مصر ليست شاعرة.. ما العيب في ذلك؟

الأحد 2017/03/05
لوحة للرسام بسام ناصر

مصر ليست شاعرة. ليست بلد شعراء. شعرها ضعيف ولا يرقى إلى مستوى الشعر العربي في قديمه وجديده على حد سواء. أفي تلك الجمل التي هي أحكام يائسة وسواها من شبيهاتها ما يمكن أن يشكل مصدر انتقاص من قيمة مصر الثقافية بشكل عام والأدبية بشكل خاص؟

من المؤكد أن الشخصية المصرية كما نعرفها وكما حرص المصريون على تقديمها لا تستسيغ جدلا من ذلك النوع. فهي تفترض أن على الآخرين أن يستسلموا لقناعاتها وأن يكتفوا بالإنصات إلى ما تقول من غير أن يظهر عليهم أيّ نوع من الاستفهام.

في هذا ظلم المصريون أنفسهم حين حرموها من متعة النظر في مرآة الآخرين. لقد أصرّ المصريون على تفوّقهم، بالرغم من أن الكوارث التي ضربت مصر كانت ومنذ عقود قد أصابت بخلخلتها الثقافة فتراجع الإبداع في كل جوانبه وصعدت طبقات من الأميين لتفرض ذائقتها الجمالية على مجتمع، كان قبل عقود يوجه ذائقة العرب في مجالات ثقافية، فرضت مصر من خلالها تفوقها، غالبا بغزارة إنتاجها كما في السينما وأحيانا بما يبهر من علوّ نوعي كما في الغناء.

لدى المصريين الكثير مما يفخرون به في المجال الثقافي. هو الشيء نفسه الذي يفخر به العرب من حولهم. المركزية المصرية هي حقيقة، اجتهد المصريون عبر عصور نهضتهم في تكريسها، غير أنها صارت مع الوقت عقدة تمنعهم من النظر بقدر من الإنصاف إلى إخوتهم الذين ظلوا من وجهة نظرهم صغارا وهو ما يعني انغلاقا متعصبا على الذات وعلى الماضي في الوقت نفسه. فهل حرم المصريون أنفسهم من الاستفادة من إنجازات إخوتهم الذين لم يعودوا صغارا، بل إنهم لم يكونوا كذلك عبر العصور وبالأخص على صعيد الشعر؟

الوقائع تقول إنهم حاولوا جاهدين الاستفادة من منجزات القصيدة الحديثة في العراق وسوريا ولبنان. تلك المنجزات التي شكّلت سلّما لصعود الحداثة الفنية وبزوغ فجر لغة شعرية جديدة ومغايرة. كان هناك على سبيل المثال محمد عفيفي مطر، شاعر ستينات القرن العشرين الذي يُمكن أن يُقرأ باعتباره تجربة شعرية خالصة. كان هناك من بين الجيل الشعري الذي ظهر في منتصف ونهاية سبعينات القرن الماضي مَن سعى إلى اكتشاف أنسي الحاج، بعد أن حُرم المصريون من قراءة مجلتي حوار وشعر اللبنانيتين بسبب التشويش الذي مارسه بعض المثقفين من رواد الردح القومي أثناء المرحلة الناصرية.

تأخر المصريون في اكتشاف الشعر العربي الحديث وذلك لسببين هما: الأول يتمثل في عقدة التفوق التي سحقتهم ولم تكن لتؤثر على الآخرين. أما الثاني فقد تمثل في سلوك المؤسسة الثقافية المصرية التي نظرت بريبة إلى كل ما لا يقع تحت هيمنتها ويرافقها نظريا.

غير أن هناك مشكلة هي الأكثر تعقيدا على صعيد التفاعل المصري مع المنجز الشعري العربي الحديث. قد لا يكون مسيئا لمصر أنها لم تكن تمتلك إرثا شعريا يُعتدّ به. مصر الروائية ليست هي مصر الشعرية. لذلك لم يكن في إمكان المصريين أن يتفاعلوا مع ذرى الشعر الحديث التي كانت ظهرت في أربعينات وخمسينات القرن العشرين في لبنان والعراق وسوريا بطريقة إيجابية، لا لشيء إلا لأنهم لم يكونوا يملكون المواهب الكبيرة التي في إمكانها أن تستوعب وتهضم أسباب تلك التحولات وتندفع وراء تجلياتها.

