مصر كعنصر إطفاء للأزمات

الجمعة 2017/11/24

الطريقة التي تتعامل بها مصر حاليا تشبه دور رجل الإطفاء الذي يسعى إلى إخماد النيران في أي بناية، لكن عندما تتعدد مصادر اللهب، لن يستطيع الرجل إطفاءها بمفرده ويستعين بعناصر أخرى مدربة وسيارات كثيرة محملة بمواد تطفئ اللهب المتصاعد.

قد يستطيع هذا الرجل ومن معه السيطرة على حريق أو أكثر، لكن لن تكون لديه ضمانات بعدم تجدد الحرائق مرة أخرى، لأنه لا يضمن أن يكون فريقه على نفس الشجاعة لاتخاذ تدابير تمنع اندلاع النيران مرة أخرى، إلا إذا امتلك خطة محددة وأجهزة للإنذارات المبكرة تساعد على توفير نظام أمني محكم يمنع امتداد اللهب إلى بنايات مجاورة.

أسئلة كثيرة دارت في ذهني وأنا أراقب الدور الذي تقوم به مصر في أزمات كل من فلسطين وليبيا وسوريا واليمن ثم أخيرا الأزمة الكبيرة مع إيران وحزب الله، في وقت يتزامن مع نشوب نيران بدأت تلحق بخاصرة مصر من الجنوب، جاءت من إثيوبيا والسودان.

ناهيك عن الشظايا الداخلية التي لا تزال تلحق الأذى، فالإرهاب لم يتم القضاء عليه، والعمليات التي تستهدف رجال جيش وشرطة وقضاء، ومدنيين، وكنائس، لم تتوقف، كما أن الأزمات الاقتصادية تتوالى ونتائج المشروعات التنموية لم تثمر بعد، والمشاكل الاجتماعية بدأت تنخر في جسد قطاعات كثيرة ويمكن أن تتسع في أي وقت.

وإذا أخذنا المنغصات السياسية على مستوى الانسداد الراهن في العمل السياسي العام والخمول والإحباط والكسل الذي يخيم على غالبية القوى الحزبية، سوف تكون الصورة غامضة، ويزداد غموضها إذا أخذنا في الحسبان الحملة التي تشنها منظمات حقوقية دولية على مصر ولا ترضى عن سجلها في مجال الحريات عموما.

كلها علامات كفيلة بأن تكبح طموح أي قيادة سياسية، لكن القاهرة التي درجت على التعامل مع هذه النوعية من الأزمات الداخلية المحتدمة لم تيأس أو تتقاعس أو تستكين لهمومها، وأخذت على عاتقها الخروج لمواجهة الأزمات في المنطقة، لمنع امتداد روافدها إليها، فغالبية المشكلات التي تعاني منها مصر ليست جديدة أو بعيدة عما يجري في الفضاء الخارجي.

لدى مصر قناعة تاريخية راسخة وهي أن أمنها القومي يبدأ من خارج الإقليم، ويجب عدم الانكفاء على الداخل والبحث عن أدوار تتواءم مع تطلعات قياداتها، ولكل زعيم أو رئيس مصري تصور أو تفسير حول ذلك، منذ عهد محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع عشر وحتى عهد الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي.

قناعة محمد علي لم تتزحزح بشأن التوسع والتمدد إلى درجة الجموح، وهو ما أدى إلى كسر تجربته وإجباره ومن بعده أسرته على الالتزام بعدم مد أبصارهم خارج مصر، وفي الحالات النادرة التي حدث فيها ذلك كانت النتيجة مخيبة، وفي النهاية تقف قوى خارجية في وجه هذه الأحلام وتجبرها على العودة للداخل.

دخلت هذه الرؤية مراحل من الصعود والهبوط حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، وكانت الحصيلة قبلها أن منع خروج مصر عن نطاقها الجغرافي يستلزم استخدام القوة المباشرة معها، وقام الاستعمار البريطاني بهذه المهمة باقتدار، وأغرق مصر في هموم لا تنتهي، تبدأ من مشكلات الفقر والبطالة والرأسمالية المتوحشة وحتى المشكلات الناجمة عن المستعمر والتي تستلزم الاهتمام والتركيز للتخلص منه.

