مصر تلجأ إلى مجلس الأمن للضغط على إثيوبيا في غياب البدائل

مسؤولون كبار في أديس أبابا يؤكدون ضرورة المضي قدما في المشروع وفقا للمواعيد المحددة، وعدم الاعتداد بالخلافات المحتدمة مع القاهرة.
الجمعة 2020/05/08
الخيارات تضيق لحل معضلة السد

القاهرة – لا يزال مسلسل الخلافات بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة تنتظره فصول سياسية صعبة، فمنذ تجميد مفاوضات واشنطن منذ ثلاثة أشهر وكل طرف يبحث عن أدوات تعزز رؤيته دون ظهور بارقة أمل تشي بإمكانية التفاهم بين القاهرة وأديس أبابا.

وتجلت آخر حلقات الشد، من خلال كشف وزير الخارجية المصري سامح شكري مساء الأربعاء عن تقدم بلاده بخطاب إلى مجلس الأمن الدولي، خاص بتطورات أزمة سد النهضة وما اتخذته من مواقف “مرنة ومتسقة مع قواعد القانون الدولي، وجرى تعميمه على أعضاء المجلس”.

وتطرق الخطاب الذي تقدمت به مصر في الأول من مايو الجاري إلى أهمية الانخراط الإيجابي من جانب إثيوبيا، “بُغية تسوية هذا الملف بشكل عادل ومتوازن للأطراف المعنية الثلاثة، وبما يضمن استدامة الأمن والاستقرار في المنطقة”.

وكان شكري تلقى اتصالا هاتفيا من وزير خارجية إستونيا، يورماس رينسالو، الأربعاء، أعرب فيه الأخير عن تطلع بلاده للتعاون الوثيق مع مصر، في إطار عضوية إستونيا في مجلس الأمن، وتوليها رئاسته خلال شهر مايو الحالي، في سبيل دعم السلم والأمن الدوليين.

وأجرت القاهرة وأديس أبابا اتصالات ومقابلات مع سفراء دول عدة لطرح وجهة نظر كل منهما حول أزمة سد النهضة، والدفاع عن المنطق الذي تعتمد عليه من دون إبداء تنازلات عن المواقف المعلنة لكليهما، والتي أدت إلى انسداد الطريق أمام مفاوضات واشنطن.

وقال موقع “إثيوبيا إنسايدر”، القريب من الحكومة في أديس أبابا، الأربعاء، إن مصر تقدمت بشكوى لمجلس الأمن، بسبب عزم إثيوبيا المضي قدما في خططها لملء سد النهضة.

وأوضح مسؤولون كبار في أديس أبابا ضرورة المضي قدما في المشروع وفقا للمواعيد المحددة، وعدم الاعتداد بالخلافات المحتدمة مع القاهرة، والتي وصفت كثيرا بأنها تريد “الهيمنة على مياه النيل، وحرمان إثيوبيا من مشروعاتها التنموية، وتوليد الكهرباء”.

ونفت مصر مرارا هذا الكلام، مؤكدة حق إثيوبيا في التنمية والكهرباء، والحفاظ على الحقوق المائية لدول نهر النيل مع عدم الإضرار بالآخر، والتحفظ على المساس بالحصص التاريخية.

نورهان الشيخ: مواقف المؤسسات الأممية في الأزمات الأخيرة غير إيجابية
نورهان الشيخ: مواقف المؤسسات الأممية في الأزمات الأخيرة غير إيجابية

وذكر الموقع “إثيوبيا إنسايدر”، أن أديس أبابا على علم بتقديم الشكوى، وهي تعتقد أن مصر “لن تستفيد منها نظرا لأن ادعاءاتها لا أساس لها.. وستقوم بالرد عليها إلى مجلس الأمن”.

جاءت الشكوى المصرية في 15 صفحة، متضمنة رؤية القاهرة، وذكرت فيها أنه على الرغم من بناء السد بعيدا عن موافقة دول المصب، إلا أن هذا لم يمنع مصر من دخول مفاوضات جادة مع إثيوبيا عبر مستويات مختلفة، منها اتفاق المبادئ الذي وقعه رؤساء الدول الثلاث.

ووقعت مصر والسودان وإثيوبيا في مارس 2015 بالخرطوم على اتفاق مبادئ، نص في بنوده على عدم الإضرار بمصالح أي دولة جراء المشروعات التي تقام على نهر النيل.

