مصر لليبيين.. وطن بديل وليست منفى للهروب

المصريون ينظرون إلى الليبيين باعتبارهم شركاء مُجتمع لا ضيوفا فيه. وإذا كانت الدولة تفرد اهتماما رسميا بليبيا لاعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية، فإن هناك تعاطفا شعبيا مع النازحين الجدد.
السبت 2018/11/24
أصل قبلي بدوي يتميز بالنبل

لا يجتمع المصريون والليبيون بحكم الجيرة الجغرافية فقط، فقد شكلوا عبر عقود من الزمان تمازجا ثقافيا وإنسانيا، ونسيجا مجتمعيا متشابكا. وتفرض تلك الطبيعة قدرا لافتا من التكامل بين شعبين تقاسما معا الطقوس والعادات والتراث، حتى أضحت مصر لليبيين حاليا وطنا بديلا وليست مجرد منفى للهروب من أهوال الصراعات والنزاعات التي تنتشر في أماكن مختلفة من ليبيا.

القاهرة – تبدو قرية الأصفر بأقصى محافظة الفيوم على بعد مئة كيلو متر (جنوب غرب القاهرة) من ملامحها الأولى بلدة صغيرة خرجت من قطرها المصري إلى وجدانها الليبي حاملة أنماطا أخرى.

اكتست منازل القرية باللون الأخضر مثلما يرسم الليبيون معظم بيوتهم، ويرتدي أهل القرية الطربوش والغترة الليبية والجلباب البدوي الواسع، وجرى وضع عدد من صور العقيد الليبي الراحل معمر القذافي على جدران البيوت، كرمز للحنين إلى الماضي ورد الجميل، بفعل مرارات الحاضر، كما اقترنت لكنات ألسنتهم بلهجة ليبية غير خافية.

شكلت تلك القرية الصغيرة، وكان يزورها القذافي من حين إلى آخر، وقال إنها امتداد لأبناء عمومته، نموذجا للحالة الوجدانية التي جمعت المجتمعين المصري والليبي كنسيج بألياف واحدة.

يرفع الليبيون في تلك القرية وفي الكثير من أنحاء مصر شعار “لا غربة في مصر”، ليس تعبيرا عن امتنان، لكن تكريسا لواقع اختاره الليبيون الذين عدوا هذا البلد وطنا مؤقتا ومركزا للتعبئة الاقتصادية والفكرية لبلادهم التي أنهكتها الحروب والمؤامرات.

ورغم تحول مصر على مدار العشرات من السنين إلى مركز يجمع الكثير من الجاليات العربية، لكن العلاقة مع الليبيين شكلت تمايزا عن غيرهم من الجاليات، بسبب وجود مساحات مشتركة كبيرة على المستوى الاجتماعي، تتفق بصورة نموذجية مع علاقات المصالح المتشابكة للبلدين على مستوى السياسة والأمن والاقتصاد.

تأثير متبادل

"القرية.. القرية"
"القرية.. القرية"

ترجع الجالية الليبية الحديثة في مصر، والتي تقدرها بنحو مليون مواطن، ينتشرون بين الإسكندرية والقاهرة، ذوبان أفرادها بسهولة في المجتمع إلى أن مصر لم تكن في أي وقت غريبة عنهم، إذ كانت تمثل الوجهة الأولى في أسفارهم، حتى خلال فترة إغلاق الحدود في عهد الرئيس المصري الأسبق أنور السادات في نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي.

كما أن المصريين ظلوا على مدى عدة عقود يمثلون الجالية الأجنبية الأكبر داخل الأراضي الليبية بعد أن وصل عددهم قبل عام 2011 إلى نحو مليوني شخص، ما ساعد على تأقلم الأفراد وتقارب العادات والطقوس الشعبية.

لا يتوقف الامتداد المجتمعي عند السفر والانتقال، لكن مثلت الكثير من القبائل الممتدة بين الظهير الصحراوي للبلدين تشابكا وترابطا، وهو ما وسع العلاقات وعزز المصاهرات.

وتعد قبيلة “أولاد علي” من أشهر القبائل المتواجدة في البلدين، وتمتد من رأس رتاب إلى السلوم، وأفرادها يتنقلون دوما بين البلدين لحضور المناسبات والعزاءات والأفراح.

وتوجد أيضا قبيلة الجوازي، وهي قبيلة ليبية متواجدة في مدينة بنغازي بغرب ليبيا، وانتقل بعض أفرادها إلى مصر في عهد الخديو إسماعيل (1869ــ 1879) ليحاربوا إلى جواره مقابل أن يقطعهم بعض القرى في مدينة الفيوم، جنوب غرب القاهرة ليعيشوا فيها.

