مصر ماضية في طريق استعادة المنابر من أيدي دعاة التطرف

الخميس 2014/11/20
دعوات الفتن تهدد منوال التعايش السلمي الذي طالما عرف به المصريون حتى في أشدّ الأزمات فتكا

القاهرة - اشتعل الموقف، من جديد خلال الأيام الماضية، بين وزارة الأوقاف المصرية التي تريد تعميم الخطاب الأزهري الوسطي المتسامح من جهة وحزب النور السلفي والإخوان اللذين يعملان على بث سموم التطرف والتشدد من جهة أخرى، بعد قرار تفعيل قانون الضبطية القضائية في المساجد وتطبيقه على كل من يعتلي المنابر من غير الأزهريين، خاصة التي اعتاد شيوخ التيار السلفي اعتلاءها، واعتبرت (الأوقاف) أنّ بعض شيوخهم يتسببون في إثارة الفتن والتحريض على العنف.

تحاول الأوقاف، وفقا لنص القرار، ملاحقة تلك الفئة من الخطباء غير المعتمدين من الأزهر، للسيطرة على الوضع داخل المساجد، الأمر الذي وضع الحكومة المصرية في مأزق حاد، لأنّه من شبه المستحيل إحكام السيطرة على جلّ المساجد في مصر، لكثرة عددها، خاصة تلك الصغيرة (الزوايا) المتواجدة في بعض القرى والأحياء الشعبية.

من جهته، قال محمد عبدالرازق، وكيل أوّل وزارة الأوقاف ورئيس القطاع الديني، في تصريح لـ”العرب”: “إنّ الوزارة شرعت في توزيع 100 “كارنيه” للضبطية القضائية على قيادات ومفتشي الوزارة الحاصلين عليها، خلال ملتقى الأئمة بمسجد النور في ضاحية العباسية بالقاهرة”.

ويذكر أنّ وزير الأوقاف مختار جمعة كان قد التقى أخيرا، وزير العدل المستشار محفوظ صابر، للتنسيق معه حول مسألة منح وإصدار الضبطية القضائية لبعض قيادات مفتشي الأوقاف، لضبط شؤون الدعوة والمساجد والحفاظ عليهما من الدخلاء وغير المتخصصين.

وقد تم الاتفاق على إرسال كشوفات بأسماء المخولين لإصدار الضبطية القضائية من بين قيادات ومفتشي الأوقاف خلال أسبوع، أو أسبوعين على الأكثر، وسوف يتم تسجيل أسماء المفتشين المعنيين في أقسام الشرطة والنيابات العامة.

مساجد مصر تشهد، منذ ثورة يناير 2011، حالة من التجاذب بين دعاة التشدد والتطرف وهياكل الدولة

وفي سياق متّصل، قام وزير الأوقاف بتوزيع عدد من بطاقات الضبطية القضائية على قيادات الأوقاف والأزهر، لممارسة تلك المهمّة الّتي سبق أنّ قرّرها لهم قانون تنظيم الخطابة والدروس الدينية بالمساجد، الّذي أصدره الرئيس السابق عدلي منصور في يونيو الماضي، والذي يحظر على غير المختصين بوزارة الأوقاف ووعاظ الأزهر المصرح لهم ممارسة الخطابة من العمل بالدعوة.

وقد أعطى هذا القانون للأئمة بالأوقاف صفة “مأموري ضبط قضائي” لتنفيذ أحكامه، ونص على معاقبة من يمارس الخطابة دون ترخيص بالسجن لمدّة ثلاثة أشهر وتغريمه ماديا بغرامة تصل إلى 50 ألف جنيه مصري (حوالي 7 آلاف دولار)، كما اعتبر ارتداء الزي الأزهري لغير الأزهريين أو إهانة الزي والاستهزاء به جريمة يُعاقب مرتكبها بالحبس لمدّة تصل إلى سنة وغرامة تصل إلى 30 ألف جنيه مصري (حوالي 4 آلاف دولار).

