مصر لن تقبل بالسد الإثيوبي على حساب أمنها المائي

الجمعة 2015/04/10
مصر هبة النيل.. قضية أمن قومي

خرجت قضية سد النهضة الإثيوبي من سياقها التقني والمحلّي الضيق لتصبح ملفا سياسيا واستراتيجيّا ومسألة أمن قومي لدول حوض النيل، وعلى رأسها مصر. ورغم أن بوادر تهدئة بدأت تلوح في الأفق بعد توقيع اتفاق الخرطوم، إلا أن مصادر القلق والتهديد لاتزال قائمة بما أن الدراسات المتخصّصة تؤكّد أن السد يشكّل خطرا كبيرا على مصر وأيضا على سكان الأقاليم المحيطة به.

اللقاءات الماراثونية التي بدأت أمس الأول في أديس أبابا، وضعت مصر وإثيوبيا ومعهما السودان على محك أول اختبار عملي لاتفاق مبادئ سد النهضة، فاختيار المكتب الهندسي، الذي سيقوم بمهمة التقييم الفني للآثار السلبية المختلفة لسد النهضة، سوف يمنح الاتفاق دفعة قوية للأمام.

وقال علاء ياسين، عضو لجنة التفاوض والمسؤول عن ملف سد النهضة في وزارة الري المصرية، لـ”العرب” إن اختيار المكتب الاستشاري المختص بدراسة آثار سد النهضة الإثيوبي على دولتي المصب، مصر والسودان، عملية فنية معقدة، نظرا لأهمية النتائج المترتبة على دراساته، مضيفا أن هناك حرصا على اختيار أفضل المكاتب المتقدمة ذات الخبرات العالية.

وأضاف أنه عقب اختيار اسم المكتب سيتم الاتفاق على قواعد ملء السد خلال 15 شهرا، مؤكدا استقرار الأوضاع أكثر من أي وقت مضى بعد التوقيع على اتفاقية ملزمة لجميع الأطراف، بالالتزام بنتائج دراسات المكتب الاستشاري. ويتنافس مكتبا “بي آر إل آي” الفرنسي و”دالتا هولندا دالتراس” على الفوز بمسؤولية تقييم واستكمال دراسات سد النهضة الإثيوبي.

ووصف بعض المراقبين الاتفاق المبدئي الخاص بسد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان، والذي تم توقيعه في 23 مارس الماضي بالخرطوم، بأنه لم يشذ عن قاعدة تقديم تنازلات مقابل الحصول على مكاسب، مؤكدين أن القاهرة حصلت على تعهّد مكتوب من إثيوبيا بعدم الإضرار بحقوقها التاريخية من مياه النيل، بينما حصلت أديس أبابا على موافقة مصرية – سودانية على بناء السد مع انتظار التقرير النهائي للجنة الخبراء الدولية حول آثاره المحتملة على تدفق المياه والبيئة.

هاني رسلان: محاولة إثيوبيا التحكم في مياه حوض النيل ستؤدي إلى استمرار الخلاف

وفتح الاتفاق الباب على مصراعيه لتلقى مساعدات من الجهات المانحة لتمويل سد النهضة، ما لم تحدث خلافات عند وضع اتفاقيات تفصيلية.

وعلّق خبراء في شؤون المياه في تصريحات لـ”العرب” قائلين إن القاهرة لم تقدم تنازلات وأنها على علم أن الدراسات الفنية والبيئية، وعلى يقين أن سد النهضة له تداعيات بيئية خطيرة على المنطقة المحيطة به، وسوف يلحق ضررا بدولتي المصب (مصر والسودان) كما أن التربة التي يتم إنشاؤه عليها معرضة للانهيار، الأمر الذي يكشف أحد أسرار رفض إثيوبيا المستمر لوجود خبراء أجانب أو مكتب استشاري محايد.

وعلمت “العرب”، من مصادر مطلعة جابت بعض دول حوض النيل، مثل أوغندا وكينيا، أن تربة سد النهضة تحركت العام الماضي تحت جسم السد، ما اضطر الشركة الإيطالية المنفذة للمشروع إلى حقنها بمواد معينة لعدم زيادة نسبة التحريك.