عادات مشتركة

يرى علي منصور الصلح، الباحث الاقتصادي والسياسي الليبي، والمقيم في مدينة الإسكندرية، أن التاريخ يلعب دورا هاما في تذويب الحواجز بين المجتمعين المصري والليبي.

ويقول لـ”العرب” إن بعض حكام مصر الفراعنة جاؤوا من ليبيا، لذا فإننا نجد مدينة شحات مثلا، في شمال شرق ليبيا، تغص بالآثار الفرعونية.

وكشف الصلح عن حكاية قديمة مهمة لا يعرفها معظم المصريين (على حد قوله) تخص القديس المسيحي المصري مار مرقس، حيث تعرض للاضطهاد وهرب من الملاحقات في مصر إلى ليبيا واختبأ فيها واحتفى به أهلها وآمنوا بدعوته.

أما في التاريخ الحديث، فقد ساهم الدور الذي لعبته مصر في تأسيس الدولة الحديثة كمملكة في عام 1951 في تقوية الروابط المجتمعية، فقد كانت ليبيا ولايات منفصلة وساند المصريون أهل مدينة برقة لطرد الاحتلال الإيطالي سنة 1949، وتأسيس ولاية مستقلة، ثم تم إنشاء جيش ليبي في مصر ليحرر بعد ذلك ولايتي طرابلس وفزان.

بدأ تقارب المجتمعين بشكل أكبر عندما قامت مصر بإيفاد مهندسين ومدرسين وأطباء لإنشاء الهيئات والمؤسسات الحديثة في ليبيا، ما أسهم في رسم معالم العمران بالدولة الناشئة، وزاد من الروابط المجتمعية وتغلغلها في المجتمع كثافة عدد العاملين المصريين في ليبيا.

خدوجة صبري: الفن الليبي تأثر بشكل كبير بالفن المصري، وظلت القاهرة على مدى عقود طويلة مقصدا للساعين إلى إثبات الذات والتفوق
خدوجة صبري: الفن الليبي تأثر بشكل كبير بالفن المصري، وظلت القاهرة على مدى عقود طويلة مقصدا للساعين إلى إثبات الذات والتفوق

مع تنامي الاحتكاك والتداخل بين الشعبين، توحدت الكثير من العادات والصفات وأصبحت ليبيا تعتمد على العمالة المصرية بالدرجة الأولى، وسُمح لليبيين بالإقامة في مصر وإقامة مشروعات سياحية وتجارية وخدمية عديدة ومتنوعة.

ويرى محمد عبدالسلام محمود، معلم لغة عربية ليبي، قدم إلى مصر قبل خمسة أعوام، ومُقيم في مدينة 6 أكتوبر (جنوب غرب القاهرة) أن الاحتكاك المتكرر بين المجتمعين، على مدار عقود طويلة ساهم في تبادل التأثيرات الاجتماعية والسمات السلوكية. ويشير لـ”العرب” إلى أن الليبيين أخذوا عادة إقامة شوادر كبيرة لاستقبال المُعزين في المآتم من المصريين، الذين يطلقون على شادر العزاء “صوان” ويقام في الأرياف والمناطق الشعبية وفي الشوارع، وهناك عادات أخرى كثيرة مشتركة، غير أنه من الصعب التعرف إن كان الليبيون اكتسبوها من المصريين، أم العكس.

واستشهد بما يخص الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وتوزيع الحلوى وحلقات الذكر التي تقام في تلك المناسبة، حيث لا يوجد اختلاف في الطقوس بين البلدين، ولا يعرف تحديدا من تأثر بمن؟ وماذا أخذ؟

ويعزز الترابط بين الشعبين السمات المشتركة والمميزة، والتي طغت بشكل واضح على المدن المصرية القريبة من الحدود الليبية، وهنا يقول محمد البركي، مهاجر ليبي مقيم في حي المقطم بالقاهرة منذ ثلاث سنوات، إن صفة الصبر من الصفات الشخصية المشتركة بين الشعبين، رغم اختلاف الطبيعة الجغرافية للبلدين.

ويعتقد أن الصحراء الممتدة داخل ليبيا تنمي لدى الناس فضيلة الصبر، وانتظار الفرج من السماء، وهو نفس ما يمنحه النهر الممتد من جنوب مصر إلى شمالها للساكنين على ضفتيه.