المركزية المصرية هي حقيقة، اجتهد المصريون عبر عصور نهضتهم في تكريسها، غير أنها صارت مع الوقت عقدة تمنعهم من النظر بقدر من الإنصاف إلى إخوتهم الذين ظلوا من وجهة نظرهم صغارا

لذلك من الصعب القبول بالحكم النقدي الذي يزعم أن صلاح عبدالصبور كان قد تأثر ببدر شاكر السياب. ففي بلد ظل فيه فاروق شوشة وفاروق جويدة شاعرين مؤثرين وأساسيين حتى الألفية الثالثة لا يمكن توقع أن يُحدث حضور السياب فيه تأثيرا يُذكر قبل سبعين سنة.

لم يكن المصريون قادرين على فك طلاسم الشعر الحديث كما كتبه وقرأه العرب في العراق وبلاد الشام لأنهم لا يملكون الحساسية الشعرية المناسبة للقيام بذلك الفعل الخلاق. هم باختصار صناع رواية. مصر هي بلد الحكي بامتياز. في العالم العربي لا يملك شعب القدرة على أن يصنع من لا شيء حكاية مثل الشعب المصري. ليس هناك من يضاهي نجيب محفوظ على الصبر على مصائر أبطاله.

لقد وهبت مصر العالم قاصا عظيما هو بوسف إدريس. ألم يكن غالب هلسا وهو أردني واحدا من عبقريات مصر الروائية؟ مصر تُعدي روائيا. هواؤها مشبع بالحكايات. غير أنها لا تملك القدرة على استيعاب فزع وذعر وهلع وتشنج ولهاث واستفهام وعدوانية وفوضى وبراءة ونضارة وقوة وصمت وفجائعية وقسوة وضجر ونفور وتفكك وعذاب اللغة التي تقول الشعر.

كانت مصر قبل أن تغزوها فوضى الانفتاح الساداتي بلدا منظما. حتى فقره لم يكن معلبا. كان القبول بالفقر الطبيعي ممزوجا بالانبهار بأم الدنيا التي هي القاهرة والتي يطلق عليها المصريون تسمية مصر. وكان هناك مثل شعبي مصري عنصري يستهين بالآخر بطريقة مذلة يقول “يلي داخل مصر منك كثير”. تلك هي مصر التي وجد شعراؤها أن من الصعب عليهم أن يتفاعلوا مع استفهامات الانفجارات الشعرية الكبرى التي حدثت في العراق وبلاد الشام.

ما من إساءة للمصريين في ألّا يكونوا شعراء مثلما ما من إساءة للعراقيين في ألّا يكونوا سينمائيين. كان العراقيون شعراء وهو قدرهم المؤلم في حين كان المصريون سينمائيين وهي صناعتهم الباذخة التي تعلّموها من الرواية وهي حرفتهم الشعبية.

ولأن الشعر لا يصلح أن يكون صناعة فلم يتماه معه المصريون إلا في حدود الشعر العامي الذي كان في جزء عظيم منه صناعة لفظية، غير أنهم أبهروا أنفسهم من خلاله في نماذج من نوع نجيب سرور وسيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودي وصلاح جاهين وقبلهم فؤاد كامل كما أنهم صنعوا تاريخا للوجدان العربي من خلال الشعر الغنائي الذي تحول مع الوقت إلى جزء من الشخصية العربية.

ما ينتظره العرب من المصريين هو أكبر مما ينتظره المصريون من العرب. تلك هي المعادلة التي يجب النظر إليها بإنصاف. فإذا كان العرب لا ينتظرون من المصريين شعرا فإنهم ينتظرون منهم روايات.

ما يجب أن نعترف به مجتمعين أن المصريين يملكون مفهوما للشعر خاصا بهم. لذلك فإن مقارنتهم بسواهم تظلمهم. ما تحقق من فتوحات عظيمة في الشعر على أيدي شعراء من نوع بدر شاكر السياب وأدونيس ونزار قباني وسعدي يوسف وأنسي الحاج وحسب الشيخ جعفر ومحمود درويش هو أكبر من الواقع الذي سمح لشوشة وجويدة أن يكونا شاعرين.

أخيرا أكرر مضطرا أن ليس هناك ما يسيء إلى مصر أو يقلل من قيمتها أو يزيحها عن المركز في أن يُقال إنها لم تهب العربية شعراء كبارا. فالشعر كما قلت ليس صناعة. ينتمي الشعر إلى الفنون الانفعالية، بريته الشاسعة لا تنسجم مع وجود بنية ثقافية مهيمنة ومتراصة ومتماسكة مثل تلك البنية التي لا تزال بقاياها موجودة في مصر بالرغم من الانهيارات العظيمة التي تعرضت لها بلاد النيل. الشعر كائن هش ومصر تتباهى بقوتها التي حين تعرضت للانحسار ضعُف العرب.

كاتب من العراق

14