مصر: هوامش على تجديد الخطاب السياسي

البلاد لم تشهد هذا المد الكاسح ممن يشهرون الأسلحة، ويحتكرون صكوك الوطنية فيمنحونها من يشاؤون، ويحرمون منها المغضوب عليهم غير الضالين، ولا يحتملون رأيا يناقش.
الثلاثاء 2018/04/03
خطاب السيسي الديني أولى بأن يستبدل به خطاب سياسي جديد

في المراجعة الأخيرة، اكتشفت خطأ إملائيا في العنوان الذي خلت فيه كلمة “السياسي” من حرف “الألف”، وهو خطأ ربما تصلحه عين قارئ حسن النية لن يسيء الظن بقراءة الكلمة على هذا النحو “السيسي”. وفكرت أن أترك الخطأ بعد التنبه إليه؛ لعل الصيغة هكذا أوقع، وأكثر دلالة وتحديدا واتساقا مع العقل الباطن، وقلت لنفسي إن لدينا طائفة من عابري العصور، يتمتّعون بقدرة مزمنة على أن يزينوا لأي حاكم سوء عمله فيراه حسنا، ووجدت لهم أصلا في ألف ليلة وليلة، منسوبا إلى هارون الرشيد وهو يتهم أبا نواس الذي تمتع بسرعة البديهة؛ فلم يضيّع فرصة القصاص اللفظي من الخليفة، أما ذرية أبي نواس ممن تصدق عليهم هذه الصفة فيفتقدون موهبته.

وكان الرشيد، حسب خيال كتاب الليالي، قد دخل دار أبي نواس، ورأى ما استنكره، وأنكره. فقد غلب السكر على الرجل، وفي زحام الغلمان لم يعرف له يدا من رأس، واستفاق من سكره لهيبة الخليفة، وكان الحال يغني عن السؤال، فقال له “يا أبا نواس قد استخرت الله تعالى ووليتك قاضي المعرّصين. فقال أبو نواس: وهل تحب لي هذه الولاية يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. فقال: يا أمير المؤمنين هل لك من دعوة تدعيها عندي؟ فاغتاظ منه أمير المؤمنين، ثم ولى وتركهم وهو ممزوج بالغضب”. ومنذ تلك الواقعة لم يفعلها حاكم ويسمي أحدا من هذا الصنف البشري باسمه، ولو من باب الردع.

ليس من الخطاب السياسي ولا المدني أن يعلن الحاكم، وأخص عبدالفتاح السيسي، أنه مسؤول عن مهام وظيفته أمام الله، وأنه سيقدم إلى الله يوم القيامة كشف حساب. هذا ليس استخفافا بالشعب ولكنه غفلة عن قطاع من المواطنين ربما لا يؤمنون بالله، ولا يعنيهم العدل في الآخرة، ومن حقهم أن يحاسب المسؤول أمام الشعب وفقا لآليات حددها دستور. أما هذا الخطاب الديني فهو تجاوز لدستور ينصّ على مراقبة أداء الرئيس وتنصّ مادته رقم 140 على أن رئيس الجمهورية “ينتخب لمدة أربع سنوات ميلادية.. ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة”.

أما خطاب السيسي الديني فهو أولى بأن يستبدل به خطاب سياسي جديد، وهذا التغيير ليس هينا، فلا يحتمله إلا سياسي يثق بشرعيته، ونخبة تؤمن بأن تأثير الكلام إذا نطق به ذوو المصداقية أقوى وأدعى إلى التغيير، ولا يكون ذلك إلا في “دولة” لا تعاني الهشاشة، ولا تتصدع مؤسساتها بسبب تصريح أو شائعة، ولا تتفرغ أجهزتها الأمنية والإعلامية والقضائية لمطاردة نفثات مصدورين، قليلي الحيلة، في وسائل التواصل الاجتماعي، ويسارع ذرعانها المذعورون من الكتبة والكتائب الإلكترونية إلى التكفير الوطني، والقتل المعنوي، ليس للمعارضين، وإنما لغير المؤيدين.