ويؤكد لـ”العرب” أن المصريين أكثر تميزا في الفكاهة والسخرية، والكثير من الليبيين المقيمين منذ سنوات تأثروا بذلك، وتحولوا بالفعل إلى صناع نكت وظرفاء يحولون كل هم ومحنة إلى مادة للتندر والسخرية.

وهناك تشابه كبير في أذواق الملابس والمفروشات والأثاث بين المجتمعين، واختبر الليبيون الملابس المصرية منذ الستينات واعتادوا على الأذواق السائدة، حتى أن هناك مسؤولين مازالوا حتى الآن يقومون بحياكة ملابسهم عند مصريين في شارع فرنسا بحي المنشية في الإسكندرية.

تحرص نساء الشرق الليبي على ارتداء العباءات المصنوعة والمصممة في مصر، فضلا عن أن سكان الشرق في ليبيا بشكل عام لا يزالون يتخذون من الطربوش المصري الأحمر، وكان منتشرا خلال العصر الملكي في مصر، غطاء للرأس، بخلاف سكان غرب ليبيا الذين يرتدون طربوشا أسود اللون.

وتتشابه الأطعمة بشكل كبير بين منطقتي غرب مصر، وشرق ليبيا. ويشير أمجد مصطفى، صحافي مصري ينتمي إلى مدينة مرسى مطروح، شمال غرب مصر، إلى أن جميع المأكولات الليبية الشهيرة معروفة ومنتشرة في مدينة مطروح أيضا.

ويقول مصطفى لـ”العرب” إن من أشهر الأكلات التي يتم عملها بذات الطريقة الليبية أكلة “المبكبكة” وهي عبارة عن مكرونة يتم طهيها في صلصة الطماطم يضاف إليها في بعض الأحيان لحم ضأن، ويقوم سكان منطقة مطروح بعمل “العصيدة”، والتركيز في الكثير من الوجبات على البقوليات مثلما هو الحال في شرق ليبيا.

ويقومون بعمل “الكسكس” بنفس الطريقة الليبية، بحيث يُضاف إليه الخضار واللحم، بخلاف سكان القاهرة، الذين يأكلونه محلى ومضافا إليه اللبن، وتوجد أطعمة مشتركة، غير أن أسماءها قد تختلف من مصر إلى ليبيا، كما أن هناك الكثير من العادات الخاصة بالولائم تكاد تكون واحدة في البلدين. يتشابه سكان مرسى مطروح على وجه التحديد في لهجتهم مع الليبيين، وهو أمر طبيعي لأن هناك عائلات واحدة ممتدة بين هذه المنطقة المصرية ومدن ليبيا الشرقية، مثل درنة وطبرق وبنغازي.

الأمثال الشعبية

الصحراء الممتدة داخل ليبيا تنمي لدى الناس فضيلة الصبر، وانتظار الفرج من السماء، وهو نفس ما يمنحه النهر الممتد من جنوب مصر إلى شمالها للساكنين على ضفتيه
الصحراء الممتدة داخل ليبيا تنمي لدى الناس فضيلة الصبر، وانتظار الفرج من السماء، وهو نفس ما يمنحه النهر الممتد من جنوب مصر إلى شمالها للساكنين على ضفتيه

تقدم الأمثال الشعبية تأريخا لشكل العلاقة التي جمعت المصري والليبي من عادات وظروف وثقافة مشتركة. ويكشف كتاب “القيم في الأمثال الشعبية بين مصر وليبيا” لمحمد أمين عبدالصمد أن منطقة شمال غرب مصر ومنطقة شمال شرق ليبيا، تمثلان منطقة مجتمعية واحدة، لها سمات ثقافية متماثلة، وعقل جمعي واحد، واتجاه فكري متقارب.

ويؤكد عبدالصمد أن هناك تشابها كبيرا في الظروف بين المجتمعين، فكلاهما ينتميان إلى أصل قبلي بدوي، استقرا بعد امتهانهم أنشطة اقتصادية كالزراعة أو تربية الماشية أو التجارة، وهي شروط استقرار سمحت لهم بالتراكم والتثاقف مع المجتمعات المتجاورة، ما سمح للمجتمع الليبي بالاحتكاك والتثاقف مع الثقافة الزراعية في وادي النيل وثقافة الواحات المجاورة، خاصة سيوة والواحات البحرية. كما احتكت ثقافة البيضاء مع ثقافتي الساحل والصحراء وتأثرت بهما بعض الشيء.

من هنا لم يكن غريبا أن نجد الكثير من الأمثال الشعبية يتداولها المصريون وهي نابعة من قبائل شرق ليبيا، مقابل أمثال أخرى تتكرر في الحياة اليومية للمجتمع الليبي نابعة من واحات مصر أو المنطقة الغربية بها.

