مصر تنخرط متأخرة في حملة التنديد بالرسوم المسيئة

النظام التركي يستثمر سياسيا في التردد السعودي والمصري.
الخميس 2020/10/29
السيسي: كفى إيذاء لنا

كسرت مصر أخيرا حاجز الصمت وانخرطت بثقلها السياسي والديني في حملة التنديد بالرسوم المسيئة للنبي محمد، في خطوة لا تخلو من خلفيات سياسية، هدفها عدم ترك الساحة فارغة أمام تركيا التي حاولت استغلال تلك الرسوم لتسجيل نقاط في مرمى خصومها الدوليين (فرنسا) والإقليميين (السعودية ومصر).

القاهرة – توالت ردود الفعل المصرية على الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة إلى النبي محمد (ص) الأربعاء، بدءا بالرئيس عبدالفتاح السيسي وصولا إلى الأزهر الذي طالب بإقرار تشريع يجرم معاداة المسلمين والتفرقة بينهم وبين غيرهم في الحقوق والواجبات.
وعلى غرار السعودية تحاول السلطتان السياسية والدينية في مصر تدارك التأخر الحاصل في إبداء موقف مندد ورافض للرسوم المسيئة والتصريحات الرسمية الفرنسية ولاسيما للرئيس إيمانويل ماكرون الذي حرص على ربط الإسلام بالتشدد من خلال استخدام مصطلحات من قبيل “محاربة التطرف الإسلامي”.

أحمد الطيب: نطالب المجتمع الدولي بإقرار تشريع يجرم معاداة المسلمين
أحمد الطيب: نطالب المجتمع الدولي بإقرار تشريع يجرم معاداة المسلمين

وتقول دوائر سياسية إن رد الفعل المصري وقبله السعودي لا يخلو من خلفيات سياسية في علاقة بتركيا التي كانت سارعت لركوب موجة الغضب السائدة في العالمين العربي والإسلامي حيال ما اعتبر “استفزازا” فرنسيا في حملة لا تخلو من شعبوية تستهدف من خلالها تسجيل عدة نقاط سواء كان في صراعها المفتوح مع باريس أو في علاقة بطموحها لإحياء أمجادها الماضية من خلال “تزعم” جبهة المدافعين عن الإسلام.
ولم تخل خطابات أردوغان النارية حيال فرنسا ورئيسها، من نوايا لإحراج السعودية باعتبارها المتزعمة للعالم الإسلامي ولمصر التي تحتضن أكبر هيئة إسلامية (مؤسسة الأزهر).
وتشير الدوائر إلى أن التحرك المصري يأتي أساسا لتفادي المزيد من الإحراج ولسحب البساط من الرئيس رجب طيب أردوغان وعدم ترك تركيا لوحدها تتصدر المشهد، وإن كان هذا التحرك يبقى متأخرا وهو يعكس حالة التردد التي طبعت السياسة الخارجية المصرية على مدى السنوات الأخيرة.
وأكد الرئيس عبدالفتاح السيسي، في كلمة له الأربعاء، خلال احتفالية وزارة الأوقاف المصرية بمولد نبي الإسلام محمد (ص)، الواقع الخميس بموجب التقويم الهجري، إن “الإساءة إلى الرسل والأنبياء هي استهانة بقيم دينية رفيعة يعتقد فيها الكثير من الناس، ومن لا يعتقد فهذا شأنه”.
وتأتي هذه التصريحات بعد تأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنّ بلاده لن تتخلّى عن مبدأ الحرية في نشر الرسوم الكاريكاتيرية للنبي محمد، وهو وعد قطعه أثناء مراسم تكريم المدرس صمويل باتي الذي قتل في 16 أكتوبر بيد روسي شيشاني إسلامي متشدّد ذبح أستاذ التاريخ لأنه عرض هذه الرسوم على تلامذته في المدرسة.
وأثارت تصريحات ماكرون موجة من الانتقادات في عدد من الدول العربية والإسلامية حيث خرجت تظاهرات مندّدة بها، كما أُطلقت حملة لمقاطعة السلع الفرنسية، في حين تضامن مع الرئيس الفرنسي العديد من نظرائه الأوروبيين.
وتساءل السيسي بأنه لو أن عدد المسلمين في العالم مليار ونصف ونسبة المتطرفين منهم 1 في المئة “تتصورون ماذا يمكن أن يفعل 15 مليون إرهابي في العالم؟.. بالتأكيد العدد ليس كذلك”، بل أقل.
وشدد الرئيس المصري “إذا كان من حق الناس أن تعبر عما يجول في خواطرها.. أتصور أن هذا الأمر يقف عندما تجرح مشاعر أكثر من مليار ونصف (مسلم).. من فضلكم كفى إيذاء لنا”.
ويقول مراقبون إن النظام المصري حرص في البداية على عدم إظهار أي موقف حيال ما يجري، لاعتبارات عدة، أهمها أنه يلتقي مع باريس في خطر التنظيمات الإسلامية الراديكالية، ووجوب محاربتها، وهو ما قام به هو نفسه منذ وصوله إلى الحكم في العام 2013.
ويشير المراقبون إلى أنه من الدوافع الأخرى التي جعلت القاهرة تلتزم الصمت في البداية، التطور المسجل على مستوى العلاقة بينها وبين باريس، والتي تحاول التأسيس عليه للمزيد من التعاون في ملفات إقليمية ضاغطة وفي مقدمتها ليبيا وشرق المتوسط، ومواجهة نوازع تركيا التوسعية.
ويلحظ المراقبون أن السيسي حتى في معرض تصريحاته الأخيرة المنتقدة للإساءة للنبي محمد (ص) حرص على تجنب ذكر فرنسا بالاسم وتطرق إلى المسألة بشكل عام.
وخلال نفس الاحتفالية طالب شيخ الأزهر، الإمام أحمد الطيب، المجتمع الدولي بإقرار تشريع يجرم معاداة المسلمين والتفرقة بينهم وبين غيرهم في الحقوق والواجبات.
وقال شيخ الأزهر في كلمة، “من المؤسف وغاية في الألم أن نرى الإساءة إلى الإسلام والمسلمين في عالمنا اليوم وأنها أصبحت أداة لحشد الأصوات في أسواق الانتخابات”، موضحا أن “هذه الرسوم المسيئة والتي تتبناها بعض الصحف وبعض السياسات، تمثل خرقا لكل الأعراف الدولية والقانونية وعداء صريحا للدين الإسلامي”.