الخطاب السياسي العام يحتاج إلى إعادة النظر، وينتظر أن يتولى خبراء الطب النفسي واختصاصي علم الاجتماع تشخيص مرض مصري غير مسبوق، لمعرفة أسبابه

الخطاب السياسي العام يحتاج إلى إعادة النظر، وينتظر أن يتولى خبراء الطب النفسي واختصاصي علم الاجتماع تشخيص مرض مصري غير مسبوق، لمعرفة أسبابه، فلم تشهد البلاد هذا المدّ الكاسح ممن يشهرون الأسلحة، ويحتكرون صكوك الوطنية فيمنحونها من يشاؤون، ويحرمون منها المغضوب عليهم غير الضالين، ولا يحتملون رأيا يناقش، وليس بينهم رجل لديه بعض الرشد الذي تمتع به خالد محمد خالد، حين عقب عام 1962 على كلمة جمال عبدالناصر في مؤتمر يذيعه التلفزيون مباشرة، وقال إن الديمقراطية “أن يكون الشعب قادرا على أن يختار حكامه باقتراع حر، وأن يكون الشعب قادرا على أن يغير حكامه باقتراع حر. الديمقراطية هي أن يمارس الشعب مسؤوليته، وأنا لا أجامل حين أقول إننا إذا أضعنا على الشعب اليوم فرصته الكاملة في أن يمارس الديمقراطية بالمفهوم الذي ذكرته الآن فإننا نحرمه فرصة العمر”، ودار بين الكاتب والرئيس نقاش يرقى إلى مستوى المناظرة المتكافئة.

أنتظر من خبراء علم النفس أن يشرحوا ما يمكن أن يترتب على استمرار الشحن العام بغير داع، والإلحاح على تعبئة الأطفال نفسيا بإلباسهم الزي العسكري في طابور المدرسة، وإغرائهم بترديد نشيد سلاح الصاعقة “وقالوا ايه”، بدلا من النشيد الوطني. في مقطع فيديو كان مدرس سلفي يدعو للرثاء وهو ينطق النشيد بفصحى مضحكة، في إيقاع هزلي. وفي مقطع آخر تحشرج صوت مدرسة وهي تستدعي صوتها الضائع أمام ما بدا أنه محكمة تفتيش، وإذا ساءك هذا الوصف فقل: لجنة تفتيش.

أخشى أن يصف غاضب هذه الجموع بالقطيع، من دون أن يقصد الإهانة بالطبع، وإنما الدقة في توصيف حالة عامة يمثلها أناس يقدمون المعكوس “السياسي” لفقه الإجماع، فيشربون من نبع واحد، ويمضغون كلاما مضغوه في اليوم السابق، ولا يصيبهم ملل من إعادة مضغه واجتراره في اليوم التالي، في تكرار لأنفسهم ولغيرهم ممن يكتبون الكلام نفسه، ولا يتيحون مجالا لصوت مختلف، ولعلهم يتأسون بالسيسي الذي جمع العشرات من السياسيين والبرلمانيين والصحافيين وأساتذة التاريخ والقانون الدولي والمجلس القومي لحقوق الإنسان، يوم الأربعاء 13 أبريل 2016، بعد إثارة فتنة جزيرتي تيران وصنافير المصريتين، وإعلان التنازل عنها، بحجة ترسيم الحدود بين مصر والمملكة العربية السعودية.

في ذلك اللقاء توقعنا حوارا، صوتا يناقش، وأن يجيب السيسي عن أسئلة تؤرق مواطنين غيورين تم المساس بكرامتهم وكبريائهم الوطنية، ولكن الذي جرى مونولوج، وان مان شو، محاضرة ذات نبرة واحدة، وإذا ارتفع الصوت فللتباين بين العامية والفصحى، لإثبات أن الجزر غير مصرية. وحين طلب أحد أعضاء البرلمان الكلمة، رفض السيسي غاضبا “أنا ما اديتش لحد الإذن إنه يتكلم”، وانقطع البث التلفزيوني.

9