مصر قوة إقليمية بأدوار منضبطة

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يختطّ طريقا وسطا بين عبدالناصر والسادات.
السبت 2019/02/16
رئاسة الاتحاد الأفريقي.. النجاح رهين رؤية واقعية

رغم أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك حكم حوالي ثلاثة عقود، إلا أنه عند الحديث عن السياسة الخارجية لمصر ودورها الإقليمي، يأتي اسما الرئيسان جمال عبدالناصر وأنور السادات، باعتبارهما عرّابَيْ هذا الدور، الذي ورث حسني مبارك تداعياته، مثلما ورثها الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي لكن مع اختلاف واضح في طريقة التعامل مع هذا الإرث، حيث اختار طريقا وسطا. لم ينكفئ السيسي على الداخل المصري، لكنه في الوقت نفسه لم يقدم مصر في صورة “البطل” القادر على إدارة الأزمات الإقليمية.

القاهرة - أصبح الحديث عن الدور الإقليمي لمصر محل نقاش واسع، داخل مصر وخارجها. وحظي باهتمام كبير مع بداية الفترة الثانية لحكم الرئيس عبدالفتاح السيسي منذ حوالي عام.

بدأ الكلام يتزايد ويستعيد زخمه مع الحفاوة السياسية والإعلامية لتولي القاهرة رئاسة الاتحاد الأفريقي، والتي صورها البعض على أنها تدشين لمرحلة جديدة لمصر على مستوى الحضور الخارجي.

ينقسم الحوار الجاري حول القضية إلى قسمين، أحدهما يرى ضرورة في التفاعل المصري مع المعطيات الإقليمية، والقيام بأدوار مؤثرة في القضايا المتنوعة، اتساقا مع متطلبات الأمن القومي التاريخية، وتبدأ من خارج الحدود. والآخر يعتقد في أهمية مواصلة الانكفاء على الداخل، لأن الأزمات مركبة ومتشعبة، والتحديات متفاقمة ومتغيرة، وتستوجب الحذر والتريث، والبلاد لن تستطيع تحمل ضربة تغرقها في بحر جديد من المشكلات.

لم يكن التقسيم السابق مطروحا على مدار السنوات التالية لثورة 25 يناير 2011، بحكم التطورات القلقة التي مرت بها مصر، وبدا هناك توافق ضمني حول منح أولوية لترتيب البيت من الداخل، وتجاوز جزء معتبر من المصاعب التي مرت بها البلاد، من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية.

حركة إقليمية

ترى فئة كبيرة من المصريين أن الدولة تخطت الآن مجموعة من الأزمات، وعلى درجة عالية من العافية والتماسك بما يمكنها من زيادة الدوران والحركة الإقليمية، بشكل يفوق فكرة الاكتفاء بالدفاع عن الأمن القومي في أبعاده القريبة، أو الانخراط في الملفات التي لها تأثير مباشر، مثل الأحداث المتصاعدة في قطاع غزة والأزمة الليبية المتشابكة، والقضايا المعقدة مع دول حوض مياه النيل.

يستند هؤلاء في حججهم على تعافي مصر أمنيا الآن واستقرارها سياسيا، والتخلص من أعباء كبيرة في ملف مكافحة الإرهاب وروافده، وقطع شوط في مجال تثبيت أركان النظام الحاكم، ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، ومراعاة طبيعة مصر التاريخية التي تستوجب الدفاع عن مصالحها خارج الحدود، وهي سمة الأمم التي لديها طموحات كبيرة في القيادة والزعامة.

الدبلوماسية السرية تلعب دورا مهما في ترطيب ما ينجم عن الاتصالات السياسية المباشرة، وهي من الأدوات الجديدة التي تلجأ إليها القاهرة وغيرها من العواصم لضمان ضبط العلاقات في منطقة قلقة، وتشهد تحولات متسارعة

بينما يرى الفريق المقابل أن الحيوية الإقليمية الزائدة عن الحد خلفت وراءها كوارث سياسية في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ومصر لن تستطيع تحمل ضربة قوية يمكن أن تكبدها خسائر فادحة، في ظل انتشار الصراعات والتوترات في المنطقة، وتغير أنماط التوازنات والتحالفات.

يقدم هذا الفريق مبررات لها علاقة بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، والتي يمكن أن تنفجر في وجه السلطة الحاكمة، وتتولد عنها مشكلات من الصعب إيجاد حلول سريعة لها، وستقف عاجزة عن مواجهة العراقيل القادمة إليها من الخارج، مع التحولات التي صاحبتها في الخطط والترتيبات، فغالبية التحديات لم تعد ظاهرة، ويمكن أن تأخذ أشكالا وألوانا متعددة بما يجعلها عصية عن الحد من سلبياتها.

