مصر: حملات لدعم رئيس لم يؤكد ترشحه ومعارضة سياستها التزكية

جاءت مصادقة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قبل أيام من تشكيل قضائي لمجلس إدارة الهيئة الوطنية للانتخابات، المعنية بإدارة العملية الانتخابية، إيذانا ببدء ماراثون انتخابات الرئاسة، المقرر إجراؤها عام 2018. وفي مشهد تقليدي وعرف حافظ عليهما المصريون حتى بعد الثورة على نظامي مبارك والإخوان، تم تدشين حملات شعبية لدعم ترشيح الرئيس المصري فيما تبقى المعارضة محافظة على انقسامها وخمولها، بينما الشارع منقسم بين هذه الحملة وتلك وهو فاقد الأمل في إيجاد حلول واقعية لظاهرة ترسخت في الإعلام وعند المعارضة وقد رسخت عقودا من الحكم السلطوي.
السبت 2017/10/21
يد واحدة لا تبني

القاهرة – تعيش مصر فترة ركود في العمل السياسي غير مسبوقة، وغابت الشخصيات التي تستطيع إحداث حراك وسخونة وجدل في الشارع، الأمر الذي أرخى بظلال قاتمة على الأوضاع داخل الأحزاب نفسها. وبدت كأنها غير موجودة ولا أحد يسمع عنها، مع أن عددها تجاوز المئة حزب.

لكن، ضرب الخمول السياسي العديد من الأحزاب التي يفترض أن تقود التغيير على الساحة المصرية وتحدث حراكا نوعيا، وأصبح تولي المناصب المهمة داخل الأحزاب والبرلمان والقوى السياسية يتم بالتزكية تقريبا. كما أن النقابات المهنية التي شهدت منافسات محتدمة في سنوات سابقة وكان نشاطها يعوض غياب الأحزاب بدأت تصاب بالداء نفسه، بعد أن أحجم المرشحون المخضرمون عن التنافس، ما أحدث خللا بأهم مبادئ الديمقراطية، الخاصة بتنوع الاختيار وتداول السلطة بمراتبها المختلفة.

واختار حزب مستقبل وطن رئيسه أشرف رشاد بالتزكية مؤخرا، وتكرر المشهد نفسه باختيار أعضاء حزب المصريين الأحرار عصام خليل لرئاسته، ولم تجد باقي الأحزاب إقبالا للتنافس على المناصب القيادية. وعزف قطاع كبير من السياسيين عن التفاعل مع الانتخابات الداخلية. وسادت اللامبالاة وعدم الرغبة في المشاركة.

وانتقلت الظاهرة إلى البرلمان، بعد اختيار نواب ائتلاف دعم مصر، الحاصل على الأغلبية البرلمانية، رجل الأعمال محمـد زكي السويدي لرئاسة الائتلاف، دون انتخابات، ولم يترشح أمامه أحد وأعلن فوزه بالتزكية. وحسم عدد من اللجان النوعية داخل البرلمان الفوز بالتزكية قبل أن يبدأ دور الانعقاد الثالث لمجلس النواب، ما يعني أن التفاهمات والتوافقات هي التي تتحكم في تسيير دفة أمور كثيرة داخل البرلمان.

وتبرر أحزاب فوز قياداتها بالتزكية باتفاق الأعضاء على قدرة أشخاص بعينهم الإمساك بالدفة بطريقة أفضل للحزب. وتستند قوى سياسية عند اختيار قادتها إلى معايير بعيدة عن نظرية التطور السياسي التقليدي، وتعطي أهمية لما يمكن وصفه بالإنجازات ولو كانت شكلية أكثر من نظرتها لضرورة تداول السلطة والمنافسة بين عدد من الأشخاص.

ويؤكد جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، لـ”العرب” أن انتشار ظاهرة الفوز بالتزكية يكشف غياب الدور الحقيقي للنخب والأحزاب والقوى السياسية، خاصة بعد أن أصبح التعامل يميل إلى أن ما يجري من مقدمات “تحصيل حاصل”، وأي تجاوب مع الانتخابات الرئاسية لن يفيد الحياة السياسية في شيء.

سلوك سياسي وانتخابي

لم تلق الدعوة التي وجهها مؤخرا حمدين صباحي، المرشح الرئاسي السابق، لتكوين جبهة جديدة تحت شعار “التغيير والإنقاذ” تجاوبا من قبل النخب السياسية، وبدا الرجل كأنه يغرد خارج السرب، لأن محاولته لتكرار مشهد تكوين جبهة مماثلة لما حدث في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك باءت بالفشل، كما أن تكرار سيناريو التعامل مع حكم جماعة الإخوان وإقصائها، عندما تم تشكيل جبهة الإنقاذ، لم يجد آذانا صاغية حتى الآن.

