مصر: سلفيون في مواجهة سلفيين

الاثنين 2014/11/24

المظاهرات التي دعت الجبهة السلفية لانطلاقها يوم الجمعة المقبل، تحولت من اختبار قوة جديد للتيار الإسلامي في مواجهة الحكومة المصرية، إلى اختبار لمعرفة مدى الترهّل الذي أصاب هذا التيار، حيث ازدادت سرعة التراشقات والمناكفات بين أجنحته المختلفة، التي لا يزال أصحابها يناصرون جماعة الإخوان، وهؤلاء الذين اختاروا الوقوف إلى جانب النظام، وكل طرف يحاول استخدام أسلحته، المادية والمعنوية، لإثبات الصمود على المبدأ، حتى لو كان خاطئا، أو لتأكيد الولاء وترسيخ القناعات.

المعركة التي دارت رحاها خلال الأيام الماضية، ولا تزال مستمرة حتى يوم 28 نوفمبر الجاري، يخوضها بعض شيوخ السلفية بمهارة عالية، لأنهم اعتبروها معركة مصيرية، فالتيار الذي سينتصر فيها سوف تكون له الغلبة الشعبية، التي تناثرت بين قبائل شتى من السلفيين، منهم التكفيريون ومنهم المعتدلون، وما بينهما من تصنيفات ربما تجاوزت بضع وسبعين شعبة، والمثير في المعركة المحتدمة أنها تستخدم مفردات متقاربة، وتخرج من نبع فكري واحد، لكن بتفسيرات وتأويلات عدة، لذلك كانت الحكومة المصرية حكيمة عندما تفرّغت للجوانب الأمنية، وتفريغ الجيوب الرئيسية، وتركت الأبعاد السياسية نسبيا، وأصبح لسان حالها كأنه يقول “ويل للسلفيين من السلفيين”.

الشاهد أنه لا خوف من مظاهرات 28 نوفمبر، فجماعة الإخوان التي حشدت أسلحتها الإعلامية والحقوقية، لن تتمكن من حشد أنصارها في ظل الفشل الذي منيت به في المظاهرات السابقة، وكانت لا تزال تملك بصيص أمل، ولديها بقايا قوى شعبية، فما بالنا اليوم، وقد ضاع الأمل واختفت الحشود، إلا من بضع عشرات الحالمين يخرجون من حين إلى آخر لإثبات الحضور؟

لعل البروفة المحدودة التي خرجت يوم الأربعاء الماضي، بمناسبة الذكرى الثالثة لأحداث محمد محمود الشهيرة، تكشف لأي درجة أصبح حال الحشد الشعبي في مصر الآن، الذي يدعو إليه الإخوان وبعض السلفيين، فلم يلبّ نداء التظاهر في القاهرة وبعض المحافظات، سوى بضع مئات من الشباب والفتيات، ومرت الذكرى دون أن تترك أثرا شعبيا، يعيد للأذهان الملايين التي كانت تخرج وتزلزل الشوارع والميادين، عندما كان هناك هدف واحد مشترك، وعندما كانت الحيوية والعافية السياسية تدبّ في عروق الشباب، وعندما كان هؤلاء مخدوعون في الإخوان، ولم يكتشفوا حقيقتهم الزائفة.

بالتالي فمن الناحية الجماهيرية، من غير المتوقع أن يلتف المواطنون، خلف الإخوان وجناح من السلفيين، ومرجح أن تسقط هذه المظاهرات في بئر اللامبالاة التي أصابت قطاعا كبيرا في الشارع المصري، واشتداد قبضة أجهزة الأمن، والفراغ الذهني الذي يسيطر على أفكار وتحركات الإخوان، والخواء الذي أصبح سمة أساسية في تحركات السلفيين، واقتلاع المنابر والمساجد من أيدي الإسلاميين، حيث بدأت وزارة الأوقاف تنفيذ خطتها، لاستعادة دورها، فخسروا أهم وسائل التحريض ضد الحكومة، وأقوى أداة لحشد البسطاء من المواطنين.

الهالة الكبيرة التي تحيط بمظاهرات 28 نوفمبر، ليس لأنها معركة فاصلة، بين الحق والباطل، كما تزعم جماعة الإخوان، وتحاول تصويرها عبر وسائل الإعلام التابعة لها في الخارج، لكن لأنها استخدمت عبارات غير تقليدية لجذب الانتباه، ودغدغة مشاعر الناس، فلأول مرة يتم الحديث عمّا يسمى “رفع المصاحف” في إشارة إلى استعادة ذكريات تاريخية مريرة، ومن حيث لا يدري هذا الفريق، فقد ألصق بالإخوان اتهامات سبق أن وصفته بـ”خوارج هذا الزمان”، ولأول مرة تقريبا يتم استخدام عبارة “انتفاضة أو ثورة إسلامية”، في محاولة لتوظيف التشدد الذي أشاعه تنظيم “داعش” وأشقائه في مصر وخارجها، دون أن يدرك أصحاب الدعوة أنها سوف تلصق بهم تهمة التشدد، وتضعهم في مربع قريب من قاموس الإرهابيين.

هذه الأجواء، أفقدت المتظاهرين المنتظرين أي تعاطف، وقدمت هدايا لا تقدر بثمن لأجهزة الأمن، لأنها سوف تخفف العبء عنها، حيث تجعل المواطنين يخرجون، في اليوم الموعود، للتصدي لهذه النوعية من الدعوات، ويصبحون ظهيرا شعبيا للحكومة، يدافعون عنها بتطويق أي مظاهرات محتملة للإخوان وبقايا السلفيين، فالمكاسب التي حققها المصريون بالخلاص من حكم الإخوان، لا تقدر بثمن، ومن الصعوبة التهاون فيها، مهما بلغ حجم المشكلات الاقتصادية والأمنية حاليا.

ناهيك عن أن عددا كبيرا من شيوخ السلفية، يريد ألا تلاحقه لعنات هذه المفردات البغيضة، لذلك اجتهد في الرد عليها وحاول إبطال حججها الدينية، لأن هناك تيارا سلفيا، يمثله حزب النور، يسعى إلى أن يكون له موطئ قدم في المشهد السياسي الراهن، الذي تصمم الكثير من القوى الحزبية على أن يخلو من الإسلاميين، سواء كانوا إخوانا أو سلفيين، لأنهم ساهموا في شيوع ثقافة التطرف في المجتمع، ويقع على عاتقهم جانب معتبر من المعاناة التي تواجهها الحكومة وأجهزة الأمن مع الإرهابيين.

لذلك فقيادات حزب النور، تبذل جهدا لاستغلال هذه الفرصة، لإبراء الذمة، وقد حضَّ الحزب كوادره على التحرك، لإجهاض هذه المظاهرات مبكّرا، والنجاح أو الفشل في هذه المهمة، قد يحدد إلى حد كبير المكان الذي سوف يتموضع فيه الحزب نهائيا، خاصة أن اتهامات بالازدواجية تلاحقه منذ ثورة 30 يونيو، حيث اتهم بالوقوف إلى جوارها في العلن، والعمل ضدها في الخفاء، وربما تكون هذه هي الفرصة الأخيرة أمامه، فهل سيقف عمليا إلى جوار القوى الوطنية، أم ينحاز إلى القوى الظلامية؟ وهل تستجيب القواعد والكوادر لخطاب الشيوخ، أم تعيد تكرار مشاهد الخداع السابقة؟


كاتب مصري

9