مصر: دولة الفقيه تتنطّع في "الأخلاق"

لا يصدق عاقل أن نظاما بجهازيه التنفيذي والقضائي لا تستفزّه الدماء، ثم يغار على "الأخلاق".
الاثنين 2019/02/18
تصفية حسابات

في “جمعة الغضب”، 28 يناير 2011، قطعت خدمات الإنترنت والاتصالات الهاتفية (المحمولة)، وتقدمت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ببلاغ للنائب العام، للمطالبة بفتح تحقيق مع المسؤولين في الحكومة وشركات الاتصالات، عن مسؤوليتهم “الجنائية المتعلقة بمشاركتهم في الإضرار بالمتظاهرين، وقتلهم عن طريق قيامهم بقطع خدمات الإنترنت والاتصالات عن المواطنين بشكل تعسفي”، وأدى تعذّر الاتصال بخدمة الإسعاف إلى وفاة أكثر من 60 مصابا، منهم أحمد عبدالرحيم السيد (18 عاما)، وقد أصيب برصاصة في صدره، ولم يستطع أصدقاؤه الاتصال بالإسعاف لإنقاذه.

مرت ثماني سنوات والبلاغات نائمة، يتوالى عليها نواب عموميون، تحت حكم المجلس العسكري والإخوان وعدلي منصور وعبدالفتاح السيسي. تُهمل المطالبات بالتحقيق في قضية تتصل بالدم، ولكن مقطع فيديو، لم يزعم مواطن أنه تأذى من التلصص عليه، أصبح أكثر أهمية من جرحى ماتوا من أثر النزيف، فتحركت النيابة العامة، وقبض على ممثلتين وأودعتا السجن، وتواجهان تهمتيْ “ارتكاب أعمال فاضحة، والتحريض على الفسق”. هذا الإجراء اغتيال معنوي يشمل أسرتيهما ورجلا قيل إن ظله يظهر في الفيديو، وهو نائب برلماني أبدى اعتراضا على تعديل دستوري يسمح بمد فترات الرئاسة. وما كان هذا الإلهاء المتعمد للرأي العام ليجري لولا تعطش النظام المصري إلى البحث عن فضيحة، ضاربا عدة عصافير بحجر، فيبدو أكثر غيرة على “الأخلاق” من غلاة دولة الفقيه النشطة في مصر، ويبتز النائب ويقايضه على حريته فيخرس تفاديا للسجن، ويُرهب الذين يفكرون في معارضة عملية تعديل الدستور، فيكفّون عن الاجتراء أو يكتفون بالصمت.

شرعا وقانونا، ليس أكثر حرمة من الدم. ولولا دماء شهداء جمعة الغضب، لظل حسني مبارك حاكما، مبارك الأب أو الابن أو كلاهما، الواجهة والكواليس، المعرض والورشة. هانت تلك الدماء فلم تستأهل فتح تحقيق. وسجل بلاغ قدمته اللجنة الوطنية للحماية القانونية للثورة، أن “هذا القطع لخدمات الاتصال والإنترنت، دون سند، يمثل جرائم قانونية بحد ذاته… فضلا عن أن هذه الجريمة خلفت جرائم أخرى متعلقة بقتل وإصابة المتظاهرين”. وبعد أشهر، حوّلت القضية إلى القضاء العسكري، ورقمها 4 لسنة 2012، وتجمدت. ثم اعترف مبارك في المحكمة التي دخلها شاهدا، 26 ديسمبر 2018، بأن قطع الاتصالات كان يهدف إلى منع التواصل بين قيادات الإخوان.

لا يصدق عاقل أن نظاما بجهازيه التنفيذي والقضائي لا تستفزّه الدماء، ثم يغار على “الأخلاق”. ولو صدقت النية، لاتخذ إجراء عاجلا مع إدارة يوتيوب لحذف مقطع يقال إنه انتشر على نطاق واسع، فيمحى أثره. وتثبت التجارب أن رافعي راية الشيء الذي يسمونه “الأخلاق” هم أقل حرصا على تمثّلها، فيتجنبون قاعدة إنسانية ودينية اسمها الستر. وسوف أقدم لمحبي هذا الخطاب أدلة على رقيّ جسدته رحمة الرسولين المسيح ومحمد، ومواقف الإمام علي وأمير المؤمنين عمر. ولا أظن الذين يتربحون من “الأخلاق” يسرّهم ذلك، فستر العيوب والعورات ينهي وظائف تدور وجودا وعدما مع هذه الذريعة وافتعالها وإبقائها سيفا مسلطا على رقاب المستهدفين. وبدلا من رفع المصاحف على أسنة الرماح، يجري نفاق الجماهير بالمبالغة في عقاب مرتكبي “الرذيلة” التي لا ينشرها إلا من يدّعون محاربتها.