ردة فعل متأخرة
ردة فعل متأخرة

وأضاف أن “الأزهر الشريف يرفض بقوة مع كل دول العالم الإسلامي هذه السياسات المسيئة التي تسيء في الحقيقة إلى المسلمين وكل المسلمين”، مؤكدا أن “هؤلاء يجهلون عظمة النبي محمد (ص)”.
وأشار الطيب إلى أن الأزهر سيطلق منصة عالمية للتعريف بالنبي محمد (ص) بـ7 لغات عالمية، لافتا إلى أن مرصد الأزهر، سيعمل على تشغيل المنصة الإلكترونية، مع التصدي لمواجهة الفكر والتطرف.
ودعا شيخ الأزهر المواطنين المسلمين في الدول الغربية إلى “اندماج إيجابي واعٍ للحفاظ على الهوية الدينية والثقافية، وعدم الانجراف إلى استفزازات التطرف والعنصرية والكراهية”. وقال “على المواطنين أن يقتدوا بالطرق السلمية والقانونية في مقاومة خطاب الكراهية للحصول على الحقوق الشرعية والاقتداء بأخلاق النبي (ص)”.
والاثنين، أعلن مجلس حكماء المسلمين خلال اجتماع برئاسة أحمد الطيب عزمه على رفع دعوى قضائية ضدّ صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة التي نشرت رسوما كاريكاتيرية تمثل النبي محمد وكذلك أيضا ضدّ “كل من يسيء إلى الإسلام ورموزه المقدّسة”.
وقال المجلس في بيان صدر في أعقاب اجتماع عقده عبر الفيديو إنّه “قرّر تشكيل لجنة من الخبراء القانونيين الدوليين لرفع دعوى قضائية على صحيفة شارلي إيبدو التي قامت بنشر رسوم كاريكاتيرية مسيئة لنبيّ الرحمة (ص) وكذلك كلّ من يسيء إلى الإسلام ورموزه المقدّسة”.

2