مصر: عن الدور العروبي الجديد

الجمعة 2014/03/28

زيارةٌ نوعية قام بها وزير الخارجية المصري نبيل فهمي إلى بيروت عشية القمة العربية في الكويت. تكمنُ أهمية الزيارة في تفاصيل تجواله على قيادات البلد، وفي مضمون ما أراد استكشافه في العاصمة اللبنانية، وفي إعلانه اللافت بأن زيارته ترسلُ رسالة للعالم العربي مفادها عودة مصر للعب دورها “العربي والعروبي”. لم يكن الرجل مضطراً لإضفاء هذا البعد الطموح على الزيارة، ولم يكن التصريح زلّة لسان طارئة، بل تعمّد رئيس دبلوماسية القاهرة التلويح بمرحلة جديدة في سياسة مصر الخارجية.

على مدى العقود الأخيرة عُلّقت كوارث المنطقة على مشجب غياب مصر عن الفعل العربي وقيادته. أَخرجت اتفاقات كامب دايفيد مصر من السياق العربي العام. أُبعدت القاهرة من خلال قرارات النظام العربي بعزل مصر ونقل الجامعة العربية إلى تونس، وأَبعدت مصر نفسها من خلال فلسفة “ساداتية” أرادت التغريد خارج السرب التقليدي (كما كان معتمداً أيام الحقبة الناصرية خصوصاً) والسير بسياق محلي ينحشرُ داخل حدود مصر في السياسة والأمن والتنمية والاقتصاد.

كسرَ حسني مبارك عزلة مصر العربية وأعاد الجامعة العربية إلى القاهرة وفرض من جديد ثابتة أن يكون أمينها العام مصرياً. لكن مصر بقيت مستقيلة من دورها العربي، على الأقل بالطبعة التي كانت عليها أيام الحكم الناصري.

منذ أنور السادات كفرَ الحكم المصري بالعروبة وبالعالمثالثية وباليسار الكوني. ابتعدت القاهرة عن موسكو، اقتربت من واشنطن وجعلتها قبلتها في السياسة الدولية. أسقطت مصر تراثها الاشتراكي ودخلت من خلال “الانفتاح” ميدان الرأسمالية المتوحشة، وبنت سياستها الخارجية على تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة يبررُ ويرفدُ خيارات واشنطن الشرق أوسطية.

بقيت المعونةُ الأميركية محدداً للمزاج السياسي المصري. حتى أن المحيط العربي اعتاد على تراجع النفوذ المصري وغيابه، كما اعتاد على طبيعية ارتهان المصريين لمعونة الأميركيين، وقَبِلَ بالأمر الواقع وتداعياته على المشهد العربي العام.

شكّل حراك “25 فبراير”وبعده “30 يونيو” انقلاباً في مقاربة مصر والمصريين للمجتمعين الإقليمي والدولي. بدت الثورةُ رفضاً للنظام الحاكم، ليس في خياراته الداخلية فقط، بل في توجهاته الخارجية أيضاً. وساهم ارتباك الولايات المتحدة في التعاطي مع الحراكين (لاسيما موقفها السلبي من إزاحة محمد مرسي) في تعميق الهوّة بين القاهرة وواشنطن، وبالتالي في إسقاط حُرمة “المعونة” من الوعي المصري العام.

أخطأت إدارةُ باراك أوباما في استخدام المعونة كواحدة من أدوات الضغط على القاهرة. تحوّل بذلك الثابت إلى متحوّل. تحررَ النظام السياسي المصري من التزاماته “الإذعانية” إزاء واشنطن، ودفع أولي الأمر في البلاد إلى طرق باب موسكو مجدداً بعد أن أوصدته الساداتية (بشكل مذلٍ لروسيا) قبل عقود. يعيد التاريخ نفسه حين اضطرت الناصرية إلى اللجوء للاتحاد السوفياتي لبناء السد العالي بعد إعراض واشنطن عن السماح للبنك الدولي بتمويل المشروع الطموح.

تنقلبُ فلسفة الأمن الاستراتيجي في مصر من “جوانيتها” المحدودة الى “برانية” عابرة لأكثر من حدود. وقد لا يأتي هذا التطوّر نتيجة نضجٍ ترفي في عقلية الحكم، بقدر ما هوحاجة ملحّة لمعالجة التحديات الداخلية. تكتشفُ القاهرة أن مقارباتها للتصدي لجماعة الإخوان والإرهاب الذي يضرب متنها، لن تجدَ النجاعة المتوخاة دون تحصين نفوذ مصر في الدوائر الخارجية. فإذا كانت تناقضات القاهرة، المتعددة الأعماق، مع أنقرة والدوحة وواشنطن واضحة آنية راهنة، فإن البلاد تحتاجُ في المديين المتوسط والبعيد إلى سياسة خارجية نشطة تعالجُ بؤرَ التوتر السياسي والأمني المحيطة في المنطقة.

لا تفصحُ الدبلوماسية المصرية عن شكل الدور العربي الذي يبشّر به وزير الخارجية نبيل فهمي. فما هو معلن لا يخرجُ في الشكل عن إنشائية رمادية تروم الحوار وتنشد الانفتاح، في وقتٍ تحتاج الملفات الإقليمية إلى موقفٍ واضحٍ لا يتحملُ لبساً واجتهادا. ولا ريب أن الانشغالات المصرية الداخلية ما زالت تحرمُ مصر من هوامش القوة والوضوح، لكن تلك الانشغالات نفسها هي من ستفرض على الدبلوماسية المصرية لزومية القرار.