وعندما صعد جمال عبدالناصر بعد ثورة يوليو إلى السلطة، وتأكد أن نحو قرن من الانكفاء لم يردع المتكالبين على مصر، قرر أن يعيد جانبا من تجربة محمد علي تحت شعار القومية العربية، ولأن طموحاته كانت أكبر من إمكانياته، والتحديات أضخم من الرؤية التي سعى لتدشينها، انكسرت التجربة في يونيو 1967، واستغرق وقتا ليفيق من هول الهزيمة، وتم تحجيم نفوذه تلقائيا بعد ضياع الحلم.

خلاصة تجربة الرئيس أنور السادات من بعده جاءت معاكسة تماما للرئيس عبدالناصر، وانخرط الرجل في هموم بلاده الداخلية ودغدغ مشاعر المواطنين، تارة بالانفتاح الاقتصادي، وأخرى بالسلام مع إسرائيل، والكفر بالقومية العربية، وفي النهاية لم يتم حل مشاكل مصر، ودخلت البلاد عصرا مشوها، لا هي قادرة على مد بصرها للخارج ولا الانكفاء على الداخل.

وهي أيضا النتيجة التي انتهت إليها تجربة الرئيس حسني مبارك، وحققت قدرا ظاهرا من الاستقرار، ظهرت تجلياته السلبية مع الانفجار الكبير في 25 يناير 2011، وجرى غلق صفحة من تاريخ مصر المتقلب، استمرت نحو عامين حتى جاء الرئيس عبدالفتاح السيسي.

التصورات التي ساقها السيسي في بداية عهده كانت تشبّهه بعبدالناصر، لكن قدراته اللاحقة أكدت أن أسلوبه عملي أكثر، وأنه يحاول قراءة الخارطة الإقليمية وتوازناتها ويعرف بدقة إمكانياته وحدودها، ويدرك الصعوبات والأزمات التي تعاني منها بلاده.

واستقر على تقديم رؤية تبدو خليطا من الرؤساء، عبدالناصر والسادات ومبارك، ربما يعتقد البعض أن هذا تشويها يقود إلى الإخفاق لاحقا، لكن هناك من يرى أن هذه الرؤية المتشابكة يمكن أن تجني من ورائها مصر مكاسب كبيرة.

التصور الواضح للعيان يقول إن الرجل يكدس المعدات العسكرية ويضاعف من المشروعات التنموية ويريد أن يطفئ الأزمات الإقليمية، وهي رؤية مركبة وغير مضمونة التطبيق، لأنها تنطلق من افتراضات نظرية تواجه مصدات قوية عند المحكات الرئيسية.

وإذا أخذنا عنوان المقال نموذجا لقياس هذه المسألة، نجد أنه لا يختلف كثيرا عن رؤية رجل المطافئ التي سقتها في السطور الأولى، فالسيسي عندما يمارس دور مطفئ الحرائق في الظروف التي تعيشها المنطقة لن يحالفه التوفيق حتى لو حقق نجاحا رمزيا في اتفاقيات التهدئة في سوريا والمصالحة الفلسطينية والأزمة الليبية واللبنانية، لأن هذه النوعية من القضايا معقدة وتتدخل فيها أطراف إقليمية ودولية عديدة، لكل منها رؤية أو تقدير مختلف.

إذا أراد السيسي أن يحفظ لبلاده مكانها عليه أن يظهر انحيازه بوضوح، وقبل أن يخوض تجربة الإطفاء من الواجب أن يكون مسلحا بالأدوات الكاملة التي تساعد في هذه المهمة، وأبرزها امتلاكه فريقا على استعداد للقيام بهذا الدور، ولدى أنصار هذا الفريق قناعات تجبر أعضاءه على القبول بتقديم تنازلات، قبل أن يحترق المنزل-الأزمة على من فيه.

دور رجل المطافئ ربما يحقق دعاية مطلوبة لمصر، لكن الحل والعقد بعيدان عنها، وبالتالي من الضروري أن يكون أصحاب الحل والعقد الحقيقيون يشاركون مع الرئيس السيسي بسياراتهم المجهزة في إطفاء حرائق مستمرة منذ زمن.

كاتب مصري

9