من الأمثال الشعبية المشتركة بين المجتمعين “اسأل مجرب ولا تسأل طبيب”، و”املأ البطن تستحي العين”، و”قرد موالف ولا غزال شرود”، و”الكثرة تغلب الشجاعة”، و”الغالي سعره فيه”، و”المكتوب ما منه مهروب”.

ولا يتوقف الامتداد المصري الليبي عند مستوى تبادل الأمثال، لكن ظهرت الكثير من التأثيرات الثقافية والفنية التي استفاد بها الليبيون من مصر، واتخذ بعض الأدباء والكتاب الليبيين من مصر مركزا لإطلاق إبداعاتهم والمشاركة في الفعاليات الثقافية المتنوعة. وكان لإقامة أدباء مصريين لفترات من حياتهم في ليبيا في السنوات الأولى لاستقلالها، مثل الأديب الراحل محمد فريد أبوحديد، أثر في جذب المبدعين الليبيين إلى الأدب المصري الحديث.

ورغم اختلاف الطبيعة الجغرافية للبلدين، فقد سعى أدباء ليبيون إلى محاكاة فن الرواية والقصص المصرية خلال فترة الستينات، وقدم عدد كبير منهم إلى مصر ونشروا رواياتهم فيها، وحققوا شهرة أيضا.

يقول الناشر المصري رضا عوض، مدير دار رؤية للنشر، إن فترة الستينات مثلت مرحلة انطلاق أدب الصحراء المصري على يد الروائي الراحل صبري موسى، الذي أصدر رواية “فساد الأمكنة” معبرا عن شغف كبير ببراءة الصحراء ونقائها مقابل مجتمع المدينة. ومثّلت تلك الثيمة محورا رئيسيا في الكثير من الأعمال الروائية الصادرة في ليبيا خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.والغريب أن الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي نفسه كتب مجموعة قصصية ركزت على الفكرة ذاتها، حملت عنوان “القرية.. القرية، الأرض.. الأرض، وانتحار رائد الفضاء”، وصدرت عن هيئة الكتاب المصرية بالقاهرة عام 1997، واهتم أدباء ليبيون بروايات نجيب محفوظ، وشكلت بالنسبة لهم دافعا للواقعية الروائية.

"املأ البطن تستحي العين"
"املأ البطن تستحي العين"

وموسيقيا لا ينسى الليبيون من كبار السن نشيد الاستقلال الليبي “يا بلادي بجهادي، ادفعي كيد الأعادي”، والذي قام بتلحينه الموسيقار المصري الراحل محمد عبدالوهاب سنة 1955.

وتقول الفنانة الليبية خدوجة صبري لـ”العرب”، “مصر تحتضن الكثير من المواهب الليبية في التمثيل والغناء والأدب وتساهم في تنميتها وإلقاء الضوء عليها”.

وتقيم خدوجة صبري في القاهرة وتشارك حاليا في التمثيل بمسرحية “حدث في بلاد السعادة”، والتي تعرض على مسرح السلام، وهي من تأليف وليد يوسف، وإخراج مازن الغرباوي.

وتشير إلى أن الفن الليبي تأثر بشكل كبير بالفن المصري، وتعلم الكثير من المبدعين الليبيين من جيل الرواد المصري، وظلت القاهرة على مدى عقود طويلة مقصدا للساعين إلى إثبات الذات والتفوق.

وبشكل عام ينظر المصريون إلى الليبيين باعتبارهم شركاء مجتمع لا ضيوفا فيه. وإذا كانت الدولة على المستوى الرسمي تفرد اهتماما كبيرا بليبيا لاعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية، فإن هناك تعاطفا شعبيا مع النازحين الجدد، لأن الكثير من الأسر المصرية في صعيد مصر كانت ترسل بأبنائها للعمل في ليبيا لعقود طويلة.

ويتآلف المجتمع المصري مع الليبيين الذين يمارسون أعمالا تجارية ويديرون مطاعم وشركات متنوعة في مناطق مختلفة من مصر.

ويكشف أحد المهندسين المصريين الذين عملوا في ليبيا لـ”العرب” أن بعض المصريين الذين كانوا يعملون في ليبيا أقنعوا بعض أصحاب الأعمال فيها بالانتقال إلى بلدهم بعد اندلاع الحرب الأهلية واضطراب الأوضاع الأمنية، وقاموا بالفعل بتنظيم مشروعات متوسطة وصغيرة لهم لاقت نجاحا، ما عزز هجرة المزيد إلى مصر بحثا عن مكان للإقامة والتجارة.

20