مصر تواجه العزوبية بالإيجار الرمزي لوحدات سكنية مجهزة

عدم تعاطي أغلبية الشباب مع الخطوة بجدية، يعكس أن العزوف عن الزواج لا يرتبط بأسباب مادية.
الجمعة 2021/09/10
الشباب أصبح يفضل العلاقات العابرة على الارتباط الرسمي

يسجل المجتمع المصري عزوفا عن الزواج يرجعه أغلب المتابعين للشأن الأسري إلى الأسباب النفسية والاجتماعية، مستبعدين أن تكون الظاهرة على علاقة بالأسباب الاقتصادية. ورغم إقبال الحكومة المصرية على تشييد مئات الآلاف من الوحدات السكنية وتجهيزها كي يتم منحها للمقبلين على الزواج بمبالغ رمزية شهرية، إلا أن الأغلبية لم تتعاط مع الخطوة بجدية.

القاهرة - عكست ردود الفعل بين الشبان والفتيات في مصر حول المشروع الذي أطلقه الرئيس عبدالفتاح السيسي لتوفير وحدة سكنية كاملة التجهيزات للمقبلين على الزواج بإيجار رمزي حجم العزوف عن الزواج عموما، فلم تقابل الخطوة بما يوحي بأن أزمة الراغبين في تكوين أسرة اقتصادية، لكنها اجتماعية بشكل كبير.

وأمر الرئيس المصري الحكومة بأن تبدأ تشييد مئات الآلاف من الوحدات السكنية وتجهيزها كي لا ينفق عليها الشباب مبالغ مالية، ويتم منحها للمقبلين على الزواج بمبالغ رمزية شهرية، إلا أن الأغلبية لم تتعاط مع الخطوة بجدية، في مؤشر يعكس أن العزوف عن الزواج لا يرتبط بالنواحي المالية.

وكان البعض من الشباب في السابق يكيلون الاتهامات للحكومة بأنها تسببت في رفع الأسعار بطريقة جعلتهم عاجزين عن الزواج، ومع تقديم مبادرات كثيرة للتيسير على الراغبين في تكوين أسرة وتوديع حياة العزوبية بات التعاطي محدودا، فهناك وحدات بأسعار رمزية وقروض بنكية بفوائد هزيلة ولم يغير ذلك موقف الشباب العازبين.

يعيش محمود محمد -وهو شاب أوشك على بلوغ سن الثلاثين- في إحدى قرى محافظة البحيرة الريفية شمال القاهرة وتسلم وظيفته الحكومية منذ شهور قليلة، وينتمي إلى عائلة مقتدرة ماديا، ومازال يرفض الزواج رغم أن لديه وحدة سكنية بناها له والده وبإمكانه أن يتزوج في أقرب وقت ممكن، لكنه يؤكد أنه سعيد بكونه عازبا.

ويقول في حديثه مع “العرب” إن “أزمة الشباب مع فكرة الزواج بعيدة عن الظروف الاقتصادية الصعبة”، فهو يمتلك ما يكفيه للارتباط وللإنفاق على الأسرة، ومع ذلك ينظر إلى مؤسسة الزواج بتشاؤم بحكم ما يسمعه من أزمات تقود إلى الطلاق وصراعات بين المتزوجين لا يتخيلها عقل وتنتهي غالبا بحياة تعيسة.

لدى الشاب مجموعة من الأصدقاء، جميعهم من المتزوجين، وكلما طرح عليهم فكرة الزواج نصحوه بعدم الإقدام عليه وعددوا له أسباب ندمهم على أنهم تركوا حياة العزوبية وتحملوا المسؤوليات وصاروا في صراعات يومية مع الزوجة والأبناء والوظيفة والبحث عن تأمين المستقبل، وكلها توحي بأن الزواج مشروع فاشل في نظرهم.

يعني ذلك أن حالة محمود ليست فردية إنما تكاد تصبح ظاهرة، فالكثير من أبناء القرى وسكان المناطق الحضرية من المقتدرين ماديا بإمكانهم بناء منازل بسهولة، ومع ذلك لا يتزوجون، ما يقود إلى أن مشروع الحكومة الجديد لمساعدة الشباب على الزواج بتوفير وحدة سكنية مجهزة لن يؤدي إلى تحجيم قاعدة عدم الزواج.

جمال فرويز: تأخر الزواج يرتبط بالظروف المادية وبالنواحي النفسية

وأكد جمال فرويز المتخصص في الصحة النفسية والعلاقات الأسرية بالقاهرة أن تأخر الزواج ليس مرتبطا بالظروف المادية فقط، بل يتعلق أيضا بالنواحي النفسية بعدما تقدم من النماذج السيئة التي جعلت البعض من الشباب لا يفكرون في الخطوة وقد يصابون بالرهبة منها، ولا يربطون الزواج بمجرد توفير وحدة سكنية، وإنما بالوصول إلى مرحلة لم تعد تصلح معها العزوبية.

وأضاف لـ”العرب” أن “الحكومة إذا قدمت بدائل كثيرة للمقبلين على الزواج ولا تكون هناك ردة فعل إيجابية، فمعنى ذلك أن المشكلة ليست اقتصادية. والكثير من المتزوجين باتوا صورة يمكن الاحتكام إليها، ولأن البعض من الشباب يعيشون أزمات عديدة رغم الوفرة المادية يشعرون بأن الزواج يقابله انعدام الراحة والكآبة”.

