مصر تلجأ إلى البنوك للسيطرة على تكاليف المدارس الخاصة

الحكومة المصرية تعمل على القضاء على أزمة المصاريف بالمدارس الخاصة والدولية.
الثلاثاء 2018/03/27
حلول مبتكرة للنهوض بالنشء

القاهرة - تعكف وزارة التربية والتعليم المصرية على إصدار قرار وزاري يمنع التعامل المالي بين أولياء الأمور وإدارات المدارس الخاصة، على أن يكون دفع المصاريف المدرسية عن طريق البنوك مباشرة، من خلال إيداع ولي الأمر قيمة التكاليف المطلوبة في حساب المدرسة ويتسلم وثيقة تثبت ذلك، فيما يتولى البنك بعدها مهمة إخطار المدرسة بالدفع.

وتهدف الحكومة من هذا الإجراء إلى القضاء على أزمة المصاريف بالمدارس الخاصة والدولية التي كانت عصيّة على الحل لسنوات طويلة، وظلت مدارس كثيرة تضرب عرض الحائط بالقواعد المنظمة للزيادات السنوية الرسمية، وتفرض أموالا بأرقام خيالية على أولياء الأمور، وفي كل مرة كانت تقف وزارة التعليم عاجزة عن إنصاف الأسر.

ويضاف إلى ذلك، أن وزارة المالية لم يكن بوسعها جمع الضرائب بشكل سليم من أصحاب المدارس، وكان ما يدوّن في السجلات الرسمية للمدارس بشأن المصاريف شيئا والمبالغ المطلوبة من أولياء الأمور شيئا آخر، لأن كل مدرسة لا تفصح عن قيمة التكاليف الفعلية لتجنب دفع ضرائب متصاعدة تتفق مع ما تدفعه أسر الطلاب.

وقال طارق شوقي، وزير التربية والتعليم لـ“العرب”، إن الاتجاه نحو دفع المصاريف بالمدارس الخاصة والدولية عن طريق البنوك “نهائي ولا رجعة فيه، بعدما أصبح هذا الصداع مؤرقا للحكومة برمتها، وهناك فئة من المدارس تمارس أساليب مريبة لتحصيل مصاريف مُبالغ فيها وكأنها دولة داخل الدولة لا سلطان لأحد عليها”.

وأضاف، أن كل مدرسة سوف تكون ملزمة بإخطار وزارة التربية والتعليم بلائحتها المالية المقررة قانونا قبل بدء الدراسة بفترة زمنية لا تقل عن شهر، ثم تقوم الوزارة بإبلاغ البنوك بالقيمة المستحقة للمصاريف على كل طالب، وتكون المدارس مضطرة إلى تحصيل التكاليف القانونية فقط دون زيادات جزافية.

وتوجد في مصر قرابة 7777 مدرسة خاصة بينها 200 مدرسة دولية، ويدرس بها نحو مليونين و600 ألف طالب، موزعين على مختلف المحافظات، مما يصعب عملية مراقبتهم المالية، في ظل لجوء بعض أصحاب المدارس إلى تمرير الزيادات غير القانونية في المصاريف عن طريق ممثلي الوزارة بالإدارات التعليمية بطرق غير مشروعة.

وأقر وزير التربية والتعليم في تصريحات سابقة، بأن عددا من مسؤولي التعليم الخاص المعنيين برقابة المدارس الخاصة “أصبحوا يأكلون على كل الموائد”، في إشارة إلى تلقيهم رشاوى مالية للتغاضي عن تطبيق عقوبات على المدارس التي تضطر إلى رفع المصاريف المدرسية.

وميزة دفع المصاريف عن طريق البنوك، إلى جانب وقف المغالاة والتحكم في نسبة الزيادة المالية كل عام، تكمن في أن وزارة التعليم كانت قد اتفقت مع البنك المركزي (أعلى جهة مصرفية) على أن تقوم البنوك بدفع مصاريف الأسر المتعثرة ماليا مقابل هامش ربح (فائدة) لا يتعدى 7 بالمئة.

