مصر تواجه مثنى وثلاث ورباع باشتراط موافقة الزوجة الأولى

مشروع قانون يتيح للزوجة تطليق نفسها من دون حاجة للقضاء.
الأربعاء 2020/03/11
زوجة واحدة تكفي

يبدو أن مصر على موعد مع تحجيم ظاهرة تعدد الزوجات بعدما رأت الحكومة أنها أصبحت بوابة لتدمير بعض الأسر، وقررت وضع 13 بندا إلزاميا ضمن قانون تنظيم عمل المأذونين، بينها عدم اقتران زواج الرجل بأخرى إلا بإذن كتابي من الزوجة الأولى، ما يضع حدا للتذرع بأن الشرع أباح الزواج “مثنى وثلاث ورباع”.

القاهرة - أحالت لجنة الشؤون التشريعية بمجلس النواب، الأحد، مشروع قانون تنظيم عمل المأذونين إلى الأزهر للحصول على الرأي الشرعي في البنود الخاصة بالزواج، وسط توقعات بموافقة المؤسسة الدينية على المقترح الحكومي المتمثل في عدم اقتران زواج الرجل بأخرى إلا بإذن كتابي من الزوجة الأولى، لأن أحمد الطيب شيخ الأزهر انتقد كثيرا التلاعب بما حلّله الدين الإسلامي بإباحة تعدد الزوجات دون ضوابط.

وأكدت فتوى أصدرها شيخ الأزهر منذ أربعة أعوام، أن “الجور والظلم على الزوجة جراء زواج الرجل من امرأة ثانية وثالثة ورابعة وإهدار الرجل لحقوق الزوجة الأولى، هما بمثابة جريمة تفوق جريمة الزنا بل إن الزنا أصغر بالقياس إلى ظلم الزوجة وإهدار حقوقها”.

ويحظى القانون بدعم نسائي غير محدود، في مقابل تذمر واضح من أغلب الرجال، خاصة أن عقد الزواج يتضمن بندا يتيح للمرأة، بالاتفاق مع زوجها، أن تطلّق نفسها إذا تعرّضت للضرر ورفض أن يطلقها، ورصد مبلغ مقطوع أو راتب دوري يدفعه الزوج لزوجته إذا طلقها بغير رضاها.

وتبرّر الحكومة إقدامها على هذه الخطوة، بأن زواج الرجل من امرأة ثانية دون علمها، قد يتسبب في أزمات أسرية يصعب علاجها، كما أن الزوجة الأولى من حقها أن تعيش دون خداع، وهو نفس المبرر الذي تدعمه النساء داخل البرلمان ويبلغ عددهن 90 نائبة.

كثيرات من الزوجات في مصر يشتكين من أن بعض الرجال يتخذ من الزواج بامرأة ثانية ذريعة للانتقام من الأولى

ومارس بعض أعضاء البرلمان ضغوطات كثيرة لحذف النص الخاص بموافقة الزوجة الأولى على الزواج من ثانية، وتحججوا بأن ذلك يثير منغصات أسرية واجتماعية، لكن اتهامات البرلمانيات بأن مجلس النواب يكرس الذكورية حالت دون إلغاء المادة، واحتكم جميع الأطراف للرأي الشرعي.

ويخشى مؤيدون للقانون، أن يتأثر الأزهر برأي متشددين فيه ضد المرأة عكفوا خلال الأيام الأخيرة على التحجج بأن الشرع لا يجبر الزوج على استشارة زوجته الأولى قبل الزواج من ثانية، ولم يعطها الحق في تطليق نفسها، لأن ذلك يجعل الرجل تحت رحمة المرأة بالمخالفة للتعاليم الإسلامية.

وسبق أن تقدم أحد نواب البرلمان بمشروع قانون مماثل قبل عامين، وحينها قالت نقابة المأذونين، إن “الشرع والقانون أجازا وضع العصمة في يد الزوجة ليحق لها أن تطلّق نفسها متى وكيفما شاءت، بشرط اتفاق الطرفين على ذلك وتنازل الزوج عن حقه في هذا الأمر”، أي أن مشروع القانون المقدم من الحكومة لا يخالف الشريعة.

واستطلعت “العرب” رأي مجموعة فتيات يدرسن بجامعة القاهرة حول القضية، فكان الرأي الوحيد تقريبا الذي تم الاتفاق عليه أن “الميزة الأهم في القانون أنه جعل موافقة الزوجة الأولى على ارتباط زوجها بامرأة ثانية شرطا إلزاميا في عقد الزواج، بحيث لا تكون هناك تدخلات من المعارف والأقارب لحذفه”.

وقالت إحداهن، وتدعى إيمان محمد، إن معرفة المرأة بوجود شريكة لها في زوجها حق أصيل لها، لأن عكس ذلك نوع من الخداع والكذب الذي لا يؤسس لحياة أسرية سويّة، والإخفاء في إجبار غير مباشر للزوجة الأولى على الاستمرار في علاقة ترفضها إذا عرفت الحقيقة.