وأزمة الخلافات الأسرية في مصر من السهل أن تخرج إلى الفضاء العام عبر منصات التواصل والإعلام والنميمة وأحاديث الأهل والجيران، ولم تعد محاطة بالسرية كما اعتاد المجتمع في الماضي، وصارت بعض النماذج السلبية مرجعا يمكن الاستناد إليه عند الشبان والفتيات للهروب خوفا من عدم تكوين مؤسسة أسرية ناجحة.

وتطفو على السطح شواهد حياتية وأزمات كثيرة كل فترة بين المتزوجين، مع جعل مؤسسة الزواج محبطة، حتى أن بعض البحوث والدراسات الأسرية أقنعت شبّانا وفتيات بأن الحياة الزوجية مصدر للتعاسة، مقابل مزايا العزوبية لأطول فترة ممكنة.

وثمة شريحة ليست قليلة من الشباب ورثت من أرباب الأسر فكرة أن الزوج يوازيه التزاوج، أيّ أنهم اختزلوا هذه العلاقة المقدسة في المعاشرة الجنسية، غير مدركين أنها أبعد من ذلك بكثير وترتبط بتحمل المسؤولية، وأن هناك فوارق شاسعة بين حياة العزوبية والحياة الزوجية التي تتطلب الحكمة والوعي والتضحية.

وأوضح أحمد (ش) -وهو شاب يعمل بوظيفة مميزة في إحدى الشركات الخاصة- أن عزوف الكثير من الشبان والفتيات عن الزواج بعيد عن ارتفاع الأسعار وضيق الحال والظروف المعيشية الصعبة، فالعلاقات العاطفية صارت متاحة، والحميمية أيضا موجودة وهناك فئة تفكر بمنطق لماذا أدخل سجن الزوجية والمتعة حاضرة دون قيود؟

ولدى أحمد أصدقاء يفكرون بالمنطق ذاته والكثير منهم يعترفون بإقامة علاقات خارج إطار الزواج دون مسؤوليات أو ضغوط أو تفكير في الاستقرار وتحمل تبعات القرار، لافتا إلى أن انتشار الفكرة بين الشباب يقود إلى الاعتماد على الزواج العرفي بما يهدر قيمة مؤسسة الزواج في أعين الأجيال الصاعدة ويتسبب في خلل مجتمعي فاضح.

ويعتقد متخصصون في الشؤون الأسرية أن نظرة الشبان والفتيات للزواج تغيرت جراء افتقادهم للقدوة الحسنة وعدم تسليط الضوء على النماذج الناجحة، وتصدير الأزمات الزوجية باعتبارها دليلا صارخا على أن العزوبية مصدر السعادة الوحيد.

ويصعب فصل هذا العزوف عن ارتفاع وتيرة التمرد بين الشباب حول كل ما يرتبط بالتمسك بالعادات والتقاليد، فلم يعد هؤلاء يتقبلون التعامل مع الزواج كعرف، وتراجعت مخاوف الفتيات من العنوسة. وهناك شبه اتفاق على عدم المبالاة بنظرة المجتمع لغير المتزوجين على أنهم “معيبون”، ويوحي الأمر بأن الاتجاه العام يقود إلى الاستقلال عن المؤثرات العائلية الملحة تجاه أداء مهمة الزواج.

ولم تعد الفتاة التي تجاوزت الثلاثين عاما وفاتها طابور الزواج تشعر بالوصمة، وربما تتباهى بكونها عازبة وتنتشر هذه الثقافة بين الإناث الأكثر تعليما وتمردا على الموروثات الأسرية التي تختزل السعادة والاستقرار في الزواج والإنجاب.

وأكد جمال فرويز لـ”العرب” أن “علانية الخلافات الزوجية جعلت الكثير من الشباب يشعرون باليأس من تحقيق السعادة بعد خطوة الزواج، وأنهم في الطريق لفقدان الحرية والأجواء العاطفية، ويبدو الفشل في العلاقة على ألسنة كثيرين، ما يعزز تمسك الأجيال الجديدة بالعزوبية للهرب من دوامة الإخفاق والوقوع في أزمات لا تستطيع هذه الأجيال مواجهتها”.

وبعيدا عن إمكانية نجاح الحكومة في الحد من تأثيرات الأزمة الاقتصادية على الشباب بتوفير وحدات سكنية جاهزة، فإن مداواة الأزمة النفسية والاجتماعية عند أغلبهم تجاه الزواج تظل كبيرة بعدما وصل الأمر إلى حد التنمر على المتزوجين والإيحاء بأنهم ضحايا للأعراف والتقاليد المغلوطة وأنهم ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة.

ومهما كانت هناك مبادرات للتيسير على الشباب في الزواج تظل الأعراف تجاه الترتيب له أزمة معقدة، لأن الكثير من العائلات تتمسك بالتباهي بمستلزمات الزواج والتجهيز للعُرس بطريقة تقود إلى تعجيز كل من يفكر في الخطوة، ما يعني أن المشكلة أكبر من مجرد وحدة سكنية توفرها الحكومة، لذلك ترتبط القضية بتحديات نوعية.

21