مصر في عهد ترامب

الاثنين 2016/11/14

الفرحة التي استقبل بها قطاع كبير من السياسيين والإعلاميين في مصر، فوز المرشح الأميركي دونالد ترامب، أثارت انتباه دوائر كثيرة، فقد جرى تصوير العلاقة بين القاهرة وواشنطن، على أنها بداية حقبة جديدة من الدفء، ونهاية لمرحلة شهدت فيها العلاقات بين البلدين مطبات، كادت تصل إلى صدام مباشر.

أسّس هؤلاء التفاؤل المنتظر، ليس فقط انطلاقا من الصعوبات والعثرات، التي ظهرت تجلياتها في الكثير من توجهات الإدارة الأميركية تحت قيادة باراك أوباما، لكن من ملامح الغزل والتفاهم السياسي، اللذين تكشفت بوادرهما في اللقاء الذي عُقد بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والمرشح الجمهوري (آنذاك) دونالد ترامب، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر الماضي.

اللقاء، وتوابعه من تعليقات صدرت من الجانبين، حملت تلميحات وإشارات ذهبت إلى حد القطع بالتفاهم بينهما، حول عدد من القضايا الإقليمية المهمة، وفي مقدمتها ملف مكافحة الإرهاب، الذي يحتل أولوية لدى الرئيس المصري، ويعتبره أحد مفاتيح فك الكثير من تعقيدات وشفرات بعض الأزمات في المنطقة، وطالب دوما، بضرورة أن تكون عملية مكافحته شاملة، لا تستثني طرفا بعينه من المتشددين، والمحسوبين عليهم، وهو ما يتوافق مع رؤية ترامب، التي أعلنها في خطاباته الانتخابية.

الرهان المصري، على الرئيس المنتخب، خرج من رحم وجود انسجام أو غرام ضمني بشأن آليات التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، التي تلقت دعما كبيرا من الإدارة الديمقراطية، وكانت المرشحة هيلاري كلينتون، أحد المؤيدين للاعتماد على الجماعة، والضغط على القاهرة للقبول بها كطرف أصيل في المعادلة السياسية، وبسقوط وزيرة الخارجية السابقة في الانتخابات، وأحد أهم مهندسي العلاقات الأميركية مع الإخوان، سقطت إحدى الأوراق الداعمة لهم، الأمر الذي يصب في صالح النظام المصري، الذي حصر بعض القريبين منه أزماته في هذه العقدة.

التفاهم الذي بدا في تصريحات ترامب خلال اللقاء الوحيد الذي جمعه بالرئيس المصري، يراه البعض مؤشرا على المزيد من التقارب السياسي، في عدد من القضايا الإقليمية، التي يمكن أن تلعب فيها القاهرة دورا فاعلا، ومرجح أن تظهر العلامات، عقب أن يتسلم ترامب رسميا السلطة في 20 يناير المقبل.

لكن هناك من يرى أن ثمة نوعا من الإفراط المصري في الثقة، فترامب لديه حسابات وتقديرات إستراتيجية، في التعامل مع القضايا الإقليمية، ليست بالضرورة أن تكون قريبة من رؤية القاهرة، لأنها محكومة بجملة من العوامل، التي قد تصطدم بواقع مرير، تفرض طقوسه نواميسها على كل طرف، خاصة أن غالبية الأزمات متشابكة، وتتحكم فيها قوى متناقضة.

العناوين الرئيسية لمكافحة الإرهاب في المنطقة قد تكون قريبة من قراءة السيسي وترامب، غير أن التفاصيل ربما تشهد تباعدا، في آليات التعامل مع روافدها المتشعبة، وهنا يمكن أن تظهر بعض الفجوات، كما أن بلدا مثل الولايات المتحدة، لا تتغير رؤاه الأساسية في القضايا، باختلاف الرئيس، فهناك مؤسسات وجهات ودوائر مختلفة، تشارك في صناعة القرار، وينحدر المنتمون إليها من مشارب متباينة، بصرف النظر عن المواقف السياسية.