تبرر أسباب عديدة لماذا لم تحدث هذه الدعوة صدى إيجابيا، من ذلك أن نظام السيسي لا يزال يحظى بشعبية، خصوصا وأنه جاء على أنقاض نظام الإخوان ولا تزال تداعيات فترة حكمهم القصير تلقي بظلالها على الشارع المصري. من بين الأسباب أيضا أن أصحاب الدعوة (صباحي ورفاقه من اليساريين) فقدوا قدرا كبيرا من رصيدهم في الشارع بسبب غيابهم أو تغييبهم الفترة الماضية، علاوة على تعاظم السلبية لدى فئة كبيرة من المصريين، والتي جعلتهم ينسحبون من التفاعل مع كثير من المجريات السياسية، بعد أن فقدوا الأمل في قدرتهم على تغيير التوجهات.

وكانت المعارضة القوية لقانون التظاهر محل اختبار لقدرة المعارضة على التأثير واختبار لمدى تجاوب الحكومة مع الضغوط. وفي الحالتين جاءت النتيجة غير مواتية، فالمعارضة أنهكت وتوارت، والحكومة استمرت في تصوراتها وتصرفاتها. وتكرر الموقف ذاته بالنسبة للمعارضة الكبيرة لاتفاقية تيران وصنافير وتسليم الجزيرتين للسعودية، فالحكومة لم تعدم الحيل السياسية والقانونية التي ساعدتها على تمرير تنفيذ الاتفاقية وعدم الاعتداد بموقف المعارضة الرافض للاتفاقية.

فلسفة "الرجل الأوحد" أدت إلى تخطي عقبات روتينية كبرى لكنها تسببت أيضا في غياب أي نوع من الرقابة على أنشطة الحكومة

ورغم اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في مصر منتصف العام المقبل، يبدو عبد الفتاح السيسي حتى الآن المرشح الوحيد دون ممثل للمعارضة أو غيرها من الجبهات التي تدور في فلك النظام الحاكم، وهو ما يتنافى مع الزخم والحراك والتفاعل الذي ساد لفترة من الوقت عقب ثورة 25 يناير 2011.

في تلك الفترة أصبح المصريون على موعد شبه مستمر للذهاب إلى صناديق الاقتراع لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية والاستفتاء على تعديلات دستورية. وتشكل وعي وسلوك وتفاعل الناخب المصري على مدار السنوات الماضية حسب الأحداث والتطورات التي شهدتها الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وعكست التغيرات الكبيرة في نتائج الانتخابات المتعاقبة حجم التحولات في سلوك الناخبين، ففي البداية كان التفاعل لافتا، ثم انخفض، والآن يبدو على وشك الدخول في طور جديد من عدم الاهتمام، ما يشير إلى عدم الاقتناع بالعملية السياسية برمتها، لأن ظاهرة المرشح الأوحد تتصادم مع أبسط معايير الثقة في الديمقراطية وآليات التغيير، خاصة أن ثمة إصرارا مريبا على ترسيخها في الانتخابات التي تجري على مستوى القمة أو القاعدة.

وتعتقد شخصيات في المعارضة أن السلبية والعزوف واللامبالاة هي في جوهرها موقف سياسي بامتياز، ودليل على فقدان الثقة في الحكومة الحالية، فالمصريون خرجوا بعشرات الملايين في أول انتخابات بعد ثورة يناير لأنهم لمسوا جدية فيها، وتأكدوا من أهمية صوتهم، وأن هناك سباقا حقيقيا وقد خاض المنافسة أكثر من مرشح كانت لهم أوزان سياسية جيدة.

تغيير وجوه

قال سامح بيومي، أستاذ العلوم السياسة بجامعة عين شمس في القاهرة، إن المصريين إبان ثورة 25 يناير سارعوا إلى انتخاب وجوه اعتلت موجة المظاهرات وبالأخص الإسلاميين، لذلك تبوأ حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة الإخواني مشهد القيادة مؤقتا. وفازا بأغلبية كبيرة في الانتخابات التشريعية وبعدها فاز الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان محمـد مرسي بالرئاسة، وفي تلك الفترة كان الخطاب يعتمد على الجوانب العاطفية والدينية ولم تكن هناك أجندات أو أفكار سياسية جديرة بتحديد رؤى للمستقبل.