وأضافت أخرى، وهي مريم عيد، أن “إدراج بند خاص في عقد الزواج بأن الزوجة الأولى لديها علم مسبق وتوافق على ذلك يصبّ في صالح الزوجتين معا، لأنه في كثير من الأحيان يدّعي الزوج أنه غير متزوج وليس لديه أبناء ثم يُنجب ويكبر الأولاد ويكتشفوا بالصدفة أنهم أخوة من أب واحد، وحينها تعم الصدمة الجميع”.

وعلى الرغم من أن قانون الأحوال الشخصية المعمول به حاليا يلزم الزوج بعدم إخفاء أنه متزوج عند زواجه من امرأة أخرى، إلا أن بعض الرجال يقومون بتضليل محاكم الأسرة بتسجيل عناوين خاطئة لمقر إقامة الأسرة، حتى لا يصل إلى زوجته الإخطار الخاص بزواجه من امرأة ثانية.

وروى أحد الشباب، رفض الإفصاح عن هويته، قصة مثيرة في هذا الإطار، حيث قال لـ”العرب” إنه عندما ذهب لتقديم أوراقه لأداء الخدمة العسكرية بأنه الابن الوحيد لأسرته، بالتالي لا يحق له أداء الخدمة بقوة القانون، لكنه اكتشف أن له أخا من أم ثانية، أي أن والده تزوّج من أخرى لسنوات طويلة دون أن يعلم أحد من أسرته الأولى.

ويظل الخوف الأكبر من التطبيق الحرفي للقانون أن يلجأ بعض الرجال إلى طرق ملتوية للتحايل على الشرط الخاص بموافقة الزوجة الأولى على الزواج من ثانية، بأن يلجأوا إلى الزواج العرفي، لأن النسبة الأكبر من الزوجات لن يسمحن بأن تشاركهن أخريات في أزواجهن، غير التي توافق مضطرة للحفاظ على أسرتها من الانهيار والتفكك.

Thumbnail

ويمثل اتجاه الحكومة لوضع شرط في عقد الزواج للمرأة تطليق نفسها بالاتفاق مع الزوج مقدمة لتقنين الخُلع، أو على الأقل مساندة الزوجة في تقرير مصيرها دون انتظار صدور حكم قضائي بتطليقها، لكن الخوف أن يتم استخدام ذلك البند دون ضوابط تضاعف نسب الطلاق.

وتشتكي الكثير من الزوجات في مصر من أن بعض الرجال يتخذون من الزواج بامرأة ثانية ذريعة للانتقام من الأولى بحجة أن الشرع يحلل ذلك، بحيث تكون الأخيرة مضطرة لطلب الطلاق للضّرر، وهنا يتهرب الأزواج من منحها حقوقها بدعوى أنها هي من طلبت الانفصال.

وترى آمنة نصير عضو مجلس النواب وأستاذة العقيدة بجامعة الأزهر، أن الإيحاء بأن مواد القانون مخالفة للشريعة حجج واهية، والحقيقة أنها تخالف العرف المجتمعي الذي يمتعض من الانتصار لحقوق المرأة، فما المانع من إلزام الزوج بأن يُطلع زوجته بنيّة زواجه من ثانية، لتقرر بعدها الاستمرار معه أو الانفصال عنه.

ويشكك كثيرون في إمكانية أن ينجح القانون في معالجة ظاهرة تعدّد الزوجات في المجتمع، لأن هناك موروثات ثقافية وفكرية أقوى تأثيرا. لكن المكسب الأهم، سوف يكون للمرأة التي تنتمي لعائلة تدعم حق الزوج في الارتباط بأخرى، وتجبرها شفهيا على الاستمرار معه، وبتطبيق القانون فإنها تتحرر من هيمنة عائلتها على قراراتها.

وتؤكد نصير لـ”العرب” أن تطليق الزوجة نفسها لا يخالف الشريعة كما تدّعي بعض الآراء التي تتعاطف مع الرجل على حساب المرأة، فإذا كانت هناك موافقة من الزوج والزوجة على ذلك، وارتضى الطرفان وضع هذا النص في عقد الزواج فما الداعي من التحريم والتجريم طالما أن أهم عنصرين توافقا على مسار حياتهما الأسرية.

ويرتبط طلب الزوجة تطليق نفسها بأن تكون مستقلة القرار عن عائلتها وهي فقط من تحدد مستقبلها الأسري، فضلا عن حتمية أن تكون لديها شجاعة استثنائية تؤهلها للإصرار على إدراج هذا البند في وثيقة الزواج، والأهم من ذلك وجود مرونة من الزوج في قبول الأمر من حيث المبدأ، حتى لا يحتكر وحده سلطة إنهاء العلاقة الزوجية وقتما وكيفما شاء.

21