مصر في خطر إلى أن تستقر سيناء وانتقام الإخوان يطال قناة السويس

الخميس 2013/09/26
قناة السويس توفر نحو 5 مليارات دولار سنويا

القاهرة- بينما تتركّز الأنظار على ما يجري في سوريا، تشهد مصر، بدورها أحداثا مفصلية، بدأت منذ صعود جماعة الإخوان إلى السلطة، وتصاعدت بعد عزلهم. وفى إطار اهتمامه بمجريات الأمور في مصر، قدّم معهد الشرق الأوسط للدراسات بواشنطن، دراسة تحليلية عن ملف قناة السويس، الذي لم يحض، رغم أهميته الاستراتيجية، بالانتباه الدولي الكافي.

ارتكزت الدراسة، التي أعدها ديفيد شينكر، مدير برنامج السياسة العربية في المعهد، في تحليلها على سرد مجموعة من الحوادث التي شهدتها مصر، في الفترة الماضية، والتي تستهدف رجال الأمن؛ من ذلك خبر إصابة تسعة من رجال الشرطة المصرية في انفجار قنبلة في شمال شبه جزيرة سيناء في 16 سبتمبر-أيلول. وفي الأسبوع الذي سبق هذا التاريخ قتل انتحاريون تسعة جنود في شبه الجزيرة. وقد أصبحت عمليات إطلاق النار والخطف والتفجيرات – على جانب الطريق وبالسيارات وعن طريق العمليات الانتحارية – أمورا متكررة الحدوث في سيناء. وفي أوائل أيلول-سبتمبر، نجا وزير الداخلية المصري بأعجوبة من هجوم بسيارة مفخخة في القاهرة، وأفادت الأنباء أن الهجوم ارتُكب من قبل جماعة جهادية مقرها في سيناء.

ويلمح الباحث الأميركي في دراسته إلى أن التمرد الإسلامي الناشئ آخذ في الانتشار إلى أجزاء أخرى من مصر. ويحذّر من الأمور التي يمكن أن تزداد سوءا، ففي 31 آب-أغسطس، أطلق إثنان من المسلحين قذائف صاروخية على سفينة شحن صينية كانت تعبر قناة السويس. وقد أعلنت «كتائب الفرقان» التي تدور في فلك تنظيم «القاعدة» ومقرها في سيناء عن مسؤوليتها عن ارتكاب الحادث ونشرت مقطع فيديو يوتيوب عن الهجوم. وعلى الرغم من عدم تعرض السفينة لتلف كبير، إلا أن الجماعة تعهدت بمواصلة الهجوم على عمليات الشحن عبر القناة.

ولو استمر المقاتلون في ذلك، فسوف ينجحون عاجلا أو آجلا دون أي شك في إلحاق الضرر بسفينة معينة أو تعطيلها أو إغراقها في مجرى القناة، وهو تطور قد تكون له تداعيات كارثية لمصر والتجارة الدولية، حسب قراءة ديفيد شينكر للوضع في مصر.

وضع متدهور

ترى الدراسة أن الإطاحة بالرئيس حسني مبارك عام 2011 كانت له نتائج وخيمة على الاقتصاد المصري. فقد أدت الاحتجاجات المستمرة والعنف المتفرق في جميع أنحاء مصر إلى تخويف المستثمرين وتجفيف الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي كان ذات يوم من الركائز الاقتصادية للدولة. والأمر لم يقتصر على تراجع الاستثمارات – التي وصلت إلى 32 في المئة في الربع الثالث مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، وفقا لبنك مصر المركزي – بل تعداه ليشمل هروب رؤوس الأموال الأجنبية. وعلى مدى الأشهر الستة الماضية خرجت من البلاد استثمارات تزيد قيمتها عن 3 مليارات دولار.

كما أن السياحة، التي كانت تمثل دائما ما يقرب من 10 في المئة من النشاط الاقتصادي في مصر، قد انهارت. إذ تدنت مستويات الأشغال في مدينة شرم الشيخ، واحة السياحة في جنوب سيناء، إلى 36 في المئة. وفي غضون ذلك، أُغلقت ثلث الفنادق مما يقرب من 250 فندقا في الجهة المقابلة للقناة في محافظة البحر الأحمر. وفي ظل غياب فيالق الصحفيين، فستكون القاهرة هي الأخرى خالية من الأجانب الذين ينفقون الأموال.

