مصر ضحية نجاحها في تقليص السوق السوداء للعملة

أصبحت مصر ضحية نجاحها في حملتها الرامية إلى تحجيم السوق السوداء للعملة الأجنبية، بعد أن أدى ذلك إلى أزمة كبيرة للشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة، التي لم تعد تستطيع توفير الدولارات لاستيراد المواد الأولية والمعدات.
السبت 2015/09/19
الدولارات أصبحت بعيدة عن متناول الشركات والمستوردين

القاهرة - إقرار البنك المركزي بوضع حد أقصى للودائع الدولارية في الحسابات المصرفية، أدى إلى مكاسب لبعض الأطراف وخسائر كبيرة لأطراف أخرى، في بلد يعاني من شح في العملة الأجنبية عقب 4 سنوات من الاضطرابات السياسية.

الرابح الأكبر من هذا القرار هو البنك المركزي نفسه، الذي وضع سقفا للودائع المصرفية بالعملة الصعبة في فبراير عند عشرة آلاف دولار يوميا وبحد أقصى يبلغ 50 ألف دولار شهريا.

ومنذ ذلك الحين حقق البنك المركزي نجاحا كبيرا في الحد من نشاط السوق السوداء عن طريق حرمان من يشترون كميات كبيرة من الدولارات خارج القنوات الرسمية من وضعها في البنوك.

أما الخاسر فهو جيش من الشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة التي تعمل خارج مجالي الغذاء والطاقة، وهي شركات متعطشة للدولارات التي تحتاجها لاستيراد المواد الأولية والمعدات. وساهم ذلك في هبوط الإنتاج بقطاع تقول الحكومة نفسها إنه حيوي لتحقيق نمو اقتصادي طويل الأجل.

وقال مستورد الأخشاب عبدالخالق محمد إنه طالما عجز عن الحصول على دولارات من النظام المصرفي الرسمي. وأنه الآن لم يعد يستطيع أيضا شراء الدولارات من السوق السوداء كما اعتاد. وقال “لم أعد أستورد إلا نحو 50 في المئة من احتياجاتي”.

ويلحق نقص الدولارات أضرارا أيضا بكثير من أصحاب الأعمال في مدينة دمياط وهي مركز لصناعة الأثاث. وقد أغلقت بالفعل بعض متاجر الأثاث في المدينة.

أحمد شيحة: إجراءات البنك المركزي قوضت الثقة بين الشركات وبين غرفة التجارة

وتمخضت الخطوة التي اتخذت في فبراير عن استقرار الجنيه المصري بعدما شهد هبوطا حادا وأعلن محافظ البنك المركزي هشام رامز حينها أن السوق السوداء ستنتهي “قريبا”.

وسمح البنك المركزي للجنيه بالهبوط مجددا في يوليو لكنه لم يتمكن حتى الآن من سد الفجوة بين أسعار الصرف في السوق الرسمية والسوق الموازية.

وقد أثارت حملة العملة التي ترمي إلى تعزيز الاستثمار الأجنبي وتحفيز النمو ردود فعل متباينة من الخبراء الاقتصاديين نظرا لفداحة الثمن الذي دفعه البعض.

وقال أحمد كمالي الخبير الاقتصادي بالجامعة الأميركية في القاهرة “تحقق الاستقرار في سعر الصرف لكن في المقابل حدث نقص وظهرت معوقات.. بالطبع إذا استمر ذلك فإنه سيضر مصر”.

وتواجه بعض المبادرات الاقتصادية الحكومية صعوبات ويرى بعض الخبراء أن سياسة مكافحة السوق السوداء لن تستمر.

وقال هاني فرحات كبير الخبراء الاقتصاديين لدى سي.آي كابيتال “لن يدوم ذلك. ما زال البنك المركزي حتى الآن يولي مكافحة السوق السوداء أولوية. لكن هذا ألم مؤقت من أجل علاج مرض طويل الأمد”.

وقبل انتفاضة 2011 نما الاقتصاد المصري بنحو 7 المئة سنويا لعدة أعوام. وبلغ معدل النمو 3 بالمئة في الربع المنتهي في مارس الماضي مقارنة مع نمو قدره 2.5 في المئة في الفترة المماثلة من العام الماضي بحسب ما أظهرته بيانات رسمية. وتتوقع موازنة 2015-2016 نموا قدره 5 بالمئة.

ورغم اتساع الفارق بين سعر الصرف في السوقين الرسمية والموازية في الأسابيع الماضية يقول تجار العملة إن السيولة الدولارية خارج النظام المصرفي لا تزال منخفضة.

وأصبح جميع أصحاب الأعمال الذين يكابدون للاستيراد محاصرين بين النظام المصرفي الرسمي الذي يعطي الأولوية في بيع الدولارات لاستيراد السلع والمواد الاستراتيجية مثل الأغذية والطاقة والسوق السوداء التي تعاني من شح العملة الصعبة وهو ما يؤدي إلى تباطؤ النمو في البلاد. وانكمش الإنتاج الصناعي بنحو 30 في المئة في يونيو حزيران على أساس سنوي.

جيسون توفي: الأمور لا تمضي في الاتجاه المنشود بسبب القيود المفروضة على العملة

وقال جيسون توفي الخبير الاقتصادي لدى كابيتال إيكونومكس للأبحاث إن مصر “تملك جميع العناصر اللازمة لبناء نفسها كمركز صناعي لكن يبدو أن الأمور في الوقت الراهن وعلى الأمد القريب لا تمضي في الاتجاه المنشود في ظل القيود المفروضة على العملة”.

ويقول خبراء اقتصاديون إنه لا توجد تدفقات كافية من النقد الأجنبي إلى مصر. ومن المستبعد أن يتغير ذلك حيث أن قطاع السياحة لا يزال ضعيفا وتدفع مصر ما يصل إلى مليار دولار شهريا مقابل واردات الطاقة.

وقال ألين سانديب رئيس البحوث لدى نعيم للوساطة “لن تحل المشكلة حتى يتم سد النقص في الطاقة”.

وقال وزير البترول المصري إن بلاده سددت 600 مليون دولار من مستحقات شركات النفط الأجنبية في أغسطس لكنها لا تزال تدين للشركات بنحو 2.9 مليار دولار.

وقال أحمد شيحة رئيس شعبة المستوردين بغرفة القاهرة للتجارة “قوض ذلك المصداقية بيني وبين الشركات التي أتعامل معها… نحاول أن نجعلها تتفهم أن ذلك ليس بسببنا وإنما بسبب قرار فرض علينا إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية في البلاد”.

وقال سامي خنجي وهو ناشر كتب يعاني من شح الدولارات إن المخزون من الورق المستورد انخفض كثيرا إلى حد قد يتسبب في تأخر طباعة الكتب المدرسية.

واضطر الكثير من أصحاب الأعمال إلى فتح عدة حسابات بنكية واستخدام شركة كواجهة لإيداع المزيد من الدولارات.

ويعتمد آخرون على مكاتب صرافة لها أفرع في دول خليجية لتحويل النقد الأجنبي إلى مورديهم في الخارج. ويؤخر البعض دفع مستحقات الموردين وهو ما قد يؤدي إلى إلغاء العقود.

11