مصر تلعب ورقة الاقتصاد لحل الخلافات السياسية مع إثيوبيا

اتجاه القاهرة للتفاوض مع أديس أبابا من خلال تعزيز المصالح المشتركة سوف يكون أكثر فاعلية في إيجاد حلول عملية لحل مشكلة سد النهضة.
الاثنين 2018/06/18
انفراج الأزمة متوقع

القاهرة - تتحرك الحكومة المصرية الآونة الأخيرة لتعزيز التعاون الاقتصادي مع إثيوبيا، في خطوة تكشف وعيها بحجم تأثير العلاقات الاقتصادية وتداعياتها على باب التفاوض بشأن ملف سد النهضة، وتحاول القاهرة أن تلعب بورقة الاقتصاد لحل الخلافات السياسية مع أديس أبابا خاصة بعد أن فشلت الاجتماعات الثنائية التي تمت على مستوى وزراء الخارجية والري ورؤساء أجهزة الاستخبارات في كل من مصر والسودان وإثيوبيا، في الوصول إلى حل عاجل يجنّب القاهرة تداعيات استمرار الخلافات.

ويحمل التعويل على صندوق الاستثمار المشترك بين الدول الثلاث، الذي تم الاتفاق عليه في اجتماعات أديس أبابا، الشهر الماضي، خيارا مهما بالنسبة لمصر لفك البعض من العقد السياسية. وربما يكون الاجتماع الذي تستضيفه القاهرة، ويضم عددا من كبار المسؤولين في الدول الثلاث، في 3 و4 يوليو القادم، بداية لتدشين هذا الطريق، ومحاولة الاعتماد على الاستثمار كمدخل قوي للسياسة.

ويرى مراقبون أن اتجاه القاهرة للتفاوض مع أديس أبابا من خلال تعزيز المصالح المشتركة سوف يكون أكثر فاعلية في إيجاد حلول عملية لحل مشكلة سد النهضة، التي وصلت إلى طريق مسدود، وسط مساع إلى كسب الوقت التي تتبعها إثيوبيا.

وربط هؤلاء بين إدارة هذه الخطوة بصورة صحيحة، وبين التعامل معها كوسيلة للتهدئة من دون أن تكون رأس حربة حقيقي في الخلاف المحتدم، حيث لم تصل الليونة التي تبديها إثيوبيا والهدوء الظاهر في موقف السودان بعدُ إلى درجة تغيير المواقف السياسية السابقة.

وأعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال لقائه مع آبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا بالقاهرة، مؤخرا، عن تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين البلدين، من خلال إقامة منطقة صناعية في إثيوبيا، وتفعيل فكرة إنشاء صندوق استثمار ثلاثي لتمويل مشروعات البنية التحتية. وأشار عباس شراقي، خبير الشؤون الأفريقية بجامعة القاهرة، إلى أن “المشروعات التي تم الإعلان عنها بين البلدين لن تدخل حيّز التنفيذ، إلا بعد حل أزمة سد النهضة بشكل يُرضي القاهرة”.

وقال لـ”العرب” إن “المباحثات التي جرت خلال زيارة آبي أحمد، لم تتطرق للنقاط الخلافية في مشكلة سد النهضة”، متوقعًا أن “تعكس اللقاءات المقبلة مدى تجاوب إثيوبيا في المفاوضات وإضفاء المزيد من التعاون وعدم الضرر بمصالح مصر المائية”.

القاهرة تجاهد لإقناع أديس أبابا بمد فترة ملء السد لأطول فترة ممكنة بما لا يؤثر على حصتها كدولة مصب

وكان الرئيس المصري طلب من آبي التعهد بأن إثيوبيا لن تضر بحصة مصر في المياه. وللإشارة لم تبدأ إجراءات الدراسات الفنية التي تم الاتفاق عليها في شهر أغسطس 2014، ولم يتم الاتفاق على تنفيذ البند الخامس من إعلان مبادئ سد النهضة الذي وُقّع في مارس 2015 بالخرطوم، والخاص بالتعاون في فترة الملء الأولى للسد وإدارته. كما لم تتحدد حتى الآن ملامح صندوق الاستثمار المشترك وطرق تمويله، خاصة أنه يستهدف مشروعات البنية الأساسية، وهو من المشروعات التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة.

وتم الإعلان عن نية إحداث منطقة صناعية مصرية في إثيوبيا، في أعقاب إعادة تشكيل مجلس الأعمال المصري الإثيوبي في أبريل 2014، برئاسة رجل الأعمال أحمد السويدي، لكن لم تحقق تقدما إلى الآن.

وقال السويدي في تصريحات سابقة لـ”العرب” إن “مخطط المنطقة الصناعية في أديس أبابا يضم نحو 300 مصنع، وكان من المفترض أن تدخل المصانع حيّز الإنتاج خلال عام 2015. وتوقفت مفاوضات تأسيس المنطقة رغم تخصيص الجانب الإثيوبي للأرض، بسبب تصاعد الخلافات حول سد النهضة وتباعد المسافات السياسية بين البلدين.

وتجاهد القاهرة لإقناع أديس أبابا بمد فترة ملء السد لأطول فترة ممكنة بما لا يؤثر على حصتها كدولة مصب، والحفاظ على مستوى منسوب المياه في نهر النيل. وبدأ القلق يتزايد في مصر، عقب إعلان سمنجو بقلي، مدير مشروع سد النهضة، أنه تم الانتهاء من بناء حوالي 63 بالمئة من السد.

وظلت القاهرة في حالة انعزال تام عن أفريقيا بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الرئيس الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، ومنذ ذلك الحين وحتى تنحية مبارك عن الحكم في فبراير 2011 لم يحضر قمة في أي من دول القارة الأفريقية.

وقال شريف الجبلي رئيس لجنة تنمية العلاقات مع أفريقيا أن “تغليب لغة المصالح أنجع الوسائل لبناء حوار يضمن مصالح مشتركة بين جميع الأطراف”. وأوضح الجبلي لـ”العرب” أن “حجم التبادل التجاري بين البلدين ضعيف جدا، ويعكس حالة الترقّب التي تسيطر على حركة الاستثمارات المشتركة والتي تحددها التطورات السياسية”.

ويصل حجم التبادل التجاري بين القاهرة وأديس أبابا نحو 200 مليون دولار، ولدى مصر طموحات لزيادته لنحو 500 مليون دولار خلال 3 سنوات، إلا أن تصاعد وتيرة الخلافات قاد المستهدف إلى طريق مسدود.

وقال مجدي الوليلي نائب رئيس لجنة التعاون الأفريقي باتحاد الصناعات المصرية، إن القاهرة تجاهلت هذه السوق لسنوات، ولم تع الدرس إلا بعد تفجّر مشكلة سد النهضة. وأكد لـ”العرب” أن الاستثمارات المصرية في إثيوبيا تواجه منافسة شرسة من الاستثمارات الصينية والتركية والإسرائيلية، فضلا عن استثمارات دول الاتحاد الأوروبي الواعدة.

ويرى متابعون أن توظيف لعبة الاقتصاد في السياسة التي أعلنت عنها القاهرة لا تستوفي الشروط الأساسية للنجاح، وتبدو طريقة تطبيقها غير مستندة إلى أسس علمية، وهو ما يقلل من فعاليتها السياسية، فيما يشعر الموطنون بالقلق من نتائج تنفيذ سد النهضة الإثيوبي وتأثيره على حصة مصر التاريخية المقدّرة بـ55.5 مليار متر مكعب.

7