مصر لؤلؤة في محارة محكمة.. الصحافة مرآة للانغلاق

مأساة الصحافة المصرية في جانبيها السلطوي والمحلي، تلخيص يوجز أزمة إدارة ترى الآخرين دون الاهتمام أو مجرد "شوال رز".
الجمعة 2018/09/14
صحافة مغرقة في محليتها
 

كانت مصر الكبيرة تترفع عن وضع جنسية تسبق، أو تلي، أسماء مبدعين وكتاب غير مصريين زخرت بهم الصحافة المصرية، قبل أن يضيق صدرها بالأقلام المحلية الحرة، وتتحول إلى آلة تعزف لحنا واحدا.

لنفترض هبوط كائن فضائي، واطلاعه على نحو خمسين مجلة وصحيفة حكومية يومية وأسبوعية في مصر، أو صعود هذا العبء “الورقي” ثقيل الوزن خفيف المضمون إليه في عليائه، فهل يتخيل مهما يكن حظه من حسن الظن أن لمصر علاقة بمحيط بشري وجغرافي اسمه العالم العربي؟

لا أمارات دالة على ذلك، فمقالات الرأي المنشورة يكتبها مصريون عن شؤون محلية، ونادرا ما تجد في صحيفة الأهرام مقالا ربما كل أسبوع لكاتب غير مصري. أما الصحف الأخرى فتتسع لزحام من هراء لا يهم أحدا، ولا تخطئ فتنشر مقالا لكاتب عربي، ولا يمتلك مسؤولو التحرير في الصحف حدا أدنى من فطنة فينتبهوا إلى تناقض هذا التغييب وتباهيهم بشعار “القوة الناعمة”.

لا تنشأ هذه القوة المفترضة من فراغ، ولعل ابتذال شعار “القوة الناعمة” قد استهلك بقاياها، في تآكل ذاتي ينتج غالبا عن انغلاق قسري يفرضه حصار خارجي، فلا يسعى عاقل إلى عزلة طوعية بعيدا عن التفاعلات والتباينات والمصالح، ولا جدوى من إحكام القبضة على لؤلؤة داخل محارة، ومصر ليست مؤهلة لحماقة العزلة الاختيارية، فهي شحيحة الموارد، ومنذ دورانها في الفلك الأميركي الإسرائيلي تخلت عن مسؤولياتها العربية، وفي الداخل انحازت إلى رجال المال.

وبعد الفشل الثاني لثورة 25 يناير 2011 تحولت إلى بلد طارد، وينتشر الملايين من أبنائها في أوروبا والخليج، ولكنها تحتضن الملايين من السوريين والعراقيين والسودانيين وجاليات أفريقية، وليس لهؤلاء المهاجرين ولا لهؤلاء الأشقاء صوت في صحافة مغرقة في محليتها، ولا تكف عن عزف لحن واحد يكرس إنجازات تشبه ثياب ملك رآه الطفل عاريا، ففضح كذب المتغنين بجمال الثياب الشبحية.

ذلك الطفل نضج واحتفظ ببراءته، وأنجب ذرية تعاني مهانة التنازل عن جزيرتين مصريتين، وتلهث للوفاء بالتزامات المعيشة في مواجهة غلاء طاحن، فكيف يصدق المصريون إنجازات يشيد بها ورق يقترن في الذاكرة، منذ بدايات الصحافة، بسخرية تلخصها كلمتا “كلام جرايد”.

لا أسعى إلى جلد الذات، ولكنها إذا استحقت الجلد فلتجلد. في يونيو 2018 أثناء مونديال روسيا، قرأت كلاما مؤثرا لهداف الفريق البلجيكي روميلو لوكاكو، ومعاناته في مجتمع تفضحه عنصريته وقت الغضب، “عندما كانت الأمور تسير على ما يرام، كنت أقرأ في الصحف روميلو لوكاكو المهاجم البلجيكي، وحينما يحدث العكس كانوا يقولون روميلو لوكاكو المهاجم البلجيكي من أصل كونغولي”.

مأساة الصحافة المصرية تكشف أزمة يعيشها القطاع
مأساة الصحافة المصرية تكشف أزمة يعيشها القطاع

لوكاكو ذكّرني بلاعب الأهلي الذي تولى الإدارة الفنية للاتحاد الأفريقي لكرة القدم عبدالمنعم مصطفى، وكنا لا نعرف إلا اسم شهرته “شطة” وكفى، ولم أكن أشجع النادي الأهلي، ولكني أحببت شطة حتى في مباريات الأهلي والزمالك، ثم جمعتنا قبل سنوات طائرة عائدة من الجزائر إلى مصر، ورأيت حفاوة العاملين في مطار القاهرة به، رغم اعتزاله قبل نحو ثلاثين عاما. شطة المولود في السودان لم يلعب للأهلي المصري في سياق احترافي يسمح بضم أجانب، فهو مصري مثل حارس النادي الأهلي مروان كنفاني شقيق الشهيد غسان كنفاني.

