونها غير أخلاقية، ففي إنكلترا أزاح محتجون نصبا تذكاريا لإدوارد كولستون تاجر العبيد الشهير في القرن الـسابع عشر، وفي ولاية فرجينيا بأميركا أسقط المتظاهرون تمثالا للضابط الكونفيدرالي ألبرت بايك باعتباره أحد رموز العنصرية.

الأمم التي لديها تماثيل عديدة تعود إلى عصور مختلفة يعني أنها صاحبة حضارات عريقة من حقها أن تفاخر بها

وأسقط متظاهرون السبت تمثال كريستوفر كولومبوس في مدينة بالتيمور الواقعة على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، في أحدث هجوم يستهدف معالم وتماثيل لشخصيات تاريخية تتعلق بالعبودية أو الاستعمار.

وأطاح الغاضبون في بروكسل بتمثال الملك ليوبولد الثاني بسبب تاريخه العنصري تجاه الكونغو، حتى الحورية الصغيرة في كوبنهاغن، أشهر معالم الدنمارك تعرض إلى “عمل تخريبي” تمثل بكتابة شعار معاد للعنصرية على قاعدته.

ولم تسلم إثيوبيا من موجة شبيهة أسقط خلالها المحتجون تمثال هيلاسيلاسي آخر الأباطرة.

شريف عارف: يجب مراعاة المعايير الوطنية عند اتخاذ قرار ترميم تمثال ديلسبس
شريف عارف: يجب مراعاة المعايير الوطنية عند اتخاذ قرار ترميم تمثال ديلسبس

ردود فعل شعبية

اعتبر سياسيون وأعضاء برلمان مصر وقيادات شعبية ترميم التمثال وإعادة نصبه يمثل إهدارا لدماء وأرواح المصريين الذين سقطوا شهداء في عهد الاحتلال البريطاني، وخلال حفر قناة السويس.

وقدم مصطفى بكري عضو البرلمان بيانا عاجلا حول التمثال ذكر فيه أن ترميمه وإعادته يحملان إهانة بالغة للمصريين، وتاريخهم في النضال ضد الاستعمار.

دخل عبدالحكيم عبدالناصر، نجل الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، على خط المساجلة عبر إحدى الفضائيات، وكرر مطالبته للدولة بوقف ترميم التمثال، وصرف النظر تماما عن فكرة إعادة نصبه في مدينة بورسعيد، لأنه رمز واضح للاستعمار واستغلال الشعوب ونهب خيراتها.

اكتسبت شخصية ديلسبس رمزيتها الاستعمارية من نجاحه في إقناع سعيد باشا والي مصر سنة 1854 بفكرة ربط البحرين الأحمر بالمتوسط من خلال قناة مائية يتم شقها، وحصوله على امتياز بذلك، ليتم تشغيل الآلاف من المصريين بالسخرة في المشروع، مقابل الحصول على نسبة ضئيلة لم تتجاوز خمسة عشر في المئة من الأرباح، فضلا عن احتياله على الخديوي إسماعيل والاستيلاء على حصة مصر في القناة سدادا لديون خارجية، إلى جانب السماح للجيش البريطاني بدخول مصر عبر قناة السويس سنة 1882.

وأكد سياسيون أنه لا يجب الوقوف ضد المشاعرالإنسانية للناس، والنظر بعين الاحترام لرؤاهم وتصوراتهم.

حسن حماد: التماثيل قيمة حضارية وجزء لا يتجزأ من ذاكرة الشعوب
حسن حماد: التماثيل قيمة حضارية وجزء لا يتجزأ من ذاكرة الشعوب

قال نائب رئيس حزب الوفد الليبرالي حسين منصور لـ”العرب”، إن هناك في العالم كله رموزا للتوحش والكراهية لا يُمكن استيعاب الإشارات إليها تحت لافتة الفن أو المعمار أو التسامح الحضاري.