وأكدت المصادر أن منظمة الأنهار الدولية والمعنية بحماية الأنهار العابرة للحدود، أشارت إلى أن الدراسات السابقة التي أجرتها إثيوبيا حول سد النهضة غير كافية، ولا تليق بسد بمثل هذا الحجم، وأن التقرير السابق الذي تسلمته لجنة الخبراء الدولية لتقييم تداعيات بناء السد على دول المصب، تم إعداده في الأساس لسد أصغر حجما، وأن معدلات الأمان في المستوى الأول لبناء السد لم تكن جيدة.

حقن التربة الإثيوبية

أكدت المصادر أن القاهرة على علم بتحرك التربة تحت سد النهضة واضطرار الشركة الإيطالية المنفذة (سيلليني) لحقن التربة، كما أن تقرير لجنة الأنهار الدولية المتخصصة والمعنية بالأنهار، أوضح أن السد لا يمكن أن يقام بهذه المواصفات وإلا سيؤدي إلى كارثة لجميع الأطراف، وأولها السودان، علاوة على أن تجربة إثيوبيا في إنشاء السدود خاصة سد “جيبي” المقام على بحيرة “توركانا” والآثار البيئية المدمرة التي حدثت في كينيا، تعكس حجم تردي إدارة سياساتها المائية.

وكشفت المصادر أن هناك ضغطا شعبيا على الحكومة الإثيوبية، بسبب وجود رأي عام قوي يدفع باتجاه إنشاء السد لتوليد الكهرباء وضمان التنمية، وهو ما لا تعترض عليه القاهرة، مقابل حق الشعب المصري في المياه.

وشددت المصادر على أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أعطي تعليمات للوفد الرسمي المفاوض مع إثيوبيا بشأن سد النهضة بـ”عدم التفريط في نقطة واحدة من مياه نهر النيل”.

وثيقة الخرطوم لا تحمي المصريين من مراوغات إثيوبيا

وأشارت إلى أن مصر طالبت إثيوبيا ببعثة دائمة من وزارة الري المصرية لضمان تدفق المياه، كالتي توجد في سد جبل الأولياء بالسودان، أو الموجودة في أوغندا، وتطويل فترة ملء خزان السد حتى لا يسبب ذلك جفافا لمصر أو يقضي على نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية، وشددت مصر على مطابقة السد للمواصفات الهندسية الدولية.

وأكّد هاني رسلان، الخبير في شؤون حوض النيل، أن نتائج دراسات المكتب الاستشاري لسد النهضة تتوقف على عدة عوامل، أهمها البيانات التي يتم رفعها لمكاتبها الاستشارية والأسئلة التي تجيب عنها هذه الدراسات، والتي من المفترض تستغرق وقتا طويلا للتفاوض بين الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا).

وتابع رسلان، في تصريحات خاصة لـ”العرب”، أن مصر لديها دراسات علمية تفصيلية تؤكد وقوع ضرر كبير عليها من بناء السد بسعته التخزينية الحالية، وقد سبق تسليم نسخة من هذه الدراسات إلى إثيوبيا بشكل رسمي، لإحاطتها بالموقف المصري بأنه قائم على أسس علمية وموضوعية، وليس نابعا عن رغبة سياسية أو رغبة في إعاقة إثيوبيا عن التنمية، وهذا حق طبيعي لكنه مشروط بعدم إلحاق الضرر بمصر.

من جهته انتقد زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولي المصري السابق، عدم وجود ضمانات قانونية ملزمة للحفاظ على حقوق مصر في اتفاق سد النهضة.

وقال بهاء الدين إن انتهاج سبيل التعاون بدلا من الصدام في ما يتعلق بمياه النيل قرار صائب، لكن يلزم أن تصاحبه ضمانات قانونية وملزمة من الآن للحفاظ على حقوق مصر، كما أنه يجب أن يصاحبه وضع سياسة زراعية ومائية شاملة تتعامل مع واقع مائي جديد لا يمكن تجاهله.