لذلك، ربما يكون هامش التغيرات الحقيقية، محدودا ومرتبطا بمجموعة من الثوابت، ولا يعني اختلاف الإدارة، وانتقالها من الحزب الديمقراطي إلى الجمهوري، أن هناك بونا شاسعا بينهما، لا سيما في القضايا الجوهرية، كما أن تنوع أدوات صناعة القرار، يلعب دورا محوريا، في عدم توسيع الفجوة بين رئيس وآخر، وكلها في النهاية، تخضع للمصلحة الأميركية، وهي المحرك لجميع الأوساط، وبالتالي فمواقف إدارة أوباما، لم تعبر فقط عن قناعاته وحزبه، أو أغراض وأهواء هيلاري، لأنها كانت حصيلة حزمة من التفاعلات داخل مؤسسات أميركية، أفضت إلى النتائج التي رأيناها حيال ملفات وقضايا متعددة.

إذا كانت الإرهاصات التي صدرت عن ترامب بدت إيجابية بالنسبة إلى قناعات السيسي في مجال مكافحة الإرهاب، فموقف الأول من القضية الفلسطينية، يعد صادما لمصر، حيث أعاد تكرار التعهدات السابقة بنقل السفارة الأميركية للقدس، والاعتراف رسميا بأنها عاصمة إسرائيل، كما أن تلميحاته بشأن التسوية السياسية، تبدو متباعدة عن رؤية القاهرة، ما يشي بوجود هوة على هذا المستوى.

الحاصل، أن هناك تغيرات سوف تطرأ على رؤية الولايات المتحدة، في عصر ترامب، لكن هذا لا يعني أن تكون صادمة للبعض، أو جيدة للبعض الآخر، فمن الصعوبة القياس على ما صدر من تصريحات، إبان الحملة الانتخابية، التي يرتبط جزء منها، بدغدغة المشاعر لدى الناخبين، أكثر من كونه إشارات أو أحكام قاطعة لا تقبل التشكيك فيها، فإذا جرى تحليلها في إطار السياق الذي جاءت فيه، قد تكون نتيجتها مختلفة كليا.

بالتالي فالحديث عن ازدهار العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، ربما شابه قدر من الاستعجال، لأن خيارات الرئيس ترامب الخفية، يمكن أن تحرج القاهرة، وتضعها في مواقف صعبة، وبافتراض أن العلاقات بين الرئيسين، سوف تتحول إلى “سمن على عسل”، كما يقول المثل الشعبي في مصر، فما هو مصير العلاقة مع روسيا؟

الواضح أن القاهرة نسجت علاقات جيدة مع موسكو حتى الآن، وطورت علاقاتها مع الصين، فهل من المنطقي أن تحافظ على علاقات متينة مع كل من موسكو وبكين من جهة، وواشنطن من جهة أخرى، وهل يمكن أن يقبل كل طرف بفكرة “الحياد الإيجابي” الذي تريد أن ترسمه القاهرة كخط سياسي في التوجهات الإقليمية؟

عندما طرحت، هذه الأسئلة على دبلوماسي مصري كبير، قال إن فكرة الانحياز التام أو الأحلاف الصماء، لم يعد لها وجود في أدبيات العلاقات الدولية حاليا، ودلل على مواقف قوى كثيرة، من بينها روسيا والصين والولايات المتحدة وألمانيا وتركيا وإيران، مؤكدا أن مصر لن تكون استثناء عن هؤلاء، وتنجح في الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع دول لديها رؤى سياسية متصادمة في بعض القضايا الإقليمية.

ما كشفه الدبلوماسي، أن السياسة المصرية، سوف تصبح مضطرة إلى أن تكون أكثر تحديدا من ذي قبل في عدد من الأزمات، وتتجاوز مرحلة السيولة التي تحولت إلى أبرز العناصر الطاغية على تصوراتها خلال الفترة الماضية، ورجح أن تتخذ مواقف أشد وضوحا، لأن سياسة الغموض الإيجابي لن تكون مقبولة، في التفاعلات الإقليمية مستقبلا.

كاتب مصري

9