رؤية مختلطة

يعتمل النقاش بشأن الدور الإقليمي في أروقة ومستويات سياسية مختلفة، ولم يأخذ شكلا عمليا، في تبني طرح المؤيدين والرافضين، لأن نمط الإدارة المصرية الحالية يتبنى رؤية لا تؤمن بالانحياز نحو القضايا الملحّة وفقا لنظرية حدية، وتريد خليطا من هذا وذاك، وتراعي التطورات التي تمر بها المنطقة وحسابات القوى الفاعلة.

ظهر جدل مع بداية عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي حول توجهاته السياسية وأي طريقة يفضل.

وبدا في أحيان كثيرة كأنه يميل إلى تبنّي أفكار تتماشى مع طموحات عصر جمال عبدالناصر، بكل ما تنطوي عليه من رغبة في التمدد والتغول والانتشار، ثم توارت هذه التوجهات مع كثافة الأزمات، والمطبات التي تقف أمام نمو القدرة على التعامل معها.

أكد التراجع عن المضي في هذا الطريق والاستغراق طويلا في الهموم الداخلية، أن السيسي لن يرتدي جلباب عبدالناصر، بحكم التباين في الشخصية والتكوين السياسي والإستراتيجي والأجواء الإقليمية والدولية، وما إلى ذلك من فروق شاسعة في الأزمنة وكل ما تحمله من اختلافات.

ميل السيسي إلى الاهتمام بإيجاد حلول للمشكلات الداخلية وتثبيت حكمه، والنأي عن الانخراط في الأزمات والصراعات الخارجية، جعل البعض يحسبه على معسكر الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي جذب بلاده نحو الانكفاء على نفسها وتوفير درجة من الرفاهية والاستقرار للشعب، وكان مقتنعا بعدم جدوى التطلع إلى القيام بأدوار إقليمية مؤثرة، رغبة في تجنب ما جلبته من أزمات في عهد سلفه جمال عبدالناصر.

حاول الرئيس السيسي أن يختط لنفسه طريقا وسطا، بين عبدالناصر والسادات، ويبدو أحيانا كمن ينحاز إلى هذا تارة وإلى ذاك تارة أخرى، وإن كانت غالبية التوجهات تميل إلى منح الأولوية للقضايا الداخلية، ومنها تأتي بعض التحركات الخارجية.

Thumbnail

فرضت النزاعات الكثيرة في المنطقة نمطا يعزز فكرة الانكفاء، خوفا من التورط في أزمات ترخي بظلال سلبية على الداخل، وسط التشابكات التي تحملها التوترات، والجماعات العابرة للدول، وباتت عملية تأمين الحدود، البرية والبحرية، تحتل مكانة متقدمة في جدول الأولويات، لأن معظم مشكلات الإرهاب والعنف تأتي منها.

لعبت التنظيمات الصغيرة والهامشية دورا مهما في التأثير على ملفات كبيرة، ولم تعد فكرة التحكم في مساراتها مجدية، بل أصبح في مقدور قوة معارضة صغيرة أو فصيل مسلح محدود قلب بعض المعادلات التقليدية، لما يملكه من أدوات تساعد على تغيير مسار بعض الأحداث، ناهيك عن انتشار الكتائب المسلحة والميليشيات والعصابات وتحولها إلى أداة في أيدي قوى متباينة لحسم أو توجيه بعض الصراعات، وهو ما يفقد المؤسسات النظامية القدرة على التأثير الكبير.

وفرضت السيولة المفرطة في النظام الدولي وتعدد جوانب القوى المؤثرة فيه، درجة عالية من الانفتاح على قوى تبدو متصادمة، وتمددت علاقات القاهرة مع الشرق والغرب، وتم عقد اتفاقيات اقتصادية، وتوقيع صفقات عسكرية والتسلح بمعدات متطورة، وتدشين مواءمات سياسية دقيقة، شملت دولا متفرقة، نجحت القاهرة في كسب ودها، أو على الأقل عدم الدخول معها في خصومات متجذرة.

يأخذ بعض أصدقاء وحلفاء مصر عليها هذه المسألة، وتصمم قيادتها على التحرك بديناميكية تؤكد عدم الإحجام عن التمادي في خصومتها والاحتفاظ بخطوط خفية للرجعة، وتزايدت هذه العلامة في العلاقات الدولية عموما، مع ارتفاع حجم التغيرات في التفاعلات وافتقاد القدرة على حسم الأمور بالضربات القاضية، ووجود فرص كبيرة للمراجعة، وهو ما ينتج عنه إعادة نظر في قضايا كانت تأخذ شكل المسلمات.

ربما تكون المرونة -أو عدم تصعيد الخلافات إلى الذروة التي تتبناها القاهرة في إدارة العلاقات الإقليمية والدولية- واحدة من المزايا التي ساعدتها على تقليل حجم الخسائر في بعض الملفات، لأنها جنبت البلاد الوقوع في فخاخ بعض المشكلات، ومنحتها فرصة لإعادة تصويب مسار العلاقات.