وأوضح أن الغضب الشعبي تجاه تمثال ديلسبس مفهوم، ليس لأنه فرنسيا أو أوروبيا، إنما لأنه كان شخصية انتهازية ساهم في احتلال مصر سنة 1882 عندما أقنع أحمد عرابي بعدم إمكانية دخول الإنكليز عبر قناة السويس باعتبارها ممرا دوليا، ثم سمح للإنكليز بالدخول عبر ممر القناة البحري.

وتم تحطيم التمثال من قبل المواطنين عام 1956 في ظل فورة غضب شعبي تجاه كافة الرموز الاستعمارية، وحتى لو كان ذلك الفعل حدث بدعم رسمي من الحكومة، وحتى لو كنا نختلف معها في ذلك الوقت، فإننا يجب أن ننصاع للمشاعر الشعبية ونتقبلها.

غضب انتقائي

إذا كان البعض يلاحظ أن موجة الغضب المشتعلة تجاه تمثال ديلسبس لا تنسحب على تماثيل أخرى للكثير من حكام مصر أو رموزها التاريخية المعروفة عبر التاريخ بالاستبداد والطغيان، مثل تماثيل الملك رمسيس الثاني الذي يعتقد أنه فرعون موسى، تحظى بكل اهتمام وتقدير، فإن مرد ذلك بأن الشعوب العربية بشكل عام يمكن أن تغفر لطغاة ومستبدين آثام الطغيان، طالما ينتمون إلى أهل البلد أو يحملون الدين الخاص بالأغلبية.

قال حسين منصور لـ”العرب”، إن التاريخ الشعبي يختلف عن الأكاديمي والمتخصص، وفي الغالب فإن العامة لا يعرفون التاريخ من الكتب المتخصصة، إنما مما عايشوه وعايشه آباؤهم وأجدادهم ونقلوه لهم.

صحيح أن حكاما كثرا لهم تماثيل ومبان تذكارية اقترنت أسماؤهم بالسخرة في بناء صروح ومشروعات كبرى، مثلما هو الحال مع ديلسبس، لكن التاريخ الشعبي انتقائي، ربما يغفر للظالم القريب، لكنه لا يغفر أبدا لمَن يعتبره عدوا.

هكذا لم يطالب أحد من القوى الشعبية بتحطيم تمثال إبراهيم باشا، نجل محمد علي حاكم مصر سابقا، على الرغم مما ذكره المؤرخون عن ظلمه للمصريين وتعسفه في جمع الضرائب من البسطاء إلى درجة شيهم على النار وهم أحياء.

أصنام فكرية

تاريخ تأميم قناة السويس
تاريخ تأميم قناة السويس

يرفض البعض أي مساس بالقيم التاريخية تحت لافتة غضب الجماهير، ويمنحونهم ربما قدرا من القداسة السياسية التي تحول دون الاقتراب منهم، وتمضي هذه النمطية على وتيرة إلى حد كبير ثابتة، ولا يستطيع أحد التشكيك فيها، أو يفكر في تحطيمها، مهما اختلفت الأجواء والحكومات.

أكد أستاذ الفلسفة وعلم الجمال بكلية الأداب جامعة الزقازيق شمال القاهرة حسن حماد لـ”العرب”، أن التماثيل التاريخية والتذكارية تمثل قيمة حضارية ومعمارية عظيمة.

ورأى أنها جزء لا يتجزأ من الذاكرة، بصرف النظر عن الطبيعة الأيديولوجية لصاحب التمثال سواء كان وطنيا أم طاغية أم مستعمرا أم خائنا.

وتساءل حماد، هل نحطم تمثال محمد علي لأنه نفذ مذبحة القلعة وراح ضحيتها المئات من المماليك؟ أو هل نتخلص من المعبد اليهودي لأننا نخوض صراعا ضد إسرائيل؟

وأوضح ضرورة احترام كل قيمة تاريخية لا تقدر، وأننا أمام عمل فني يجب الحفاظ عليه، “إنني أتصور أن الحملة ضد تمثال ديلسبس وتوابعها تقف خلفها جماعات سلفية، لأن هؤلاء يتعاملون مع التماثيل بوصفها أصناما”.