وطلبت مصر من مجلس الأمن في شكواها تقديم المشورة إلى إثيوبيا وحثها بالتوقيع على الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه في ختام المباحثات التي رعتها الولايات المتحدة والبنك الدولي بواشنطن في فبراير الماضي، ووقعته مصر، بينما امتنعت كل من إثيوبيا والسودان.

وذكر مسؤولون في إثيوبيا أن الولايات المتحدة مارست ضغوطا كبيرة لحض أديس أبابا للتوقيع على اتفاق إطاري، قالوا عنه “يخل بالسيادة الوطنية الإثيوبية على قرارها”.

وظهرت ملامح نشاط سوداني مفاجئ، حيث أوحت الخرطوم بعزمها النأي قليلا عن الموقف الإثيوبي، عقب حملة ضارية شنها خبراء مياه سودانيون حذرت من مخاطر سد النهضة على بلدهم، وطالبوا الحكومة بالانتباه وعدم الانجراف وراء إثيوبيا.

وأبدى رئيس الحكومة الانتقالية في السودان، عبدالله حمدوك، استعداده مؤخرا للقيام بوساطة سياسية بين مصر وإثيوبيا لحل الأزمة، والقيام بزيارة للبلدين (لم يحددها)، في محاولة لوقف التصعيد بين القاهرة وأديس أبابا، وإيجاد حل يحافظ على مصالح الدول الثلاث.

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية، أيمن عبدالوهاب، إن الخطاب المصري يعد استمرارا للتحركات الدبلوماسية التي تستهدف إشراك الرأي العام العالمي والمؤسسات الدولية المعنية بحفظ السلام والأمن ومعرفة طبيعة المفاوضات التي جرت على مدار سنوات بلا جدوى، وتوثيق الموقف الإثيوبي الذي أفشل فكرة التوصل إلى حل يراعي مصالح جميع الدول.

وأضاف لـ”العرب” أن الخطاب يبرهن على أن القاهرة مازالت ترى أن التفاوض والحوار هما السبيل لحل الأزمة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة، حال أقدمت إثيوبيا على خطوة ملء السد قريبا قبل التفاهم مع مصر والسودان، وأن لجوء القاهرة إلى التصعيد سيكون مرتبطا بتلك الخطوة القابلة للتأجيل في ظل معلومات قالت بوجود مشكلات فنية في جسم السد.

وأشار مراقبون إلى أن تصعيد القاهرة سيكون منضبطا وعلى قدر كبير من التعقل، وتدريجيا وعبر الاستعانة ببعض الدول وثيقة العلاقة بإثيوبيا، ونجاح القاهرة في إقناع هذه الدول بممارسة ضغوط اقتصادية حقيقية أو تعليق الاستثمارات كأولى خطوات التصعيد، مع استمرار إرسال الخطابات إلى جهات كثيرة لإعلامها بطبيعة ما يجري من تطورات.

واعتبرت عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، نورهان الشيخ أن مخاطبة مجلس الأمن تبرهن أيضا على رغبة القاهرة إحياء مفاوضات واشنطن، لأن مجلس الأمن يمكن أن يصدر توصية بعودة جميع أطراف التفاوض إلى طاولة المباحثات من جديد على أن تكون تحت منصة الأمم المتحدة، لكنها في النهاية غير ملزمة للدول الثلاث.

وشددت على أن القاهرة تحاول توسيع إطار المفاوضات بما قد يكون عامل ضغط جديد على أديس أبابا، لكن بالنظر إلى تجارب سابقة لم تصدر من مجلس الأمن أو أي لجنة تحقيق أو وساطة قرارات بإيقاف بناء أو تعطيل سد جرى إنشاؤه بالفعل، بجانب أن مواقف المؤسسات الأممية في الأزمات الأخيرة غير إيجابية، ما يجعل الخطوة تسجيل موقف.

ويرى محللون أن البدائل أمام القاهرة أصبحت محدودة، بعد أن حصرت نفسها في المفاوضات والاعتماد على الولايات المتحدة، وليس الصين التي لديها حضور سياسي واقتصادي في أديس أبابا، كما أن واشنطن لم تظهر كوسيط نزيه وقوي يستطيع الضغط على الأطراف المختلفة، وبدت المفاوضات التي رعتها كأنها مضيعة للوقت.

القاهرة تحاول توسيع إطار المفاوضات
القاهرة تحاول توسيع إطار المفاوضات

 

2