مصر على بعد خطوات من دخول النادي النووي

الثلاثاء 2015/02/24
القاهرة تعول على خبرائها للمساهمة في إتمام كافة مراحل المشروع ومراكمة تجربتها النووية

القاهرة - الجدل الدائر حول أحقيّة مصر في امتلاك محطات نووية تسمح لها بإنتاج الطاقة لأغراض سلمية، لم يتوقف منذ تمّ الإعلان عن هذا الطموح المصري أول مرّة في ستينات القرن الماضي وإلى غاية اليوم رغم تعطل تنفيذ المشروع. ففي حين تشكك أصوات عدّة في حسن نوايا القاهرة ملمّحة إلى وجود غايات عسكرية تكمن وراء هذا المشروع، تمضي مصر في سعيها إلى امتلاك مفاعلات نووية تسمح لها بإنهاء أزمتها الطاقية المتفاقمة، وهو ما بدا يتجسد بالفعل بعد إمضاء اتفاقية للغرض مع الجانب الروسي.

مع أن الشق السياسي والأمني، لا يزال يحتل أهمية كبرى في تحليلات بعض الدوائر الغربية، تجاه مستقبل العلاقة بين مصر وروسيا، غير أن الشق النووي أخذ مساحة مهمة في النقاشات الخفية، لدى بعض الدوائر الإقليمية والدولية، وأحدث توقيع الرئيسين المصري عبدالفتاح السيسي والروسي فلاديمير بوتين، على اتفاقية لإقامة محطتين نوويتين في منطقة “الضبعة” على ساحل البحر المتوسط، ردود أفعال متباينة.

وتضاعف الاهتمام وردود الفعل من قبل الدوائر المختلفة، بعد أن بدأت الاتفاقية تأخذ مسارات جدية سريعة، حيث عاد للقاهرة وفد هيئة الطاقة الذرية المصرية برئاسة عاطف عبدالحميد، رئيس الهيئة السبت 21 فبراير الجاري، قادما من موسكو بعد زيارة استغرقت أسبوعا التقى خلالها كبار المسؤولين لبحث الخطوات التنفيذية للشروع في بناء محطة الضبعة السلمية.

واعتبر متابعون هذه الخطوة نقلة نوعية، تتكامل مع التوجهات العامة للسياسة المصرية حاليا، والتي تسعى لتنويع مصادر احتياجاتها، وقد تنقل مصر إلى نادي الدول النووية، وتحقق لها طفرة اقتصادية هائلة، وتساهم في انفراج أزمة الطاقة الراهنة، بسبب نقص الوقود والمحروقات، لكن الخطوة قد تضع مصر في مواجهة دول كبرى، تعتقد أن المحطة يمكن أن تمثل خطرا نوويا جديدا يجب عدم السماح به، وترى في التعاون الروسي إشارة إلى تكوين حلف يستوجب التعاطي معه بحذر.

كما أكد مختصون لـ “العرب” أن البرنامج النووي السلمي يشكّل حلما مصريا، يمتد إلى عقد الستينات من القرن الماضي، وأن التعاون مع موسكو بدأ مبكرا، لمساعدة القاهرة على إقامة أول مفاعل نووي خاص بها، لكنه توقف بسبب الخلافات التي قامت بين الرئيس الراحل أنور السادات والاتحاد السوفييتي، وما تبع ذلك من أزمة بين البلدين، ثمّ البحث عن بديل للسوفييت لتنتهي قصة التعاون الروسي – المصري في مجال الطاقة دون جدوى حقيقية.

روسيا وقعت اتفاقا مع مصر لبناء محطتين نوويتين، والقاهرة تنتظر توليد الطاقة الكهربائية نوويا في غضون أربع سنوات

وخلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، تمّ اختيار منطقة “الضبعة” على الساحل الشمالي، كمكان ملائم للمشروع، قريب من موارد المياه المطلوبة لتبريد المحطات النووية، حيث الأرض مستقرة بعيدة عن حزام الزلازل، ما يضمن عدم حدوث تسريب نووي، وهو بعيد نسبيا عن التجمعات السّكانية.

