مصر توثق زواج القاصرات لوقف إسقاط حقوق الأبناء

مخاطر عدم توثيق زواج الصغيرات تؤدي لأطفال بلا هوية.
الاثنين 2021/09/27
توثيق زواج القاصرات خطوة نحو ضمان حقوق الأطفال

يندرج مشروع "حياة كريمة" الذي أطلقته الحكومة المصرية في إطار حملة موسعة لتوثيق الزواج العرفي للقاصرات. ويستهدف هذا المشروع المناطق الأكثر احتياجا حيث وجدت الحكومة أن هناك الكثير من أطفال زيجات القاصرات لا يستفيدون من إجراءات جيدة تنفذها الدولة، وهؤلاء قد يكونون مستقبلا قنبلة مجتمعية موقوتة. ويؤدي عدم توثيق زواج الصغيرات إلى ظهور أطفال بلا هوية.

القاهرة - أدركت الحكومة المصرية أخيرا أنه يصعب احتواء أبناء زواج القاصرات عرفيا وحصولهم على حقوقهم القانونية والاجتماعية دون أن تبادر المؤسسات الرسمية بخطوة توثيق هذه النوعية من الزيجات حتى لو تمت خارج إطار القانون وبشكل مخالف للتشريعات، لتحجيم زواج الصغيرات وحرمانهن من استكمال التعليم.

وقد قررت الحكومة إطلاق حملة موسعة لتوثيق الزواج العرفي للقاصرات ضمن مشروع “حياة كريمة” الذي يستهدف القضاء على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية في المناطق الأكثر احتياجا بعدما وجدت أن هناك الكثير من الأطفال لا يستفيدون من إجراءات جيدة تنفذها الدولة، وهؤلاء قد يكونون مستقبلا قنبلة مجتمعية موقوتة.

بدأت الحملة في المناطق الحدودية والقبلية التي تنتشر فيها ظاهرة تزويج القاصرات عرفيا بحكم العادات والتقاليد خشية وصول الأوضاع الأسرية في هذه الأماكن إلى مرحلة يصعب السيطرة عليها، لأن الكثير من الأبناء صاروا محرومين من أغلب الخدمات الحكومية، على مستوى الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، وأغلبهم لا تعترف بهم الجهات الرسمية لعدم توثيق عقود الزواج.

تحمل الخطوة -وفق تصريحات مسؤولين عن المشروع- أبعادا إنسانية واجتماعية، وإن كان القانون يجرم تزويج القاصرات قبل بلوغهن السن القانوني وهو ثمانية عشر عاما، لكنّ الحكومة بدأت تتعامل مع القضية من منظور أن أسر هذه المناطق لا تعترف بفكرة التوثيق ولا تهتم بتعليم أولادها وصحتهم.

ويخشى حقوقيون أن يُفهم التحرك الحكومي على أنه تجميد غير معلن للعقوبة التي سبق وأن تم إقرارها على تزويج القاصرات، فالمجلس القومي للسكان المعني بتوثيق العقود وتسجيل الأبناء تعهد بعدم محاسبة أي رب أسرة أقدم على تزويج ابنته قبل السن القانوني ودعا إلى التعاون مع المجلس لأنه لن يستطيع الوصول إلى أبناء هذه الزيجات بسهولة.

يُحسب على الحكومة أنها عندما قررت توثيق عقود زواج القاصرات وتسجيل الأبناء من هذه الزيجات لم تتحرك في مسارات أخرى موازية لتغيير قناعات الأهالي في المناطق التي تزيد فيها ظاهرة تزويج الصغيرات، ونفي علاقة الدين والسُترة بأن تتزوج الفتاة في مرحلة الطفولة، ولم تقم بحملة توعوية وثقافية واسعة.

يهيمن شيوخ السلفيين على الخطاب الديني في المناطق التي تنتشر فيها ظاهرة الزواج العرفي للقاصرات ويشجعون الأسر على هذه الخطوة بترويج مبررات واهية، من بينها أن الفتاة مكانها المنزل وليس التعليم، وأن تأخر سن زواجها قد يدفعها إلى ارتكاب الخطيئة وأن الدين دعا إلى تقديم مواعيد زواج الإناث دون ارتباط بمرحلة عمرية.

عمرو حسن: معالجة زواج القاصرات يتطلب تغييرا في الأفكار الأسرية
عمرو حسن: معالجة زواج القاصرات يتطلب تغييرا في الأفكار الأسرية

صارت هذه المفاهيم راسخة عند أسر كثيرة، لا تعير عقوبةَ القانون اهتمامًا ولا تعترف بمسألة التوثيق، بل إن أغلب الزيجات يتم الاتفاق عليها شفاهيّا، باعتبار أن الكثير من أرباب الأسر أنفسهم لم يتلقوا أي نوع من التعليم ويعيشون على الفطرة في كل ما يخص تعاملاتهم الاجتماعية، والتوثيق بالنسبة إليهم رفاهية.