وحتى قبل اندلاع العنف الذي استشرى في شهر آب-أغسطس، درّج «البنك الدولي» مصر في المرتبة 140 – وهي الأخيرة في العالم، بعد باكستان واليمن – من حيث سلامة السياح. إن الوضع آخذ في التدهور بشكل أكبر. فوفقا لوزارة السياحة، تراجعت أعداد الزوار بنسبة كبيرة جدا بلغت 85 في المئة خلال الشهر الماضي.

وفي ظل هذا الوضع الاقتصادي المتردّي أصبحت إيرادات قناة السويس – الركيزة الثالثة للاقتصاد – التي تبلغ نحو 5 مليارات دولار في السنة، معرضة للخطر. ففي عام 2012، عبرت القناة ما يزيد عن 17,000 سفينة. ومؤخرا، تراجع عدد السفن التي تستخدم هذا المجرى المائي، وفي العام الماضي انخفضت الإيرادات بنسبة 5 في المئة. وقد شهد النصف الأول من هذا العام انخفاضا بنسبة 6.6 في المئة في حركة المرور، الأمر الذي دفع السلطات المصرية إلى رفع الرسوم.

وتأمل القاهرة أن يساعد انتعاش الاقتصاد العالمي على زيادة الحركة عبر القناة في العام المقبل. بيد، إن الحادث الذي وقع في 31 آب-أغسطس قد يعيق تلك الطموحات، وفق ما جاء في الدراسة. فقد أفادت الأنباء أن المخاوف الأمنية جعلت بعض شركات الشحن الدولية تفكر في طرق بديلة، من بينها مسارات قطبية مبتكرة برفقة كاسرات جليد روسية.


استهداف قناة السويس


أوضح الكاتب أن الجيش المصري يعمل، بالتنسيق مع الإسرائيليين، على الدفع بأعداد ضخمة من الأفراد والمعدات إلى سيناء – بما في ذلك مروحيات هجومية – في محاولة لاحتواء التمرد. ومع ذلك لم يتضح بعد ما إذا كانت تلك القوات المعززة ستكون قادرة على تهدئة المنطقة أو الحد من تهديد حركة الملاحة في قناة السويس. ويقوم الجيش بحملات اعتقال وقتل للإرهابيين المشتبه بهم على مدى الشهرين الماضيين، إلا أن الهجمات على قوات الأمن لم تتراجع. وفي الواقع، يبدو أن أعداد المسلحين آخذة في التزايد بسبب وجود مقاتلين أجانب والغضب في صفوف البدو وازدياد تطرف أعضاء من جماعة الإخوان جراء الانقلاب. من الأمور الباعثة على الإحباط هو القدرة على الدفاع عن قناة طولها 120 ميلا، ومعظمها عرضة للهجمات. وتقول «كتائب الفرقان» إنها ملتزمة باستهداف الطريق الذي تمر من خلاله «حاملات الطائرات الصليبية والسفن التي تمثل شريان تجارة الكفار». وبالنسبة إلى دولة يتقاضى فيها ما يقرب من نصف عدد السكان أقل من دولارين لليوم الواحد، ومعدل البطالة الرسمي بها يقترب من 15 في المئة وعجز قاس في الميزانية لعام 2012-2013 يبلغ 35 مليار مليار دولار مقابل 84 مليار دولار في النفقات، ستكون الخسارة للقناة مدمرة. ومن شأن ذلك أن يقوض ليس فقط الثقة في قدرة الجيش على استعادة الاستقرار، بل سيعمل على تشجيع المسلحين. ويخلص الباحث إلى أن استهداف القناة يبرز الضعف المستمر للدولة المصرية، مشيرا إلى أن المشاكل الأمنية في مصر تمتد الآن إلى ما وراء شبه جزيرة سيناء إلى درجة أن الوضع أصبح الآن يشبه حركة التمرد الإسلامية المحدودة التي استمرت خلال تسعينات القرن الماضي.

وفي ظل القدرات التقنية المعززة للمقاتلين الأجانب، فإن هذه الجولة ستكون أكثر صعوبة بحيث أن القاهرة قد لا تستطيع احتواءها. وإلى أن يُعاد إرساء الأمن في كل من سيناء ووادي النيل فإن انتعاش الاقتصاد والاستقرار السياسي في مصر – جنبا إلى جنب مع الملاحة في قناة السويس – ستظل كلها معرضة للخطر.

7