أيمن البيلي: الحكومة تسعى للنهوض بالمدارس الخاصة كبديل عن إنشاء مدارس حكومية
أيمن البيلي: الحكومة تسعى للنهوض بالمدارس الخاصة كبديل عن إنشاء مدارس حكومية

وكانت بعض المدارس الخاصة والدولية تقوم بتنويع العقوبات المفروضة على الطلاب الذين تأخرت أسرهم في دفع المصاريف المدرسية، إما بمنعهم من دخول المدرسة وإما بإحراجهم بشكل علني أمام زملائهم، وإما بحرمانهم أصلا من استلام الكتب الدراسية، وقد تصل العقوبات حد منعهم من خوض الامتحانات.

ويحظى التوجه الجديد بتأييد واسع وسط ائتلافات أولياء الأمور على صفحات التواصل الاجتماعي، وهم الكيان الرسمي المتحدث بلسان الطلاب وأسرهم في أي مشكلة تكون وزارة التربية والتعليم طرفا فيها، لكن تظل هناك ثغرات يمكن من خلالها ممارسة المدارس الخاصة لهواية تحصيل مبالغ مالية مرتفعة بعيدة عن المصاريف الحقيقية.

وقالت عبير أحمد، رئيسة ائتلاف “التعليم أمن قومي” لـ“العرب” إن بعض المدارس قد تلجأ إلى زيادة أسعار الخدمات الأخرى لتعويض خسائرها من تحجيم زيادة المصاريف، مثل رفع سعر استخدامات وسائل النقل التي يستقلها الطلاب من المنازل إلى المدارس، فضلا عن إمكانية زيادة سعر الكتب المدرسية إلى أرقام فلكية.

وأوضحت أن إحكام الحكومة قبضتها على المدارس الخاصة في الشق المالي من شأنه أن يعيد الثقة مرة أخرى بينها وبين أولياء الأمور، لأن الصورة المأخوذة عن التعليم الخاص في مصر أصبحت متدنية، ما يؤثر على التحصيل العلمي للطلاب وينعكس عليهم بشكل سلبي.

وما يعزز من فرص إحكام السيطرة ماليا على المداس الخاصة والدولية في مصر، أن القرار المرتقب سوف يلغي عقوبة الغلق الإداري لبعض المدارس المتجاوزة في فرض مصاريف مبالغ فيها، على أن يتم استبدال ذلك بعقوبات مالية ضخمة على أصحابها.

وتنص القرارات الوزارية القائمة حاليا على أحقية وزارة التربية والتعليم بغلق المدارس التي تفرض مصاريف غير قانونية مقابل خدماتها للطلاب، بعد إنذارها ثلاث مرات متتالية للتراجع عن هذا الفعل، فيما يخشى أولياء الأمور من أن يتم تحميل العقوبات المالية الجديدة عليهم بطرق ملتوية.

ويقول متخصصون في الشؤون التربوية، إن الحكومة ولئن كانت تستخدم صلاحياتها لحماية الطلاب وأسرهم بهذه الإجراءات الجديدة، فهي تهدف إلى تحسين سمعة المدارس الخاصة والدولية في مصر، كي تمتلك الحجة في ما بعد للسماح بالتوسع في هذا النوع من التعليم لتخفيف من العبء المسلط على المدارس الحكومية.

وأكد أيمن البيلي، الخبير التربوي لـ“العرب”، أن الحكومة تسعى لأن يكون التوسع في تراخيص المدارس الخاصة بديلا عن إنشاء الآلاف من المدارس الحكومية التي تحتاج إلى مليارات الجنيهات في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تواجهها البلاد، ووجدت في تلميع سمعة التعليم الخاص وإصلاحه بوابة لهذه الخطة لتحسين صورته أولا أمام الرأي العام.

ويظل رفض أكثر أصحاب المدارس الخاصة والدولية للإجراءات المرتقبة من جانب وزارة التربية والتعليم، عائقا أمام إمكانية التطبيق الحرفي لما تصبو إليه الحكومة في هذا القطاع، وسط مؤشرات عن إمكانية تقديم إغراءات بشكل غير مباشر جراء موافقتهم على خطوة إلغاء التعاملات المالية مع الأسر مباشرة، في صورة زيادة عدد الطلاب بكل فصل بما يسمح لهم بزيادة المكسب وإجراء توسعات داخل المدرسة تتيح إدخال أكبر عدد من الطلاب.

17