وحتى التوترات المنتشرة في المنطقة والتي لها انعكاسات على مصر، لم يفضل التورط فيها، وفي الحالات النادرة التي اقتربت فيها القاهرة لدواع معينة، كان الحرص ظاهرا على الاحتفاظ بمسافة بعيدة عنها، وهو ما دفع أحيانا إلى الانفتاح على جهات محلية مختلفة، لتعويض ما يمكن فهمه على أنه انحياز إلى طرف ضد آخر.

ولعبت الدبلوماسية السرية دورا مهما في ترطيب ما ينجم عن الاتصالات السياسية المباشرة، وهي من الأدوات الجديدة التي تلجأ إليها القاهرة وغيرها من العواصم لضمان ضبط العلاقات في منطقة قلقة، وتشهد تحولات متسارعة.

كما أن تبني أسلوب التسويات السياسية ورفض الحلول العسكرية وعدم المساس بالوحدة الترابية للدول، بدّد بعض الغيوم حول الرغبة في التمدد الخارجي، وفتح لمصر طاقة جديدة للقيام بأدوار إقليمية منضبطة، أوجدت لها مكانة كقوة إيجابية، وظهرت هذه الملامح في اتفاقيات الهدنة بين الحكومة السورية وقوى معارضة لها، وهو ما تم من خلال التفاهم مع قوى كبرى مثل روسيا، ومباركة الولايات المتحدة.

أصداء ونتائج

Thumbnail

وجد هذا المنهج المتوازن صدى في خفض نسبة الممانعات للكثير من أدوار القاهرة الإقليمية، حتى لو بدت هامشية في بعض الأوقات، ووفر لها فرصة للمشاركة في بعض المقاربات، وقلل من حجم العداوات مع الدول التي لا ترتاح لتوجهات النظام المصري، الأمر الذي عزز تبني المواقف المعتدلة في بعض القضايا المصيرية.

ولعل النتائج التي حققها التعامل الناعم مع أزمة سد النهضة تشجع القيادة المصرية على الاستمرار في هذا الطريق، لأنه يؤدي إلى دور إقليمي فاعل ونسبة منخفضة من المشكلات، ومع ربطه بمشروعات تنموية تؤدي إلى شراكات إقليمية يمكن أن يتعزز دور القاهرة.

وساهم دخول مصر في الأزمة الليبية وفقا لخطوط متوازية، في الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع قوى دولية منخرطة في الأزمة، وأخرى محلية سياسية وعسكرية على علاقة مباشرة بها، ناهيك عن القوى المجتمعية، وفي بعض الأحيان تم اللجوء إلى القوة الخشنة، وقد لا تستطيع القاهرة حل الأزمة، لكن دورها مهم لدى أي جهة راغبة في التسوية، ولديها أدوات تمكنها من وقف الحلول المناوئة لمصالحها الإستراتيجية.

حققت هذه النماذج لمصر دورا إقليميا مختلفا، يراعي التطورات المتشابكة، لكنها قد لا تضمن قيادة قوية على المستوى الإقليمي، إذ يمكنها أن تتحاشى تكبد الخسائر، لكن من الصعب أن تنجح في تعظيم المكاسب، لأن كل دور إقليمي مؤثر يستلزم قدرة على تبني أطروحات مستقلة وليست تابعة، أو تستفيد بالصدمة من روافد الأزمات في المنطقة.

يمكن أن تشجع النتائج التي وصلت إليها مصر وحافظت على مصالحها بنعومة، أو مع قدر ضئيل من القوة، على ضبط البوصلة بالصورة التي تجعلها أكثر جرأة في تبني مبادرات طموحة، وليس البناء على معطيات الواقع، وما تخلفه من إيجابيات تستفيد منها، وتوظفها بطريقة تجني من ورائها بعض المكاسب.

يؤكد خبراء العلاقات الدولية أن حدود الدور الإقليمي يتوقف على سقف التوقعات، وتبنى رؤى ومناهج عملية تدرك أهمية المكونات التي تحتفظ بها الدولة والخبرات المتراكمة، ومصر تنهض تاريخيا بحجم قدرتها على التمدد خارجيا، ودروس الماضي كفيلة بتجنب المشكلات، ولذلك من المرجح أن تتبلور رؤية جديدة تضاعف من خطوات مصر الإقليمية، قبل أن تجد نفسها تتآكل لصالح قوى ترتاح إلى حالة الانكفاء التي بدت عليها فترةً طويلة.

ويبقى ربط الدور بالقدرة على المساهمة في تهدئة بعض الصراعات، رهينا بإرادات الآخرين، ما يفرض رعاية حلول إبداعية من وحي الوعي المصري بحقائق الجغرافيا والتاريخ، وحتى لو أن هناك مستجدات تلعب دورا في رسم معالم الدور في النظام الإقليمي الحالي، فهي بحاجة إلى تصورات متقدمة، تراعي متطلبات الأمن بمعناه البعيد، لأن هناك إجراءات غير مباشرة يمكن اتخاذها وتضمن تأثيرات مباشرة، والمهم أن يمتلك صانع القرار رؤية شاملة يستطيع تنفيذها على الأرض.

6