مصر على طريق البراغماتية.. من غزة وسوريا إلى ليبيا

الخميس 2017/10/19

لم يكن مفاجئا الصعود اللافت لدور مصر السياسي والأمني الذي تمثل مؤخرا في إتمام المصالحة الفلسطينية بعد قطيعة دفع الشعب الفلسطيني ثمنها غاليا، وكذلك اتفاق وقف إطلاق النار بين فصائل سورية متشددة والجيش السوري، لكن كان مفاجئا بالطبع لأطراف كثيرة أن النظام المصري هو الذي أشرف على إنجاح تلك الاتفاقات رغم أنه في خصومة وعداء شديدين مع تيار الإسلام السياسي بكل حركاته -المعتدل والمتطرف- منذ الإطاحة بأمّ الجماعات المتشددة وهي الإخوان المسلمون من سدة الحكم في مصر.

ذلك الإنجاز الذي حققته مصر قد يدفع المنطقة العربية -حال استمراره- لهدوء لم تعرفه منذ سنوات طوال، فضلا عن أن هذه الترتيبات لم تستطع أن تنجزها دول إقليمية أخرى لها علاقات أفضل وأكثر تطبيعا مع الإسلاميين من القاهرة.

في اتفاق المصالحة الفلسطينية يبرز طرفٌ رئيسٌ، وهو حركة حماس، كان قد دخل في عداء مباشر وغير مسبوق مع مصر التي ينظر إليها باعتبارها الحاضنة التاريخية لقطاع غزة والقضية الفلسطينية بشكل عام.

لم تتردد حماس في تبادل الاتهامات المباشرة مع مصر، ووصل التصعيد إلى حد “الحرب الباردة” في سيناء والعمق الغزاوي، منذ إزاحة محمد مرسي والإخوان من حكم مصر.

وفِي سوريا طرفٌ رئيسٌ آخر يمثل قطاعا لا بأس به من ذلك التيار المتشدد الذي يناصب القاهرة العداء بسبب إزاحة أحد حلفائه من الحكم أيضا في الـ30 من يونيو 2013، فضلا عن أن النظام المصري -حسب وجهة نظر ذلك التيار- أحد حلفاء روسيا التي وقفت حائلا دون إزاحة نظام الرئيس السوري بشار الأسد. لذا كان السؤال الأبرز: كيف تمكنت الإدارة المصرية، كراع ووسيط، من النجاح في إبرام الاتفاقيتين؟

نجحت الوساطة، لكن من المبكّر القول إن الاتفاقيتين قد تكللتا بالنجاح، إذ مازال شبح الفشل باديا جراء تدخل كل من له مصلحة في إشعال المنطقة وتعطيل عودة مصر لممارسة دورها المحوري كضابط استراتيجي لإيقاع الأمن الإقليمي.

القاهرة عبّرت أزمة الثقة التي كانت تكبّلها، وكانت تخشى عبورها طوال ثلاث سنوات تحديدا، وبالعموم منذ ثورة الـ25 من يناير 2011 التي أسهمت الأحداث التالية لها في تراجع دور مصر الإقليمي بشكل كبير

الآن يمكن طرح السؤال بصيغة ثانية: كيف نجح النظام المصري المعادي لتيار الإسلام السياسي في أن يبرم اتفاقين كبيرين مع جماعات دينية كبيرة صارت عنوانا للأزمة والحل معا؟

ربما تكمن الإجابة في أن القاهرة عبّرت أزمة الثقة التي كانت تكبّلها، وكانت تخشى عبورها طوال ثلاث سنوات تحديدا، وبالعموم منذ ثورة الـ25 من يناير 2011 التي أسهمت الأحداث التالية لها في تراجع دور مصر الإقليمي بشكل كبير.

أما كيف أبرمت مصر هذين الاتفاقين مع ألدّ أعدائها من الإسلاميين فإن الشواهد تقول إن القاهرة باتت اليوم أكثر براغماتية من أيّ وقت مضي، خصوصا منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي الحكم، وهو الذي كان يرفض بشكل قاطع التعامل مع أيّ فصيل من فصائل هذا “التيار القاتل” الذي كادت “الدولة المصرية” تدفع ثمن عدائه لها جراء إزاحته بمحاولته دفع البلاد إلي أتون الفوضى والانهيار كما فعل في بلدان عربية أخرى، بل كان هدف القاهرة الرئيس هو مطاردة هذا التيار في المنطقة العربية كلها وليس في مصر فقط، لذا فإن التحول الكبير الذي فعلته القاهرة في التعامل مباشرة مع فصائل من هذا التيار ودفعها للقبول بمصر كوسيط يمكن الوثوق به وقبول القاهرة في المقابل بأداء هذا الدور والجلوس مع هؤلاء على طاولة المفاوضات وإنجاح الاتفاقين هو الدور الأبرز والذي يشجع بلا شك على إبرام اتفاقيات أخرى في المستقبل القريب في ملفات أخرى في بلاد لديها نفس المشكلات التي تعاني منها رام الله ودمشق مثل ليبيا والعراق.

قواعد “اللعبة البراغماتية” التي اتبعها النظام المصري في اتفاقي المصالحة الفلسطيني والسوري مع أعدائه من تيار الإسلام السياسي تقول إن الأزمة الليبية باتت في طريقها للحل أيضا، لا سيما أن الطرف الرئيس في الأزمة هو جماعة الإخوان وأخواتها. وبحسب مصدر أمني رفيع فإن القاهرة قد توظف حماس في تعبيد الطريق أمام مصالحها في الملف الليبي والتدخل لدى “أشقاء حماس” الليبيين باتجاه إبرام اتفاق مع الجيش الليبي.

إن صح هذا التحليل وصحّ “التوظيف” ودخول القاهرة على الخط الليبي بحل ناجع ونهائي يقضي على الأزمة لأول مرة منذ رحيل الزعيم الليبي معمر القذافي فإن مصر تكون قد ضربت عدة عصافير بحجر واحد. الأول هو عودة مصر لأداء دورها المحوري الذي ابتعدت عنه في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وقضت عليه بالكلية أحداث السنوات التالية له.

والثاني هو رأب الصدع الفلسطيني كقضية تاريخية تهم العالمين العربي والإسلامي. أما الثالث فهو المشاركة في إبرام حل هو الأكبر من نوعه في القضية السورية التي أقضّت مضجع الضمير العربي والإسلامي والعالمي، بعدما خلّفت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وذلك تمهيدا للدخول في حل الأزمة الليبية بشكل نهائي.

ما لم ينتبه إليه كثيرون هو أن تحول مصر إلى لاعب رئيس في هذه الأزمات المعقدة يقلص تدريجيا من الدور القطري الذي كان سببا في تأجيج كل هذه الفتن التي دفعت ثمنها شعوب المنطقة من أمنها القومي العربي.

وتبقى المعادلة غير القابلة للجدل أن استعادة الدور المصري في المنطقة كفيل بأن يدفع أصحاب الأدوار المشبوهة وأنصاف الدول إلى لملمة أوراقهم استعدادا للانسحاب في هدوء.

كاتب مصري

7