عودة التمثال إلى قاعدته تصرف حضاري وتصالح مع التاريخ
عودة التمثال إلى قاعدته تصرف حضاري وتصالح مع التاريخ

في سياق النقاش حول هدم تماثيل الميادين التاريخية، يرى خبراء آثار أن العداء لتماثيل الماضي في غير محله، مهما كانت أخلاق أو سياسات أصحابها، فلا أحد يستطيع محو تاريخه، وعلى العكس الأمم التي لديها تماثيل عديدة تعود إلى عصور مختلفة هذا يعني أنها صاحبة حضارات عريقة من حقها أن تفاخر بها، حتى ولو كان بعضها ارتبط في أذهان الناس بقدر من السلبية والظلم.

وأشار مفتش آثار إسلامية بالقاهرة محمد سامي، في تصريحات خاصة لـ”العرب” أن مُجرد اعتبار تمثال ما أثرا يعني الحرص على سلامته والعناية به، لأن في ذلك عناية بالتاريخ والحضارة.

وأضاف “لا يعنينا إن كان التمثال لقاتل أو لص أو خائن، لكن من حق الأجيال القادمة أن ترى وتعرف ما تركته فترة تاريخية ما”.

ويستند الكثير من خبراء الآثار على القانون المصري لحماية الآثار الذي ينص على أنه “يعتبر أثرا كل عقار أو منقول أنتجته الحضارات المختلفة أو أحدثته الفنون والعلوم والآداب والأديان من عصر ما قبل التاريخ وخلال العصور التاريخية المتعاقبة حتى ما قبل مئة عام باعتباره مظهرا من مظاهر الحضارات المختلفة التي قامت على أرض مصر، أو كانت لها صلة تاريخية بها، كذلك رفات السلالات البشرية والكائنات المعاصرة لها”.

طريق ثالث

العناية بالتمثال يمثل عناية بالتاريخ والحضارة
العناية بالتمثال يمثّل عناية بالتاريخ والحضارة

هناك رأي ثالث يحاول الموازنة بين الفريقين، يرفض تحطيم التماثيل الخاصة بالفترة الاستعمارية أو غيرها من فترات التاريخ، لكنه يرى ضرورة عدم جرح المشاعر الشعبية بوضعها في ميادين عامة، وإنما قصر عرضها على المتاحف.

أوضح الباحث في التاريخ الحديث والمعاصر شريف عارف، والذي ينتمي إلى مدينة بورسعيد لـ”العرب”، أن القضية موضوعة للنقاش منذ فترة طويلة وأن الجدل حول تمثال ديلسبس مطروح منذ الثمانينات، لكنه يظهر ويخبو.

وأضاف أن هناك مجموعة من المعايير الوطنية التي يجب مراعاتها عند اتخاذ القرار النهائي بشأنه، دون المساس بالثوابت الرئيسية، وعدم تجاهل الأفكار المطروحة مع أو ضد، فالمهم أن يكون هناك رأي أو موقف يتأسس على القيمة الأخلاقية والحضارية التي يمثلها هذا الأثر أو ذاك.

ويرتبط ترميم وعودة تمثال ديلسبس في مصر بثلاث وجهات نظر أو رؤى، الأولى هي الرفض التام باعتبار أن إسقاط التمثال تم من خلال رجال المقاومة الشعبية، وهي وجهة نظر تستحق كل التقدير والاحترام، فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن نهيل التراب على صفحة خالدة من تاريخ الوطن.

أما وجهة النظر الثانية، فهي تأييد عودة التمثال إلى قاعدته على اعتبار أنه تصرف حضاري وتصالح مع التاريخ، وأن انفتاح مصر على العالم يقتضي المضي قدما في هذا المضمار.

الرؤية الثالثة، هي استكمال ترميم التمثال كأمر حضاري، لكن دون إعادته إلى قاعدته، وإقامته في إطار مشروع “بانورامي” كامل يروي تاريخ قناة السويس على أن تتم إقامة المشروع بجوار متحف بورسعيد.

20