مصر تنتصر.. ولا عزاء للمتآمرين

السبت 2015/08/08

بافتتاحها لقناة السويس الثانية، وجهت مصر رسالة قوية ومضمونة الوصول لكل العالم مفادها أنها دولة قوية وأبية ومقتدرة وذات إرادة حرة، وبأنها تجاوزت الامتحان الصعب عندما استعادت روحها وطهرت جسدها من دنس المشروع الإخواني الذي كان يستهدف، بالأساس، استقلالها الوطني، وكان يسعى إلى أن يجعل منها أداة في أيادي قوى إقليمية ودولية متآمرة بعضها اعتقد أن سيطرته على المنطقة لا تكتمل دون السيطرة على مصر. وبعضها الآخر حسب أنه سيتجاوز قزميته وضآلة دوره عبر الإطاحة بدور مصر. والبعض الآخر ظنّ أن انهيار مصر سيمثّل الجسر الذي يصل عبره إلى الهيمنة على كامل المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج عبر مشروع فوضوي تم التخطيط له منذ عقود من الزمن.

عندما ثار الشعب المصري ضد الإخوان المفلسين في 30 يونيو 2013، وأطاح بهم في الثالث من يوليو 2013، كانت عواصم عدّة قد اهتزت من هول المفاجأة. أحد المقربين من مراكز القرار في طهران قال في حوار تلفزيوني إن المرشد الأعلى علي خامنئي لم ينم ليلتها، رغم أن الجميع يعرف أن الرئيس المطاح به، محمد مرسي، كان يهيئ للدفع بالجيش المصري لخوض مغامرة الحرب ضد النظام السوري المتحالف مع إيران، وكان يدعو إلى تجنيد “الجهاديين” وإرسالهم إلى الأراضي السورية عبر تركيا.

النظام التركي فوجىء هو الآخر بالإطاحة بحكم الإخوان، ودخل في حالة هستيريا لا يزال يعاني منها إلى اليوم، ومن يستمع إلى تصريحات وخطب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يدرك أنه يفكر بعقل سلطان عثماني فقد الوصاية على ولاية مصر، وقرر أن يجعل من تراب بلاده مقرا للتآمر على مصر والمصريين من خلال استضافة رموز الجماعة الإرهابية وإطلاق قنوات فضائية تابعة لهم، هدفها الترويج لخطاب عدائي يحرّض على الإرهاب، ويشكك في إرادة المصريين، ويسيء إلى مؤسسات الدولة المصرية، وفي مقدمتها الجيش والأمن والقضاء. وهناك من العرب من انهار مشروعه المعادي للأمة بعودة مصر إلى أهلها، فقد كان طموحه أن يرتفع فوق صخرة في الماء ليتحكم في مصائر العرب من خلال أدواته الإخوانية التي زرعها في مختلف الدول العربية عبر خلايا متحركة وأخرى نائمة، قدم لها المال والإعلام والخطط المخابراتية لتعيد صياغة المنطقة بما يرضي طموحاته اللا محدودة.

على الحدود الشرقية، أخرجت حماس فيالق من مجنديها يستعرضون قواها في الشوارع، رافعين شعارات الإخوان وصور الرئيس الإخواني المعزول، إعلانا عن الاستعداد لدعم الجماعة الإرهابية في كل محاولة منها لفتح خطوط مواجهة ضد الجيش المصري.

وفي سيناء، تحركت خفافيش الظلام من مسلحي تنظيم القاعدة وداعش لتنفيذ أعمال إرهابية ضد الشرطة والجيش، مدعومة بمال وتخطيط مخابراتي لا أحد يجهل مصدرهما.

وفي تونس قام إرهابيون، بعد 22 يوما فقط من انتصار إرادة المصريين، باغتيال أول سياسي تونسي أعلن مساندته لثورة الثلاثين من يونيو عبر وسائل الإعلام، ومن على منابر الحوار الحزبي، وفي مقعده بالمجلس الوطني التأسيسي وهو الشهيد محمد البراهمي.

وفي ليبيا، شعر الإخوان بعزلتهم، فاختاروا مواجهة الشعب بتحالفهم مع تنظيم القاعدة، وأعلنوا التمرد على نتائج الانتخابات، وأطلقوا ما سمي بعملية فجر ليبيا بهدف بسط نفوذهم على العاصمة طرابلس وإذلال مختلف المدن والقرى والقبائل الليبية.

ومن وراء المحيط الأطلسي خرج عضوا مجلس الشيوخ الأميركي، الصهيونيان بامتياز، جون ماكين وليندسي غراهام ليقولا إنه لا يمكن وصف ما جرى في مصر سوى بالانقلاب، وأصرا على دعمها للمعزول محمد مرسي، كما عملت الإدارة الأميركية على ضرب معنويات المصريين وعرقلة خطى الشعب المنتفض ضد مشروع الظلام الإخواني، إلى أن اكتشفت، أخيرا، أن النهر أسس مجراه، وأن المصريين عرفوا طريقهم ولم يعودوا في حاجة إلى درس من أحد، كما ظهرت أصوات من داخل أوروبا تندد بما سمته الانقلاب وتدافع عن الإخوان المسلمين الذين كانوا وعدوا عواصم عدة بأنهم لن يخرجوا عن تراثهم الخياني منذ أن تأسست جماعتهم في العام 1928 بتمويل من هيئة قناة السويس الخاضعة، آنذاك، للحكومة البريطانية.

لم تهتز إرادة المصريين، ولم تتراجع ثقتهم في قيادتهم الوطنية ولا في المشروع الوطني الذي انبعث على يد الرئيس عبدالفتاح السيسي ليسترجع صفحات المد القومي والوطني وملاحم النضال من أجل تحرير القرار الوطني والسيادة الوطنية.

واليوم بات واضحا أمام الجميع أن العالم عاد ليعترف ليس فقط بشرعية النظام الحاكم في مصر، وإنما أيضا بقدرة المصريين على التحدي وكسب الرهانات الصعبة، وتجاوز الصعاب، وبأن ما يحدث اليوم في مصر هو التحام استثنائي بين الشعب والجيش والقيادة السياسية، هدفه الانتصار لحكمة التاريخ ولطبيعة الجغرافيا ولعبقرية المكان.

لقد انتصرت مصر، وانتصر من راهن على شعب مصر، أما من راهن على الجماعة الإرهابية فلا عزاء له، وما عليه إلا البحث عن سلم للنزول من على الشجرة التي ورط نفسه بالصعود إليها في اندفاع السذاجة الطفولية والعمى الإستراتيجي.

كاتب صحفي تونسي

9