مصر محاصرة بين ضغوط صندوق النقد وضغوط الشارع

لقد سبق وأن عاشت مصر أحداثا مع الرئيس الراحل أنور السادات تشبه إلى حد كبير ما تعيشه اليوم، فقد تحصلت مصر في أواخر السبعينات من القرن الماضي على قرض من صندوق النقد الدولي تسبب في تغيير سياستها الاقتصادية، مما دفع الشارع إلى الخروج والتظاهر في ما عرف بـ”انتفاضة الخبز”. واليوم تعيش مصر نفس التجربة تقريبا، لكن وسط تحديات أخرى وظرف آخر يتميز بالتقلب والتوتر على مستوى جيرانها، فهل يمكن الإقرار بأن النظام المصري قد استوعب الدرس الماضي؟
الجمعة 2016/09/23
الأرقام أصبحت تخيف المصريين

لا ينسى المصريون الذين عاشوا حقبة السبعينات من القرن الماضي المظاهرات والاحتجاجات الواسعة التي اندلعت يومي 18 و19 يناير من العام 1977، وذلك حين أعلن عبدالمنعم القيسوني، رئيس المجموعة الاقتصادية في مصر حينها، عن رفع أسعار عدد من السلع الأساسية، ومنها الخبز والأرز والسكر، بشكل كبير ومفاجئ، وذلك في إطار إصلاحات اقتصادية اشترط صندوق النقد الدولي القيام بها قبل تقديم قروضه لمصر، إلا أن اتساع نطاق الاحتجاجات أجبر الرئيس الراحل أنور السادات على إلغاء الزيادة في أسعار السلع الأساسية، والدفع بالقوات المسلحة إلى الشارع لبسط الأمن والنظام. وأطلق البعض من الأكاديميين على هذه الاحتجاجات “انتفاضة الخبز”، فيما وصفها السادات بأنها “انتفاضة الحرامية”، وذلك على سبيل السخرية مما رافقها من أعمال السلب والنهب، ولكنها سخرية تخفي ما شكلته هذه الانتفاضة من تحديات كبيرة لنظامه في ذلك الوقت.

بعدها تعلّمت الحكومات المصرية المتعاقبة الدرس، فتجنبت رفع أسعار الخبز والأرز وغيرهما من السلع التي تمثل القوت اليومي للمواطن المصري البسيط، وذلك بعد أن أثبتت التجربة أن هذا المواطن قد ينفجر إذا لم يجد ما يسد به رمق أطفاله. ولم تلجأ الحكومات المصرية إلى صندوق النقد إلا في الفترة التي تولى فيها عاطف صدقي رئاسة الوزراء أثناء حكم مبارك، وذلك في العام 1991، ولكن لم يتم رفع أسعار السلع الأساسية وقتها، ولكن صدقي اعتمد على قرض الصندوق لدفع عملية الخصخصة وإصلاح سوق المال. وعلى الرغم من ذلك ظل صندوق النقد مرتبطا في أذهان غالبية المصريين برفع الدعم وزيادة الأسعار، وزيادة حياة الفقراء قسوة وشدة وبؤسا.

"عدو الفقراء"

في الواقع فإن صورة صندوق النقد باعتباره “عدوا للفقراء” ليست قائمة في الشارع المصري فقط، بل هي ذات الصورة في الكثير من دول العالم الثالث التي أجبرتها أزماتها الاقتصادية على اللجوء إلى الصندوق للحصول على قروض، خاصة وأن قيمة الفائدة على هذه القروض منخفضة مقارنة بتكلفة الاقتراض من الأسواق العالمية أو حتى الاقتراض الداخلي. ولكن في المقابل يشترط الصندوق اتباع السياسات الاقتصادية التي يتبناها، وهي سياسات نيوليبرالية تقوم على أساس توسيع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي باعتباره أكثر كفاءة في إدارة المشروعات المختلفة، وتقليص دور الحكومة وشركات القطاع العام، والإسراع في عمليات الخصخصة لإنهاء دور هذه الشركات، والاعتماد على آليات السوق في تحديد سعر العملة، وتخفيض الدعم قدر المستطاع للتخلص من الأعباء التي يمثلها على الموازنة العامة للدولة. ولا تهتم سياسات صندوق النقد كثيرا بالأعباء الهائلة لكل هذه القرارات على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، ولا تلقي بالا لقضايا العدالة الاجتماعية، ولكن تقوم على أساس أن هذه السياسات ستؤدي إلى الزيادة في فرص العمل وإدارة الاقتصاد بشكل أفضل، وبالتالي سيستفيد منها لاحقا الكثير من الفقراء والعاطلين.

يجب أن تقوم مصر بخطوات مؤثرة لتخفيض العجز الهائل في الموازنة العامة للدولة، والذي بلغ 12 بالمئة من الناتج المحلي

في إطار هذه السياسات، يمكن أن نتفهم ما الذي يجب على مصر القيام به بعد أن توصلت بالفعل إلى اتفاق مع صندوق النقد للحصول على 12 مليار دولار سيقع سدادها على أربع سنوات، وأعلنت الجمعة 9 سبتمبر عن تلقي مليار دولار كدفعة أولى من هذا القرض.