لكن ملف الضبعة أصبح بسرعة من الملفات الشائكة، التي تشكل خطورة علي مصالح بعض الأفراد والجماعات، التي كانت تحركها أجندات خفية، حيث ارتفعت بعض الأصوات التي عارضت إقامة المشروع في “الضبعة”، بحجة أنه يؤثر على السياحة في المنطقة، ومارس أنصار هذا الاتجاه ضغوطا كبيرة على الرئيس الأسبق حسني مبارك، لتأجيله أو اختيار مكان آخر غير “الضبعة”، وبعد فترة من المناوشات دخل المشروع برمته حيز التجميد، وأوشك بعض رجال الأعمال أن يسيطروا على المنطقة المقررة للمشروع، وتحويلها إلى منتجعات سياحية.


أغراض سلمية


الرئيس عبدالفتاح السيسي، ضخّ دماء جديدة في شرايين المشروع، باعتباره أحد المنافذ الرئيسية لحل أزمة الطاقة المحتدمة، وإقامته سوف توفر فائضا للتصدير، إضافة إلى أنّ المحطة النووية لن تستهلك كثيرا من الوقود، ويمكن أن تنتج أضعاف ما تنتجه محطات التوليد الطاقة الكهربائية التقليدية، وقد تصل إلى 20 ألف ميغاوات للمحطة الواحدة.

لكن المشروع النّووي السّلمي، بدأ يثير الهواجس في بعض الأوساط السياسية، خشية تحويله إلى أغراض غير سلمية. وأخذت بعض الجهات تلمّح إلى امتعاضها من الخطوة المصرية، التي يمكن أن تخلّ بموازين القوى في منطقة الشّرق الأوسط.

إبراهيم العسيري، مستشار المحطات النووية ونائب رئيس مجلس العلماء المصري، قال لـ “العرب” إنّ “جهود القاهرة لامتلاك تكنولوجيا نووية للأغراض السلمية، ليس له علاقة بالصراعات الإقليمية الدائرة حاليا”، مشيرا إلى أنّ مصر لديها مشروع نووي قديم، تمّ إيقافه في ثمانينات القرن الماضي، بسبب انفجار مفاعل “تشيرنوبل”، وتجدد المشروع لكن الحركة كانت بطيئة وتعثر بفعل التعقيدات البيروقراطية.

الرئيس عبدالفتاح السيسي ضخ دماء جديدة في شرايين المشروع، باعتباره أحد المنافذ الرئيسية لحل أزمة الطاقة المتفاقمة

وأوضح العسيري أن تلميحات بعض الدوائر إلى أن المشروع النووي السلمي قد يتحول إلى عسكري، تعدّ محاولة للحيلولة دون حصول مصر على التكنولوجيا النووية، مشيرا إلى أن المشروع المصري سيبدأ بمحطتين نوويتين ثم يتزايد ليبلغ ثماني محطات لاحقا.

كما أنّ مشاركة مصر في عملية بناء المحطات النووية ستكون حاضرة منذ المحطة الأولى، بنسبة 20 بالمئة من المواد التي سيتمّ تصنيعها محليّا. وفي المحطة الثانية ستزيد نسبة المواد المصنّعة مصريا إلى 35 بالمئة، وسوف تتزايد النسبة تدريجيا حتى تصل قدرة مصر على بناء محطاتها النووية إلى نسبة مئة في المئة.

وقال العسيري إنّ “استخدام المحطات النووية سيشمل عدّة مجالات، مثل توليد الكهرباء، وتحلية مياه البحر”، مؤكدا أنّ مصر لديها نخبة من العلماء سوف تشارك في عملية بناء المحطات النووية.

كما أنّها اشترطت أن تتم عملية التشغيل بأياد مصرية، منوّها إلى أن عملية بناء المحطة النووية الأولى، سوف تبدأ في غضون أسابيع، بعد الانتهاء من الاتفاق النهائي الخاص بإنشاء المحطات النووية، وعلى رأسها عمليات التمويل إلى جانب الدور المصري في عملية البناء، مؤكدا أنّ الاتفاق يُلزم الجانب الروسي بنقل التكنولوجيا النووية التي ستستخدم تصنيع المحطات.

وأضاف أنّ مصر لديها العديد من سبل استخراج اليورانيوم من مناجم الفوسفات، كمصدر ثانوي، إلى جانب مناجم اليورانيوم في الجبال السوداء، بين منطقتي رشيد ورفح المطلتين على الساحل الشمالي، موضّحا أن امتلاك مصر لليورانيوم يخرجها من دائرة إمكانية منع الوقود النووي عن محطاتها، في حالة حدوث أي أمر سيئ.