وأكد خالد وصيف، المتحدث باسم وزارة الموارد المائية والري، لـ “العرب”، أن اتفاق المبادئ الخاص بسد النهضة، نص على تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدوليين بشأن الآثار السلبية التي قد تثبتها الدراسات المقررة على البيئة المحيطة وتدفق مياه النيل الأزرق نحو مصر والسودان والعمل على معالجتها.

وأشار إلى أن الاتفاق سوف يشرك القاهرة والخرطوم في وضع قواعد تشغيل السد وملء بحيرته لمنع حدوث نقص في المياه أو تأخير وصولها بقدر لا تحتمله أي منهما، حيث ينص على التنسيق بين تشغيله وتشغيل السدود المصرية والسودانية ومراعاة مستوى المياه في بحيراتها، من خلال إنشاء آلية تنسيق دائمة بين الدول الثلاث.

ولفت إلى أن الاتفاق لم يتعرض بسوء لاتفاقيات 1891 و1902 و1929 التي تتطلب موافقة مصر على أي سدود ومنشآت تقيمها إحدى دول المنابع على مجرى النيل أو روافده أو فروعه من شأنها أن تنقص المياه أو تؤخر وصولها إليها، كذلك اتفاقية 1959 التي حدّدت حصتها المائية بـ 55.5 مليار متر3 سنويا.

القاهرة تملك معلومات مؤكدة عن وجود آثار سلبية للسد، وأديس أبابا أخفقت في مجاراة إفشال الدبلوماسية المصرية

مكاسب الاتفاق

قال أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي في تصريحات لـــ”العرب”، إن المقارنة الدقيقة بين وضع مصر قبل التوقيع على إعلان المبادئ وبعده، تشير إلى أن إعلان المبادئ جاء في توقيت هام لإزالة حالة القلق والتوتر التي خيمت على العلاقات المصرية الإثيوبية، نتيجة الخلافات حول موضوع سد النهضة، من خلال توفير أرضية صلبة لالتزامات وتعهدات تضمن التوصل إلى اتفاق كامل حول أسلوب وقواعد ملء خزان السد وتشغيله السنوي بعد انتهاء الدراسات المشتركة الجاري إعدادها.

وأوضح سلامة أن الاتفاق تضمّن عشرة مبادئ أساسية تحفظ في مجملها الحقوق والمصالح المائية المصرية، وتتسق مع القواعد العامة في مبادئ القانون الدولي الحاكمة للتعامل مع الأنهار الدولية، مشيرا إلى أن الاتفاق تناول تلك المبادئ من منظور علاقتها بسد النهضة وتأثيراته المحتملة على دولتي المصب، وليس من منظور تنظيم استخدامات مياه النيل التي تتناولها اتفاقيات دولية أخرى قائمة ولم يتم المساس بها، حيث لم يتعرض الاتفاق من قريب أو بعيد لتلك الاتفاقيات أو لاستخدامات مياه نهر النيل، ويقتصر فقط على قواعد ملء وتشغيل السد.

وأشار سلامة إلى أن الاتفاق تضمن لأول مرة آلية لتسوية النزاعات بين مصر وإثيوبيا، من ضمنها التشاور والتفاوض والوساطة والتوفيق، وكلها أدوات نص عليها القانون الدولي لتسوية أي خلافات قد تطرأ حول تفسير أو تطبيق بعض نصوص الاتفاق، ويعكس القبول الإثيوبي لهذا المبدأ قدرا كبيرا من الثقة والشفافية في العلاقة مع مصر لم تكن موجودة من قبل، ونجاحا حققته مصر في التقارب الحقيقي والعملي مع إثيوبيا.

ويظل المكسب الرئيسي الذي تحقق، يتمثل في نجاح دول حوض النيل الشرقي الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) في وضع اللبنة الأولى لتعاون أكثر استدامة، ومن المتوقع أن يتبع تلك الخطوة انضمام الدولة الرابعة العضو في هذا الإطار وهي جنوب السودان.

7