مصر- تونس: الأحجية السورية

الاثنين 2013/08/12

شيءٌ من اللبس يواكبُ موقف المصريين والتونسيين من الحدث السوري. ومفارقة هذا اللبس تكمن في ارتباك أهل الحراك في البلدين في تصنيف حراك السوريين ومعارضتهم، وفي تخبطهم وتعثرهم في تحديد الموقف من النظام في دمشق.

بكلمة أخرى، وبالرغم من الإجماع على اعتبار أن ثورة «25 يناير» في مصر هي صدى لثورة «14 جانفي» في تونس، إلا أن الحدثَ السوري بقيّ مثارَ جدلٍ يعكسُ تعقّد الحالة السورية من جهة، ويعبر عن مدى محليّة الحدث التونسي، وبَعدَه المصري من جهة أخرى.

الأمر يُظهر أيضاً مدى عجز «الربيع العربي» عن توفير مسوّدة ايديولوجيّة واحدة لأحد أخطر المفاصل التاريخية التي تضرب المنطقة في العصر الحديث.

وعلى الرغم من انزلاق الحراك الليبي ضد نظام القذافي باتجاه الصدام العسكري المفتوح، على ما هو حاصل في سوريا ضد نظام الأسد حالياً، بيد أن التونسيين والمصريين اعتبروا الحدث الليبي جزءاً من منطق الأشياء، بما يجعل الأمر واحداً في سياق واحد، فلم يختلفوا على إدانة القذافي ونظامه، ولم يترددوا في دعم الثورة والثوار ضده، ولم ينزعجوا من التدخل الغربي العسكري هناك.

ومع أن التونسيين، كما المصريين، هتفوا للثورة في سوريا في أسابيعها الأولى، غير أن عوامل عديدة تدخّلت وألقت برمادية وخجل على النخب الصاعدة في كلا البلدين، وجعلت من الحدث السوري مصدرَ حيرة وانقسام لم تفهمه المعارضة السورية وارتاح له النظام في دمشق.

تولي حركة النهضة الحكم في تونس وضعَ حدا لحالة الإجماع الثوري التي ظهرت في الحراك التونسي. فبزوال نظام الرئيس زين العابدين بن علي، زال السبب الرئيسي الذي يبرر هذا الإجماع. وبسيطرة ائتلاف يُهيمن عليه الإسلام السياسي على مقاليد الحكم، ظهرت بالمقابل قوى سياسية تعارض الحكم وسلوكيات الأسلمة التي عبّر السلفيون عن جانبها الميدانيّ المقلق (لاسيما مهاجمة فعاليات ثقافية وعروض مسرحية ومهرجانات سينمائية ومحاصرة محطات تلفزة.. إلخ).

جاهرت تونس تحت «حكم النهضة» في عدائها لنظام الأسد مُسارعة إلى قطع علاقاتها مع دمشق (بدايات 2012) بالتوازي مع دعوات للجهاد في سوريا (حسب الشيخ عثمان بطيخ فإن اقالته كمفتي لتونس من قبل الرئيس المنصف المرزوقي تمت بسبب رفضه لدعوات الجهاد في سوريا).

فيما خرجت في المقابل، ولأسباب تتعلق بالأجندة التونسية المحلية، أصوات يسارية وقومية تجاهر بدعمها للنظام السوري ومواقف رئيسه (القيادي اليساري شكري بلعيد الذي اغتيل قبل ستة أشهر كان يعتبر أن سوريا «تتعرض لمؤامرة أميركية صهيونية لضرب النظام وفرض قوى سياسية معينة تحت عباءة الإسلام السياسي»).

وتولت قضية اعتقال مئات من الجهاديين التونسيين في سوريا، تحويل الكارثة السورية إلى مأساة تطال مئات العائلات التونسية، ناهيك عن إعلان وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو أن أجهزة الأمن التونسية منعت حوالي 4500 تونسي من السفر للقتال ضد النظام السوري تحت مسمى «الجهاد».

الحدث السوري أضحى قضية داخلية تونسية رفعت حدّة النقاش بين الإسلاميين والعلمانيين في شأن مقاربة الشأن السوري، على نحو وضع العلمانيين، أو بعضهم، في معسكر النظام السوري، إلى درجة قيام وفود منهم بزيارة دمشق دعما للأسد ونظامه.