عراقيل عدة عطلت المشروع من بينها معارضة بعض الأهالي لإتمامه
تجاذبات عطلت مشروع الضبعة النووي
في العام 1981 أصدر الرئيس الراحل، أنور السادات، قرارا جمهوريا بتخصيص منطقة في مدينة الضبعة، تمتد بطول 15 كيلو مترا على ساحل البحر المتوسط بعمق 3 كيلو مترات، لتكون موقعا لإقامة أول محطة للطاقة النووية، لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر، بعد دراسات أُجريت من قبل شركة فرنسية، أثبتت أنّ هذا الموقع يعدّ الأنسب لإنشاء المحطة، لاعتبارات خاصّة بالزلازل والأرصاد الجوية.

وبعد التعاقد مع إحدى الشركات الفرنسية في العام 1983 لتنفيذ المشروع، جاء انفجار مفاعل تشيرنوبل في الاتحاد السوفييتي عام 1986، ليخلف وراءه انطباعا سيئا عن المفاعلات النووية، ما أدى إلى تجميد المشروع المصري، وفي العام 2007 أعلن الرئيس الأسبق، حسني مبارك، استئناف البرنامج النووي، لكن جدلا واسعا أثير حول المشروع، وتردد أنه من الأفضل استغلال أرض المنطقة في مشروعات سياحية، تجنبا للآثار البيئية.

ومنذ ذلك الوقت، دارت نقاشات كثيرة تمحورت حول الأمان والضرورة، حيث تخوف عدد من الباحثين والخبراء من حدوث كوارث نووية، مقابل فريق آخر يؤمن بأن الطاقة النووية تعدّ البديل المتاح لتوليد الكهرباء. في العام 2009، تم التعاقد مع شركة أسترالية لمراجعة الدراسات الخاصة بالمشروع، وأقرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن موقع الضبعة مناسب، غير أن الحكومة لم تبدأ في أيّ خطوات تنفيذية حتى قامت ثورة يناير 2011.

واقتحم أهالي الضبعة موقع المشروع، بعد قيام الثورة بعام واحد، ودمروا بنيته الأساسية، اعتراضا على التعويضات التي حصلوا عليها مقابل ترحيلهم من المنطقة عام 1981، وفي أكتوبر 2012 أعلن الرئيس الأسبق محمد مرسي، أنه سيتم إقامة المحطة النووية، مع تعويض مناسب لأهالي المنطقة.

وخلال كلمته في احتفالات ذكرى حرب أكتوبر في العام 2013، أعلن الرئيس المؤقت عدلي منصور، عن تدشين مشروع إنشاء محطات نووية للاستخدامات السلمية للطاقة في الضبعة، وهو الخطاب الذي سبقه استلام الجيش للموقع، لإعادة تأهيله. وفي نوفمبر 2014، أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرارا جمهوريا بتخصيص 2300 فدان لصالح وزارة الدفاع لاستغلالها في إقامة تجمع عمراني سكني لأهالي منطقة الضبعة، تعويضا عن الأراضي التي تم تخصيصها للمشروع.

وقد أبدت ستّ دول اهتمامها بتنفيذ المشروع، غير أنّ مذكرة التفاهم التي تمّ توقيعها مع روسيا، تضمّنت إسناد المشروع لشركة روسية.

احتياجات اقتصادية

بعض المصادر العلمية، كشفت لـ “العرب” أن الدافع الكامن وراء اختيار روسيا لإنشاء المحطات النووية المصرية، لا يتعلّق بعمق العلاقات السياسية بين البلدين فحسب، بل لأنّ موسكو أيضا متفوقة في مجال الطاقة النووية، ولأنّ المحطات النووية التي سيتم بناؤها في مصر تنتمي إلى الجيل الأكثر تقدّما، كما أنّ روسيا قدّمت تسهيلات في مجال التمويل.

حسين الشافعي، مستشار وكالة الفضاء الروسية، قال لـ “العرب” إنّ “لجوء مصر لاستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية، يرجع إلى احتياجاتها الصناعية والزراعية والتجارية”، مشددا على أنّ الصراعات الإقليمية بمنطقة الشرق الأوسط، خارج حسابات القاهرة في سياق مساعيها لامتلاك التكنولوجيا النووية لتوليد الكهرباء.