وأضاف لـ”العرب” أن التحولات التي طرأت على المجتمع وغياب الأمن وتفشي الإرهاب بالإضافة إلى كشف جماعات تيار الإسلام السياسي وجوههم وسياساتهم التي تعاكس المصلحة العامة، جعلت الناخبين تنفر من أي وجه مرتبط بهم وهو ما ظهر بوضوح بعد الفشل الكبير الذي حققه حزب النور في الانتخابات التشريعية عام 2015 واستبدال المحسوبين على التيار الإسلامي بوجوه جديدة بخلفية أمنية (شرطية وعسكرية) وهو سبب وجود نواب كثر كانوا في السابق ضباطا عاملين في هاتين المؤسستين.

الأحزاب المصرية: عدد كبير وفعل قليل وعقلية لم تفهم التغيير

وأشار بيومي إلى أن الوعود الانتخابية وبرامج المرشحين لا تحكم وحدها أسباب اختيار الناخب للمرشح، فهناك عوامل عدة تلعب دورا في الفوز بأصوات الناخبين والتأثير على آرائهم، ومن تلك العوامل الفترة العمرية ونشأة الناخب ومستوى التعليم والبعد الاقتصادي والسلوك الاجتماعي، وكلها عوامل تلعب دورا في تحريك الكتل الانتخابية.

حالة الخمول التي تبدو عليها الأحزاب انعكاس لطبيعة الوضع السياسي العام في مصر من حيث غياب ثقافة المنافسة واستسلام الأكثرية لواقع حسم الأمور قبل موعدها، وهو ما يدفع الجميع للانكفاء وعدم التطور، علاوة على اختفاء المنافس الحقيقي القادر على أن يصنع الفارق لصالحه أمام السيسي، الذي لم يحسم بعد موقفه من الترشح لولاية ثانية، فيما أعلن مرشح واحد هو محمد عصمت السادات ترشحه للرئاسة.

ويقضي تعامل الأحزاب والائتلافات البرلمانية بمبدأ الأفضلية لشخص واحد، على ما تبقى من حراك. وطوال تاريخها الحديث، حملت مصر ملامح رئيسية كانت أحد الخصائص البارزة في شخصية حاكمها. وآخر الحكام تأثيرا على شخصية المؤسسات وديناميكية عملها الرئيس الأسبق حسني مبارك.

وكان عصر مبارك يتسم بالبطء والتردد قبل الإقدام على اتخاذ قرارات، قد تكون سهلة أحيانا. وظهر هذا الالتباس، الذي طغى على 30 عاما منذ صعوده إلى السلطة عام 1981، في تعامل مؤسسات الدولة مع الاحتجاجات الواسعة التي اجتاحت مصر في يناير 2011، وتركز الحجم الأكبر منها في ميدان التحرير،. كما اعتمد حكم مبارك كثيرا على كبار السن من قادة الحزب الوطني الحاكم آنذاك، وتسبب ذلك، إلى جانب بقاء المسؤولين في مناصبهم لفترات طويلة، إلى إصابة المؤسسات بجمود وصل إلى حد الشلل الوظيفي أحيانا.

لكن في عصر السيسي شهدت مصر العكس تماما. فالسرعة غير المتوقعة التي شهدها إنجاز مشاريع كبرى عكست فلسفة مغايرة في إدارة أجهزة الدولة، كما ساهم الاعتماد على الجيش في الملف الاقتصادي خصوصا في قطع مسافات طويلة خلال مدد زمنية أقصر كثيرا مما هو الحال في المشاريع الموكلة للمؤسسات المدنية. لكن خبراء يقولون إن عاملا آخر كان حاسما للوصول إلى هذه المرحلة من الإنجاز، وهو حصر القرار في يد الرئيس فقط. ولم تعد ثمة عقبات ناتجة عن اختلافات أو مناقشات تقف حائلا أمام الانتهاء من هذه المشاريع التي تستنزف المليارات.

وأدت فلسفة “الرجل الأوحد” إلى تخطي عقبات روتينية كبرى، لكنها تسببت أيضا في غياب أي نوع من الرقابة على أنشطة الحكومة والجيش، وأفسحت المجال أمام رفع منسوب الإنفاق العام بعيدا عن الأولويات الوطنية، وفقا لخبراء.