تقول المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “لا يجوز تعريض أحد لتدخّل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمسّ شرفه وسمعته. ولكل شخص حق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الحملات”. والدستور المصري، دستور 2014 الذي يتربصون به، أكثر تفصيلا وإحكاما، وتقول مادته رقم 56 “للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية والبرقية والإلكترونية والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسرّيتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبّب، ولمدة محددة”. فأي جريمة ترتكب الآن بحق الفتاتين؟ هذا التشهير تسهم فيه صحف هزيلة مهنيا، وتتوسل بالفضائح، تسولا للقارئ وهو أكثر ذكاء من رؤساء التحرير وممن يقررون لهم ما ينشرون.

قبل الإجهاز على الفتاتين، والصمت على إجراء متوقع للنائب البرلماني الذي ورد اسمه في التحقيقات، انتهك صحافيون ومذيعون موالون للحكومة الدستور والقانون، وأذاعوا مكالمات لمعارضين سجلها شخص أو جهاز. هذا الجهاز الخفي ظل يقظا، في الورشة والمطبخ، لا يتأثر بانهيار المعْرض وطاولات طعام يمثلها جهاز الشرطة المختفي منذ جمعة الغضب. آنذاك ظننا أننا سنغيّر مصر، وأن جهاز أمن الدولة سيء السمعة في إجازة، واستمرت التسجيلات وحفظت، انتظارا للحظة استغلال أو ابتزاز. وواصل هؤلاء الإعلاميون بث الفتنة، وتحدّوا القانون والدستور، ثم كوفئ البعض بعضوية البرلمان؛ ثمنا للتفاني في “الخدمة”.

لا يحق لمخلوق أن يناقش مضمون مواد مكتوبة أو مصورة لغرض شخصي، أو للعبث واللهو طالما تجنبت المساس بسوء لأحد. ولا تثير الجهات التنفيذية والمعنية بتحقيق العدل سؤالا عن مجرم انتهك الحرمات، وتمكن من السطو على تسجيل خاص. ومن اليسير معرفته، والتوصل إلى شركاء أمروا بإطلاق الفضيحة عبر الإنترنت. وتتمتع الأنظمة البوليسية بكفاءة مهنية لمعرفة من أمر بالسرقة، ومن نفذ الأمر، ومن نشر، بل من حاول مشاهدة الفيديو وفشل، وبعد أي محاولة نجح، ومن أي جهاز.

لا أظن أبطال الفيديو دعوا إلى إشاعة “الفاحشة في الذين آمنوا”، أو حرضوا على “الفسق”. أين التحريض على الفسق في سلوك لم يكن لأحد أن يكشف ستره لولا انتهاك الحرمات؟

لا أظن محققا يجهل قول السيد المسيح “من كان منكم بلا خطيئة فليرْمها بحجر”، ردا على الذين حاولوا إحراجه مجادلين بشريعة موسى، فانصرفوا خجلين من إجابته. وكذلك كان النبي الكريم رحيما، بقوله لهُزال الأسلمي “لو سترته بثوبك كان خيرا لك”.

ليس في الشرع، الإلهي لا الفقه البشري، تعطش للفضيحة وقهر للمخطئين. وقد رأى عمر بن الخطاب واقعة، شاهد بعينيه فغضب، وحدّث بها الإمام علي الذي حذره أن ينطق اسم اللذين رآهما، ما لم يكن معه شهداء. وذات ليلة سمع عمر ما يشي بمجون في بيت فاقتحمه، وضبط صاحبه في “حالة تلبّس″. ولثقة رب البيت بعدل أمير المؤمنين، واجهه بخطابه نفسه: أتينا واحدة (الخمر)، وأتيت ثلاثا: قال الله “وأتوا البيوت من أبوابها”، وأنت تسلقت السور. وقال “لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها”، وأنت لم تسلم. وقال “ولا تجسسوا”، وأنت تجسست. فانصرف عمر، وأرسى مبادئ قانون الإجراءات الجنائية.

قليل من الرحمة يصلح الأخطاء والضعف البشري. وأخشى أن تكون “الأخلاق” حجة للانتقام. فهل تنهض الأمم بالأخلاق؟ لعلي أجيب في المقال القادم.

18