وأوضح أنّ مصر تعاني من نقص شديد في الطاقة الكهربائية، الأمر الذي من المنتظر أن يتزايد مع افتتاح قناة السويس الجديدة، لاسيما أنّ المشروعات التي سوف تتم حول مجرى القناة تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء، لافتا إلى أنّ مصر دولة فقيرة، في ما يتعلق بمصادر الطاقة، واستخدام الموارد المتجددة، مثل الشمس والرياح لم يدخل مجال الاستخدام الواسع على مستوى العالم، لارتفاع أسعار توليد الطاقة باستخدام هذه الموارد، ومازالت هناك سنوات طويلة لتعميمه، ومصر لا يمكنها الانتظار.

وشرح الشافعي خطّة التعاون بين القاهرة وموسكو، قائلا “إنّ روسيا قدمت عرضا جيدا لمصر لبناء محطتين لاستخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء، هما ‘الضبعة 1”، و’الضبعة 2”، وتبلغ قدرات هاتين المحطتين، وفق العرض الروسي، حوالي 4 آلاف و800 ميغاوات”، مشيرا إلى أنّ العرض يتضمّن إقامة المحطتين خلال 4 أعوام، وقدّمت موسكو تسهيلات للجانب المصري، بخصوص سداد ثمن بناء المحطتين، بما لا يحمل الخزانة العامّة المصريّة أعباء إضافية.

وقال إنّ “روسيا سوف تحصل على تكلفة بناء المحطتين، عقب دخولهما الخدمة، من قيمة الرسوم المالية التي يتمّ تسديدها مقابل إنتاج الكهرباء”، منوها إلى أنّ العرض أكد التزام موسكو بمدّ القاهرة بالكميات المطلوبة من اليورانيوم المخصّب، لاستخدامه في تشغيل المحطات النووية، كذلك التعامل مع النفايات الذريّة التي سوف تنتج عن استخدام الوقود النووي، كما أنها التزمت بنقل تكنولوجيا بناء المفاعلات خلال عملية البناء.

مرسي الطحاوي، أستاذ الفيزياء النووية بهيئة الرقابة النووية، قال في تصريح لـ “العرب” “الثابت أنّ مصر لا تسعى لامتلاك الطاقة النووية لاستخدامها للأغراض العسكرية”، مستدلاّ على ذلك بعاملين إثنين؛ الأول أنّ مصر وقّعت على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، والثاني أنها وقعت على برتوكول الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

المشروع النووي السلمي يثير هواجس بعض الأوساط السياسية التي تخشى أن يخل بموازين القوى في الشرق الأوسط

وأوضح أنّه لا يحق لإسرائيل أو أيّ دولة تمتلك الأسلحة النووية، الاعتراض على امتلاك مصر للتكنولوجيا النووية للأغراض السلمية أو حتّى العسكرية، مشيرا إلى أنّ القاهرة التي تسعى إلى جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، لا يمكن أن تسعى لامتلاك تكنولوجيا نووية عسكرية، لافتا إلى أنّ مخاوف البعض من امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، يرجع إلى أنّ مصر لديها مدرسة خاصة بها في مجال الهندسة النّووية، وهو ما يعني أنّ المحطات التي تسعى لامتلاكها لن تكون بمثابة “تسليم مفتاح”، بل ستكون لمصر بصمتها النووية، بحجم امتلاكها لجيل متميز من العلماء في هذا المجال.

ولدى مصر اليوم أربع هيئات عاملة في مجال الطاقة النووية هي؛ هيئة الطاقة الذرية، هيئة الرقابة النووية والإشعاع، هيئة المحطات النووية وهيئة النظائر النووية والمواد المشعة.

ويُنظر للعلماء المصريين العاملين في هذه الهيئات الأربع أثناء مشاركتهم في المؤتمرات الدولية، على أنهم علماء من الصفّ الأول في هذا المجال، كما أنّ مصر لديها جيل من العلماء في الخارج، لديه استعداد للعودة والمشاركة في المشروع النووي الوطني، إذا شعر بالجدية المطلوبة.

وأكد الطحاوي أنّ مصر سوف تستخدم المحطات النووية الجديدة في مجال إنتاج النظائر المشعة في المجالات الطبية، والبحث عن البترول والغاز الطبيعي، فضلا عن تحلية مياه البحر، التي يمكن أن تساعد على استصلاح ملايين الأفدنة الزراعية في صحراء مصر الشاسعة، موضحا أنّ مشروع مصر النووي تأخّر كثيرا، بسبب عدم توافر الإرادة السياسية، لكن قدرات العلماء سوف تمكنها من اللحاق بركب الدول النووية، والمشروع برمته سوف يصنفها على أنّها دولة نووية في المجالات السلمية.

6