وفي هذا الإطار، أكّد محمد عبدالرازق لـ”العرب” على أحقية أصحاب الضبطية بتنفيذ القانون في جميع المحافظات، ومعاقبة من يرتدي الزيّ الأزهري ويحاول بث سمومه من خلال المنابر والمساجد، وتحويله مباشرة إلى أنظار النيابة، مشيرا إلى أنّ موقف الوزارة ثابت وهي تتعامل بطريقة واحدة سواء مع المساجد الكبيرة أو (الزوايا)، موضحا أنّ ثمة عملية تشويش تستهدف الوزارة لابتزازها والضغط عليها للسماح باستخدام المساجد كمقرّات انتخابية واستغلالها في الدعاية الانتخابية، وهو ما لم تسمح به الأوقاف لأي حزب أو تيار سياسي.

عبدالناصر نسيم: "الوزارة ملتزمة بنشر الفكر الوسطي القائم على مبادئ التسامح"

قرار الأوقاف هذا لم يلق ترحيبا من قبل البعض، خاصة من بين الخطباء غير المعتمدين. الكاتب الصحفي فهمي هويدي (القريب من التيار الإسلامي)، هو أحد الذين عبّروا عن رفضهم لهذا القرار، حيث وصفه بـ”شرطة الأوقاف الجديدة”، وذكر في مقالة له، نشرت في جريدة “الشروق المصرية الخاصة”، عدد الاثنين، “أنّ الفكرة لا تختلف عن محاكم التفتيش التى عرفتها أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والتي بدأت بتكليف بعض الرهبان بملاحقة المتمردين على الكنيسة الكاثوليكية في جنوب فرنسا ومحاكمتهم، مع فارق بسيط هو أنّ سلطة الضبطية التي منحت للرهبان آنذاك خوّلت لهم حق ضبط أولئك الخارجين عن الكنيسة ومحاكمتهم، أمّا في تجربتنا فقد تمّ تقسيم العمل، حيث يتولى الضبط مفتشو الأوقاف، أمّا المحاكمة فقد ترك أمرها للنيابة”.

كما أوضح هويدي، في ذات المقالة أنّه لو كان الهدف من الضبطية محاصرة أفكار الإخوان والسلفيين، فإنّ ذلك الحصار لا يتحقق بترهيب الخطباء أو إحالتهم إلى النيابة العامة، لأنّ الفكر لا يحارب بمثل تلك الإجراءات الأمنية والقانونية، مستشهدا بتجربة منظمة (داعش) الإرهابية التي بثت أفكارها وجندت عناصرها داخل العالم العربي وخارجه دون حاجة إلى منابر للخطابة أو إلقاء دروس دينية، حيث وفّرت لها مواقع التواصل الاجتماعي فرصة الاتصال بالجميع، وفق تعبيره.

من جهتها، أكّدت وزارة الأوقاف على أنّها اختارت الحاصلين على الضبطية القضائية بعناية فائقة، لضبط شؤون الخطابة بالمساجد، ومنع الدخلاء وغير المؤهلين وغير المتخصصين من اقتحام المنابر، وهذا ما أكده عبدالناصر نسيم وكيل وزارة الأوقاف الذي شدد في تصريحات خاصة لـ“العرب” على أنّ الوزارة تعمل من أجل إعلاء مصلحة الوطن فوق أيّ مصالح شخصية أخرى، والالتزام بنشر الفكر الوسطي الصحيح القائم على مبادئ التسامح والتعايش ومحاربة التطرف والإرهاب”.

ورأى نسيم أنّ اللوائح والقوانين تحتاج إلى من يحميها، والضبطية القضائية ليست سوى شكل من أشكال هذه الحماية.

كما أضاف أنّ الوزارة تسعى إلى القضاء على الفوضى الدعوية والأفكار المتشددة التي لا تمت بصلة إلى جوهر الدين المتسامح، وأنّها لن تسمح بالتعدّي على المساجد، حيثُ سيطر رجال الأوقاف سيطرة كاملة على المساجد والزوايا ضدّ من يتاجرون بالدين.

يذكر أنّ مساجد مصر تشهد، منذ ثورة يناير 2011، حالة من التجاذب بين أصحاب الأفكار المتشدّدة والمتطّرفة بشقيهم السلفي والإخواني، وبين هياكل الدولة التي تعوّل على الخطاب الأزهري الوسطي المعتدل الذي يعلي قيم التحابب والتعايش بين جل المصريين.

13