تتماهى القاهرة مع معظم دول الخليج في جلّ الملفات. جاهرت السعودية والإمارات والكويت والبحرين في دعم تحوّلات “30 يونيو”، وساهمت قرارات الرياض الأخيرة (وضع الإخوان على لائحة الإرهاب) في سوق المياه إلى الطاحونة المصرية، لاسيما لجهة تحويل مكافحة الجماعة إلى همّ جماعي إقليمي يتجاوز المحلية المصرية. في ذلك التماهي ذهبت أصوات خليجية (آخرها ضاحي خلفان نائب قائد شرطة دبي) إلى الدعوة إلى مجلس تعاون استراتيجي يضمُ مصر والسعودية والإمارات والبحرين والأردن.

من تلك الإرهاصات تعيدُ القاهرة إطلاق عبارة “العروبة” على مسعاها الإقليمي العتيد. في ذلك من اعتبر أن مصر تستعين من جديد بالسلاح القومي ضد السلاح الديني. لا يعترفُ نبيل فهمي بذلك، ويتحدثُ عن عروبة الهوية التي “أيقظتها” الثورة في وعي المصريين. في تلك الاستفاقة حاجة مصرية للبيئة العربية الحاضنة. وللرجل طموحات لافتة: “دوري قيادة منطقة متعددة المصالح”.

إذا ما كان وزير الخارجية المصري يعبّر عن استراتيجية حقيقية ستعتمدها بلاده، فإن مصر تطمحُ لدور “قيادي” وليس لدينامية جديدة نسبية الطموحات. فهل تملكُ مصر إمكانات تلك القيادة في غياب الأيديولوجيا وكاريزما “القائد المعلم”؟

تناقضت العروبةُ الناصرية مع العروبة البعثية في سوريا والعراق، واصطدمت مع كافة الملكيّات، وتناكفت مع الليبرالية البورقيبية. زال البعث وبهتت الليبرالية وتتوافق مصر الحاضر مع كل ملكيّات المنطقة. لكن واقع العرب راهناً هو خارج أي تصنيف، بسبب حالة الفوضى العامة التي تعقّد عملية بناء دور إقليمي مصري واضح ينظم العلاقة مع العبث (سوريا، العراق، ليبيا، اليمن، لبنان.. إلخ).

وإذا ما كان الوعيّ العربي يتطلعُ إلى دورٍ مصري قيادي، فإن القاهرة لم تفصحْ عن موقفٍ جليّ من قضايا ساخنة، كالقضية السورية، كما لم تكشف عن موقف شفاف من ملفات حساسة، كالعلاقة مع إيران. ألا يحتاج الاستقرار المصري إلى تحرك نشط فاعل لوقف المأساة في سوريا؟ ألا يحتاج الأمن الاستراتيجي المصري إلى ذلك؟ ثم كيف الارتقاء بالموقف المصري لكي لا يسقط أي دور في الشأن السوري، مثلاً، في كيديّة مرتبطة بصراع النظام مع الإخوان (وأشباههم في الخارج). ثم هل صحيح أن مزاج القاهرة مائلٌ نحو تطبيع كليّ مع إيران لا يمنعه إلا الحرج المرتبط بعلاقات مصر الخليجية المتقدمة؟

الأسئلة كثيرة لا تنتهي حول شكل ذلك الدور القيادي العروبي لمصر، وحول قبول النظام العربي بالقائد العتيد. والأسئلة وفيرة حول إطلالة مصر العربية على أفريقيا، بما في ذلك ما يتعلق بأمنها المائي منذ سدّ النهضة الإثيوبي. والأسئلة متعددة حول قدرة مصر على انتهاج استراتيجية إقليمية واعدة في غياب الوفرة المالية التي تجعل من قطر، مثلا، رائدة في توسيع نفوذها في ملفات وقضايا لا تنتهي؟

ما زالت القاهرة تتلمسُ دورها الإقليمي. كان نبيل فهمي قد ناقش ذلك مع مجموعة عمل أعدت تقريرا حول استعادة الدور العربي والإقليمي لمصر. وفي الخطاب المصري مؤخراً اكتشاف أن أمن الخليج تارة، وأمن سوريا تارة ثانية، وأمن غزة تارة ثالثة… إلخ مرتبط بأمن مصر الاستراتيجي. وفي الخطاب المصري أيضا ما يحذّر (أحياناً بشكل شعبوي) من مسعى دوليّ لمنع مصر من لعب هذا الدور العربي الموعود، خصوصاً بعد تدخل الجيش كفاعل رئيسي يرعى “خارطة الطريق”.

وفيما يتحدث نبيل فهمي عن أن بلاده تسعى بالعمل لا بالكلام إلى إرساء نموذج مصري يُحتذى يحدد دور بلاده القيادي، فإن ما على المراقب إلا أن ينتظر بصبر العلامات الأولى لهذا الفعل، البعيد عن الكلام، لعودة مصر إلى قيادة الفعل العربي في منطقة تحاصرها أجندات إيران وتركيا وإسرائيل الفاعلة. المهمة صعبة لكنها أضحت ملحّة عاجلة.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

9