وقال عمرو حسن مقرر المجلس القومي للسكان بمصر سابقا إن توثيق عقود زواج القاصرات لا يهدف إلى التشجيع على الظاهرة بقدر ما يعالج مشكلة أسرية متعمقة في المجتمع، ولا يمكن معاقبة الأبناء على أخطاء عائلاتهم، لأن الكثير منهم لم يتم تسجيلهم في أوراق الحكومة، ولا تعترف بهم المدارس والمستشفيات ما يشكل خطورة على حياتهم المستقبلية على أصعدة مختلفة.

وأضاف لـ”العرب” أن “معالجة ظاهرة زواج القاصرات تتطلب تغييرا في الأفكار الأسرية الراسخة عن مزايا التبكير بتزويج الفتاة، وإقناع الأسر بأن المخاطر أكبر بكثير، مثل غياب حقوق الأبناء وعدم وجود مستندات تحفظ حق الابنة أو الابن لو حدث الطلاق، ومهما كان العرف هو السائد فلا بديل عن الالتزام بالقانون، وأن ما يتم حاليا هو معالجة إنسانية لمشكلة خاصة بالأبناء تعاني منها أسر كثيرة”.

ويعتقد مراقبون أن المشكلة الأكبر في المناطق التي لا تعترف بفكرة توثيق الزواج في المطلق، وأن العرف سلطته أقوى من القانون في هذه المناطق، والمعضلة أن الحكومة يصعب أن تصطدم بالعائلات في هذه الأماكن، لحسابات سياسية وأمنية واجتماعية، بمعنى أن الحل لا يمكن أن يكون بعيدا عن التوعية ونسف المفاهيم المتوارثة عن الزواج.

ويصعب أن تعالج التشريعات وحدها الأزمات المرتبطة بتوابع زواج القاصرات، بحكم السرية التي تفرضها العائلات على هذه الزيجات، وصعوبة إبلاغ الجيران عنها، وهو ما يتسبب بالتبعية في أن تعاني الحكومة أثناء محاولة الوصول إلى أبناء الزواج العرفي لتسجيلهم، ولا بديل عن بث الطمأنينة في نفوس الأسر كي تبادر من تلقاء نفسها بطلب التوثيق دون خوف.

ويبدو أن الحكومة رأت أن مخاطر عدم توثيق زواج القاصرات كعقوبة للأسر سوف تكون أكبر بعد إنجاب آلاف الأبناء دون إلحاقهم بالمؤسسات التعليمية أو تلقيهم الفحوصات واللقاحات الطبية اللازمة حفاظا على حياتهم، لأنها وحدها من ستتحمل الفاتورة مستقبلا، كما أن عدم التوثيق يضر بالمرأة نفسها ويجعلها بلا حقوق، بغض النظر عن غلظة العرف المطبق.

هالة حماد: المشكلة هي أن المرأة الريفية غالبا ما تكون منزوعة القرار
هالة حماد: المشكلة هي أن المرأة الريفية غالبا ما تكون منزوعة القرار

وقالت هالة حماد استشارية العلاقات الأسرية في القاهرة إن توثيق زواج القاصرات حل مؤقت، لكن المعضلة تكمن في كيفية إقناع الأهالي بأن لجوء الحكومة لتجريمه يستهدف الحفاظ على صحة وحياة ومستقبل المرأة، ما يتطلب حملة قومية موسعة تغير المعتقد الديني الخاطئ وتبحث وراء الأسباب بحيث يتم تحديد خطاب توعوي مرتبط بالمبررات الأسرية نفسها لتعزيز فكرة الإقناع.

وأوضحت لـ “العرب” أن “المشكلة الأكبر في المجتمعات القبلية والريفية هي أن المرأة غالبا ما تكون منزوعة القرار وتستجيب لإرادة أسرتها دون اعتراض خشية المخاطر التي قد تتعرض لها بوصمها بالمتمردة التي تخالف العرف والتقليد والطقوس الأسرية، وهذا يتطلب إعادة تعريف الأهالي أنفسهم بمفاهيم الزواج وضرورة أن يكون قائما على التراضي خشية التصدعات المستقبلية”.

ويفرض هذا الواقع على الحكومة أن تكف عن التعامل مع سياسة الترهيب باعتبارها السبيل الأمثل لتقويم سلوك الأسر وتحجيم الظواهر السلبية، مثل الختان وتزويج القاصرات والعنف العائلي، لأن الأمر يرتبط بسلوكيات متوارثة تحتاج إلى حلول جذرية عبر مفاهيم معاصرة يقوم بتوصيلها متخصصون وشخصيات مقبولة مجتمعيا في النطاق السكاني الذي توجد فيه المشكلة.

كما يفرض ضرورة أن تكون هناك موازنة بين معالجة ظاهرة مجتمعية بشق إنساني مثل توثيق عقود القاصرات، وبين إقناع الأسر بأن هذا الخيار لن يدوم، وإنما هو مؤقت وجاء للحفاظ على مستقبل الأبناء والنساء ليس أكثر حتى لا تصل إلى المجتمع رسالة مفادها أن الحكومة تعترف بالأمر الواقع في شأن زواج الأطفال لمجرد أنها وثقت عقودا وغضت الطرف عن معاقبة المتورطين فيه.

21