ولم يظهر اللبس في موقف المصريين إلا بعد احتدام الصراع بين الإخوان الحاكمين ومعارضيهم. فالموقف من الحراك السوري في مصر يتعلق بالموقف من الإسلام السياسي وامتداداته السورية. فقد احتل الإسلاميون في مصر، بتياراتهم المختلفة، منبر دعم المعارضة السورية.

تم تقديم الأمر على أنه امتداد لهيمنة الحكام الجدد على العالم العربي. وتولى الشيخ يوسف القرضاوي إطلاق أرضية فقهية تبارك أخونة الدولة المصرية في العهد الجديد، وإصدار فتاوى داعمة للثورة في سوريا تدعو للجهاد ضد نظام دمشق. فكان من الصعب تعايش المتخاصمين في مصر داخل معسكر واحد يتعلق بالموقف من سوريا.

واللافت في مصر، أن بعض القوى اليسارية والقومية جاهرت في عدائها للمعارضة السورية وامتداح النظام في دمشق، لكن ذلك اعتبر دائما جزءاً من سياق المواجهة الداخلية ضد الإخوان في مصر (حمدين صباحي امتدح الرئيس السوري معتبراً أن «بشار يستحق دعم نصر الله لأنه يساعد المقاومة اللبنانية ضد الكيان الصهيونى».

وهاجم المعارضة السورية، واتهمها بأنها السبب وراء فشل الثورة السورية، ناهيك عن قيام وفد يمثّل الناصريين في مصر بزيارة لسوريا لدعم نظام الأسد).

لكن الذهاب إلى تأييد نظام دمشق ظل مُحرِجاً، بحيث اتسم الموقف الرسمي للمعارضة بضبابية وارتباك، فكان أن أصبح الموضوع السوري ثقيل الظل يجرى الابتعاد عن تناوله والتورط في في نقاشه.

على أن الجدل الداخلي الذي احتدم في مصر في الأسابيع الأخيرة التي سبقت مظاهرات «30 يونيو»، أعاد إبراز الشأن السوري كأداة من أدوات الصراع الداخلي المصري.

تصاعد أمر هذه المسألة من خلال عقد مؤتمرات ومهرجانات سلفية- إخوانية دعت إلى الجهاد في سوريا، وتُوّجت بخطاب جماهيري صاخب للرئيس محمد مرسي يبارك فيه هذا المنحى، ويعلن قطع العلاقات المصرية مع دمشق.

كان واضحاً أن الموقف الرسمي المصري أتى متأخراً عن ذلك التونسي الرسمي بزمن كبير.

وكان واضحا أن الموقف المصري الجديد لن يقدّم ولن يؤخّر في الصراع السوري وموازينه.

وكان واضحا أن إعلان مرسي هو للاستهلاك المحلي خدمة لوقود المماحكة مع معارضيه، بحيث وجد المعارضون أنفسهم، سواء رضوا بذلك أو كانوا مكرهين، في المقلب الآخر المقابل، مقتربين من مواقف دمشق بعيدين عن مواقف خصومها.

ينهلُ اللبس التونسي- المصري مياهه أيضا، من لُبس المعارضة السورية نفسها. تحرّى الائتلاف السوري المعارض مسك العصا من وسطها بغيّة إرضاء كافة أطراف المعارضة، بما فيها جبهة النصرة.

وإذا ما كان للسوريين ظروفهم في الإبقاء على ضبابية الأشياء طالما أن المواقف الإقليمية والدولية ضبابية، فإن ذلك ساهم في فقدان المعارضة إجماعا تونسيا- مصريا، كان ممكن المحافظة عليه، بغضّ النظر عن التناقضات الداخلية للتونسيين والمصريين.

لكن تأملا لتشوه المواقف هنا وهناك وهنالك من المسألة السورية، سواء في تونس أو مصر أو بلدان أخرى، يُسلّط المجهر على منحى انفصالي لظاهرة الربيع العربي، يُسقط عن الحدث العربي سياقه الإجمالي ويحشره في سياقات متفرقة لها شروطها وخصوصياتها، على ما هو ظاهر في ليبيا واليمن والبحرين، كما في سوريا وتونس ومصر.

وربما ما قد يقلب الحدث المصري هذا الواقع بحيث يؤدي سقوط الإسلام السياسي في مصر إلى تخصيب المُفرّق بحقنٍ تعيد تصويب الخاص نحو سياق العام.

9