وكانت مصر الكبيرة تترفع عن وضع جنسية تسبق، أو تلي، أسماء مبدعين غير مصريين (عائلات أبيض والأطرش) والعشرات مما يضيق المجال بذكر أسمائهم. ليست هذه مصر التي تسلط ترسانة إعلامية، لمطاردة مواطن يقول ربي الله، ويطرح رأيا سلميا مخالفا لأصداء يرددها القطيع، فيتهم بالعمالة وتنتقص وطنيته.

وتصطف هذه الترسانة الإعلامية لحماية ما يحسبونه لؤلؤة داخل قشرة مفرطة في صلابتها الهشة، وتخدشها شكوى تكتسب حصانة مقدسة؛ لأنها أقرب إلى “الجهر بالسوء”، وهذا الجهر مباح شرعا لمن ظلم.

وقد جهرت اللبنانية منى المذبوح بالسوء والفحش اللفظي، بعد أن مستها في الشارع إساءات تتعرض لها عموم المصريات يوميا، فاتهمت المصريين بصفات يسهل تجاهلها، بدلا من تجييش الإعلام للشعب ليكون طرفا في خصومة غير متكافئة مع امرأة حكم عليها، في 7 يوليو 2018، بالسجن بضع سنين، ثم خففت محكمة استئنافية الحكم، في 9 سبتمبر 2018، إلى الحبس سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ، ولم يكن الحكم الجديد على هوى منصات إعلامية تقتنص فرصا جديدة للتعبئة النفسية.

 ليس هذا إلا إعلام حالة الحرب، وليست هذه مصر الكبيرة التي نستعيد صورتها بالحنين إلى الماضي. أقرأ في مجلة “أبولو”، عدد أكتوبر 1933، ردا على شكوى صحيفة “صوت الأحرار” اللبنانية من عدم حفاوة مصر بشعراء لبنان، (وهذا غير صحيح)، وهذه جمعية أبولو تحتفي بهم، وتقدرهم (لشاعريتهم الممتازة التي نحبها ونحترمها قبل أن نقدرهم لصلة الجوار). وفي العدد نفسه تقرير عن الانتخابات السنوية لجمعية أبولو في 22 سبتمبر 1933، وأسفرت عن تأليف مجلس برئاسة خليل مطران، من دون إشارة إلى جنسيته، واختير أحمد زكي أبوشادي رئيس تحرير مجلة “أبولو” ومؤسس جماعة أبولو سكرتيرا للجمعية التي انعقدت للمرة الأولى عام 1932 برئاسة أحمد شوقي.

وتحت عنوان “اتحاد الأدب العربي” نشرت مجلة “أبولو” في يناير 1934 تقريرا في ثلاث صفحات، عن انتخابات أول مجلس لهذا الكيان، في 20 أكتوبر 1933، برئاسة خليل مطران، ونائبيه الدكتور حسين هيكل بك والدكتور علي العناني، “والأعضاء مدعوون في نادي نقابة الصحافة عند الساعة الخامسة بعد ظهر يوم الجمعة 26 يناير سنة 1934 لانتخاب مجلس الإدارة لسنة 1934”.

فهل تسمح مصر المتوترة الآن بمن يشغل مكان خليل مطران، أو مكانة محمد الخضر حسين آخر شيخ غير مصري للأزهر؟ بلد يأخذ أهله بالشبهات سيضيق بغيرهم، والصحافة مرآة تعلن الكراهية على الجميع.

 أعود إلى مجلة “أبولو” التي اختصرت مقدمات طويلة في مسيرة خاطفة لأبي القاسم الشابي، ومن مصر أطل بقصائده على دائرة عربية أشمل لم تتح له، وهو طائر غريب في تونس، كما قال في مذكراته “إنني غريب بين أبناء بلادي… يئست”.

وتوثقت صداقته بأحمد زكي أبوشادي، وتحمس لنشر شعره، ووعده بالإشراف على نشر ديوانه “أغاني الحياة” في مصر لولا مرضه الذي عجل بوفاته في أكتوبر 1934.  لم يكن الحضور العربي يقتصر على صحف مصر ومجلاتها، وإنما امتد إلى سلاسل كتب منتظمة الصدور، وتخلو الآن من كتاب لمؤلف غير مصري، ومنها سلسلة “اقرأ” التي تصدرها دار المعارف.

 وقد نشرت عام 1943 رواية “مذكرات دجاجة” للفلسطيني إسحق موسى الحسيني، بمقدمة لطه حسين الذي رحب بالمؤلف؛ لأن صدور عمله في “هذه السلسلة برّا بما وعدنا به من جعل هذه السلسلة وسيلة من وسائل التعاون الثقافي وأداة من أدوات الوحدة الفكرية بين أهل الوطن العربي كله”.  مأساة الصحافة في جانبيها السلطوي والمحلي، تلخيص يوجز أزمة إدارة ترى الآخرين دون الاهتمام أو مجرد “شوال رز”.

18