أولا: يجب أن تقوم مصر بخطوات مؤثرة لتخفيض العجز الهائل في الموازنة العامة للدولة، والذي بلغ 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في موازنة العام 2016. وارتفعت ديون مصر لمواجهة هذا العجز إلى أكثر من 2.25 تريليون جنيه من الديون الداخلية، ونحو 53 مليار دولار من الديون الخارجية، هذا على الرغم من المساعدات المالية السخية التي حصلت عليها القاهرة من الخليج، خاصة من دولتي الإمارات والسعودية.

الخطوات المطلوبة

من أبرز الخطوات التي يجب القيام بها في هذا السياق تخفيض الدعم لقطاع الطاقة. ومؤخرا أعلنت الحكومة المصرية عن رفع أسعار الكهرباء بنسبة تصل إلى 40 بالمئة، وهي زيادة هائلة بلا شك، كما تم رفع أسعار الغاز بشكل ملحوظ. ومن المخطط أن ينتهي دعم الطاقة تماما، بحيث يحصل عليها المواطن المصري بأسعار السوق، في خلال فترة من 3 إلى 4 سنوات. هذا علاوة على رفع الدعم تدريجيا عن قطاعات كثيرة مثل السكك الحديدية. وهذا كله إلى جانب تخفيض النفقات العامة، أما في الجانب الآخر، وهو زيادة إيرادات الدولة، فقد أصدرت الحكومة المصرية مؤخرا قانون القيمة المضافة الذي يزيد الضرائب بنسبة نحو 13 بالمئة على قائمة طويلة من السلع والخدمات.

ثانيا: يطالب صندوق النقد الحكومة المصرية باتباع سياسات أكثر مرونة لتحديد سعر صرف العملة المصرية وفقا للعرض والطلب. وبحسب ما نقلت صحيفة “فاينانشال تايمز” عن كريس يارفيس، رئيس فريق صندوق النقد الذي تفاوض مع الحكومة المصرية، فإن الصندوق طالب مصر بالحصول على دعم إضافي بمبلغ 5 أو 6 مليارات دولار، بخلاف قرض صندوق النقد، لدعم احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية قبل تخفيض محتمل في قيمة الجنيه المصري.

ونظرا إلى أن سعر صرف الدولار يبلغ 8.88 في البنوك الرسمية، فيما يرتفع إلى نحو 13 جنيها في السوق الموازية، فإن قيام البنك المركزي باتباع سياسات مرنة تعتمد على العرض والطلب يعني عمليا تخفيض قيمة الجنيه. وهذا يعني بالتبعية ارتفاعا كبيرا في أسعار أغلب السلع والخدمات نظرا لأن قطاع الصناعة المصري يعتمد على استيراد الكثير من الآلات وقطع الغيار والمواد الخام، الأمر الذي يعني ارتفاع تكلفة الإنتاج مع ارتفاع سعر الدولار.

مصر تحاول الحصول على ودائع إضافية من دول الخليج لمساعدتها على الإيفاء بشروط صندوق النقد

وبالفعل تحاول مصر الحصول على ودائع إضافية من دول الخليج لمساعدتها على الإيفاء بشروط صندوق النقد. ويرى كريس يارفيس أن كل هذه الخطوات ستؤدي إلى تخفيض إجمالي الدين العام وتحسين الوضع في سوق العملات الأجنبية بتوفير المزيد منها، وزيادة النمو الاقتصادي، وتحسين مؤشرات الأداء الاقتصادي بشكل عام.

غير أن هذه الخطوات ستؤدي إلى رفع الدعم عن خدمات أساسية لا غنى عنها لأي مواطن، مثل الكهرباء والنقل، وستؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار أغلب السلع والخدمات مع فرض ضريبة القيمة المضافة، وستخفض القيمة الحقيقية لدخول المواطنين مع الانخفاض المستمر في قيمة الجنيه المصري أمام الدولار.

وفي بلد يعيش نحو 40 بالمئة من سكانه تحت خط الفقر، ويبلغ الدخل اليومي للفرد نحو دولار واحد، وتنتمي أغلبية الباقين إلى طبقات محدودة الدخل، وتعاني نسبة كبيرة من شبابه من البطالة، يقدرها البعض بنحو 40 بالمئة من قوة العمل المتاحة في قطاع الشباب، فإن كل هذه الإجراءات تمثل ضغوطا هائلة على حياة الأغلبية الساحقة من المصريين. ومؤخرا خرج المئات من الآباء والأمهات في مظاهرات عفوية في القاهرة بعد رفع الدعم عن حليب الأطفال، ومضاعفة سعره بين يوم وليلة، ولم تكن هذه الاحتجاجات مرتبطة بأي نشاط سياسي، ولكنها رد فعل تلقائي لعجزهم عن توفير الحليب لأطفالهم بسعر السوق.

كاتب مصري مقيم في لندن

6