وقال أحد هؤلاء الخبراء “إننا في مصر نضمن أن هناك مشاريع كبرى تنجز، لكننا لا نضمن إن كانت هذه هي المشاريع التي نحتاجها”. وانسحبت ثقافة تركيز السلطات والصلاحيات على عمل المؤسسات الأدنى درجة أيضا. فقد تم تهميش مؤسسات حكومية تعاني من بيروقراطية مترهلة، لصالح مؤسسات بديلة يديرها غالبا القطاع الخاص. وحتى داخل كل وزارة أو شركة على حدة، بدأت تتركز السلطات مع الوقت في يد الوزير أو المدير العام، الذي بات يتخذ القرارات بشكل منفرد.

ويقول خبراء في علم الاجتماع السياسي إن هذه الظاهرة بدأت تتحول إلى ثقافة مجتمعية واسعة، إذ بات الناس مستعدين للتعايش مع هذا النموذج في الحكم، دون أي عناء. وخلال تصريحات السياسيين وأعضاء في البرلمان، تحولت لغة الترويج للسيسي، كمرشح أوحد في الانتخابات الرئاسية، إلى نزعة لا إرادية، ووصل الأمر لدى كثير منهم إلى الهجوم على مخالفين في الرأي باعتبارهم يسيرون عكس “التيار المنطقي” للسياسة في مصر. وجعلت هذه العقلية من يفكر في الترشح يبدو خارجا على “الاصطفاف الوطني”، وهو شعار لطالما ردده السيسي منذ أن كان مرشحا لانتخابات الرئاسة عام 2014.

حالة الخمول التي تبدو عليها الأحزاب انعكاس لطبيعة الوضع السياسي العام في مصر من حيث غياب ثقافة المنافسة واستسلام الأكثرية لواقع حسم الأمور قبل موعدها

"رافضينك" تواجه "عشان تبنيها"

تلعب وسائل الإعلام، التي مازالت تتسابق لنسج خيوط علاقات وطيدة مع مؤسسات الحكم، دورا بارزا في نشر ثقافة “القائد الأوحد” و”النجم الأوحد” و”فنان الجيل” بين أوساط المجتمع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وهو “الفضاء الأوحد” الذي مازال يبدي مقاومة لهذه الثقافة، لكن دون جدوى.

وأثارت حملة “عشان تبنيها” لجمع توقيعات لدعم السيسي للترشح في الانتخابات الرئاسية، جدلا واسعا بعد أن انضم إليها فنانون ورياضيون وإعلاميون بجانب سياسيين، وبدأت تحركات كثيفة في عدد من المحافظات، قابلتها حملة معارضة رفعت شعار “مش عايزينك”.

ويرى خبراء أن هذه النوعية من الحملات امتداد لما تعيشه مصر من ركود سياسي وغياب قوى المعارضة، ومحاولة خلق ظهير شعبي مؤيد وسط مخاوف من تراجع شعبية السيسي، بسبب قرارات اقتصادية صعبة أرخت بظلال سلبية على قطاع كبير من المواطنين، وهو ما يستغله معارضون.

وإذا كانت الحملة الأولى لها وجود على الأرض بفضل دعم عدد كبير من المشاهير لها، لا تزال الحملة المضادة قاصرة على مواقع التواصل الاجتماعي لسد جميع المنافذ أمامها، فلا وجود لها في الشارع ولا حديث عنها في وسائل الإعلام.

ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أحمد يوسف إن الحملات الشعبية تلعب دور الأحزاب والقوى السياسية الغائبة عن الساحة المصرية منذ أكثر من أربعة أعوام، وبالتالي تظهر حالة من العشوائية في إطلاق الحملات الشعبية التي يعتليها البعض لتحقيق أغراض شخصية أوالتملق لصالح جهات وشخصيات سياسية بعينها.

لتجنب الدخول في متاهة المشهد القديم، ترى دوائر محسوبة على المعارضة أن الفرصة لا تزال سانحة لحراك جديد، ويمكن أن تلقى الدعوة التي وجهها صباحي لتكوين جبهة للتغيير والإنقاذ تجاوبا خلال الأسابيع المقبلة، فقد يعرض استمرار إحجام النخب عن منافسة السيسي ويخوض الانتخابات الرئاسية منفردا ويفوز بالتزكية بذريعة “الفرصة الثانية”، البلاد لموجة من غياب الاستقرار والطعن في شرعية النظام الجديد ووضع الحكومة محل انتقاد دولي، لأن هذا الأسلوب يعني ضرب ما تبقى من شكل ديمقراطي في مقتل.

7