مصر وأنت أم الدنيا.. الشوام استجاروا بك فأجيريهم

هل نترك حادث شجار في الإسكندرية بين امرأة مصرية وصاحب مطعم يُنسِنا حقائق التاريخ، ويحجب عنا رؤية المستقبل؟
الخميس 2019/09/05
الحادث عادي

ما تشهده سوريا والمنطقة ليس أول الأحزان وليس آخرها. في بلاد الشام، لا يهم مَن الظالم ومن المظلوم؟ الصراع سيستمر، بدأ منذ آلاف السنين ولا نعلم متى ينتهي. الجلاد والضحية يتبادلان الأدوار؛ من يقتل وهو يظن أنه على حق، ضَمن تذكرته إلى الجنة. هكذا قالوا لنا، وصدّقنا قولهم.

كلاهما يذهب إلى الجنة، الضحية والجلاد، يجتمعان هناك، حيث يتقاسمان خيراتها ويشربان خمورها. لماذا لا نختصر الطريق، ونضع كل الخلافات خلفنا، ونعيش الجنة وهي أمامنا؟ أليست دمشق جنة أرضية، ومياه بردى والعاصي ونهر الكلب تنضح خمورا؟

ليست هذه المرة الأولى التي ينتشر فيها أهل سوريا في أصقاع الأرض (عند استخدام كلمتي “سوريا” و”الشوام” في هذا المقال يكون المقصود بلاد الشام وسكّانها، وهذا لا يعني أبدا إقصاء الآخر بل فيه نوع من الاعتراف بمشروعية التسمية؛ فاللبناني شامي، والفلسطيني شامي، مثلهما مثل السوري، بل أحيانا يكونان شاميين أكثر منه).

بدأت الهجرات من بلاد الشام عام 1820، إثر الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها أثناء الحكم العثماني، وكانت مصر والولايات المتحدة وأميركا الجنوبية، وِجْهة هذه الهجرات.

بعد الحرب العالمية الأولى هاجر سوريون إلى ألمانيا، وأثناء الانتداب الفرنسي هاجر البعض إلى فرنسا للدراسة لكنه استقر هناك، وبعد الحرب العالمية الثانية هاجر كثيرون إلى أميركا الجنوبية وأوروبا.

دول الخليج كانت مقصدا للمهاجرين من بلاد الشام، بعد ظهور النفط وتحسن مستوى العيش. وحديثا هاجر البعض إلى أستراليا والصين وأندونيسيا.

يقارب عدد السوريين المقيمين في الدول العربية 3 ملايين مهاجر، وفي أوروبا يقدر عددهم بخمسة ملايين. أما في أميركا الشمالية فيقدر العدد بـ12 مليونا، وفي أميركا الجنوبية يبلغ عدد السوريين الذين ذابوا في المجتمع 12 مليونا، بينما يبلغ عدد الذين ما زالوا متمسّكين بأصولهم 11 مليونا.

وتقيم أكبر جالية سورية على مستوى العالم في البرازيل، وتعود أصول أغلبية هذه الجالية إلى مدينتي حمص واللاذقية، تليها الجالية السورية في الأرجنتين والولايات المتحدة.

مع بدايات القرن العشرين، تجاوز عدد “الشوام” في مصر مئة ألف، بين موظف ومهني ومهندس وطبيب وتاجر وفنان، استثمر أثرياؤهم في مجال الصناعة والتجارة، وقدرت ثروتهم حينها بمليار فرنك ونصف المليار فرنك، شكلت عشرة بالمئة من الناتج المحلي المصري.

لعب “شوام” مصر دورا طليعيا في تحديث المجتمع؛ فقد أنشأوا دور الصحف، وحدّثوا الطباعة والنشر، وعملوا في المهن الحرة والمصارف، وكانوا جزءا من طبقة ثرية متعلمة. وكانت مصر في ذلك العهد المكان الأكثر انفتاحا في الدولة العثمانية؛ فقد ضمت قائمة طويلة من الفنانين والأدباء والإعلاميين والمبدعين ورجال الأعمال، جميعهم احتضنتهم أم الدنيا.

المخرج العالمي يوسف شاهين، والده مهاجر من زحلة، وأمه يونانية. عمر الشريف (ميشيل شلهوب) سليل عائلة دمشقية، ساهم بوضع اسم نجوم مصر في مكانة تليق بهم بين نجوم عالميين. من يذكر العصر الذهبي، يذكر المخرج هنري بركات، وأنور وجدي، والمنتجة آسيا وماري كويني، وبديعة مصابني، التي خرج الرقص الشرقي من تحت عباءتها.

ابن بيروت، جرجي زيدان، هاجر إلى مصر لدراسة الطب مسلحا بستة جنيهات، اقترضها من جاره. وانتهى في عالم التأليف والصحافة؛ أدار مجلة “المقتطف”، ثم أنشأ مطبعة باسم “الهلال”، وبالاسم نفسه أصدر جرجي مجلة “الهلال” عام 1892، وكان يقوم بتحريرها بنفسه ثم ساعده ابنه إميل، لتصبح من أوسع المجلات انتشارا؛ كتب فيها عمالقة الفكر والأدب في مصر والعالم العربي.

يكفي دلالة على سعة قلب مصر واحتضانها الغرباء وفسح المجال لهم ليقدموا ما لديهم، تلميذ بطرس البستاني، سليم تقلا، المولود في لبنان، هاجر إلى مصر وهو في السادسة والعشرين من عمره، وفيها أنشأ مطبعة في شارع البورصة المتفرع عن ميدان القناصل (المنشية حاليا) بالإسكندرية، أسس مع أخيه بشارة تقلا في 27 ديسمبر 1875، أم الصحف العربية وتاجها، صحيفة “الأهرام”، ليصدر أول عدد منها في الخامس من شهر أغسطس عام 1876.

ما كان لهؤلاء أن يبدعوا لولا أم الدنيا، وما كان لأم الدنيا أن تتحول إلى باريس الشرق لولا وجودهم.

دعونا نتحدث عن المال؛ في قلب ميدان الخازندار بمنطقة الموسكي في القاهرة وعلى مساحة 8530 مترا وارتفاع أربعة طوابق، تقف تحفة معمارية، بناء وتصميما وديكورات، لا تضاهيها إلا محلات هارودز اللندنية الشهيرة، هي المركز الرئيسي لشركة الصيدناوي للتجارة والأعمال، أسسها سليم وسمعان صيدناوي، تخصصت في بيع الأقمشة والمنسوجات، التي تصنع في ورش مملوكة لهما.

انتشرت فروع الشركة في الإسكندرية والمنصورة وطنطا، وبلغت 70 فرعا و65 مخزنا. أممت الشرك في الستينات، وسميت “شركة الملابس والمنتجات الاستهلاكية”، ونظرا إلى قلة خبرة الموظفين الذين أسندت إليهم الإدارة بعد التأميم، تدهورت الشركة ولم يتم تجديد فرع الخازندار الرئيس إلا في عام 1989.

من الموسكي إلى سوق الحميدية.. هكذا غنت صباح، من ألحان فريد الأطرش، عام 1958، فرحا بالوحدة بين مصر وسوريا. وهكذا غنى معها الشعبان المصري والسوري.

بعد هذا كله، هل نترك حادث شجار في الإسكندرية بين امرأة مصرية وصاحب مطعم يُنسِنا حقائق التاريخ، ويحجب عنا رؤية المستقبل؟ طبعا لا.

لم ينته الأمر بإغلاق المطعم، إثر حملات تحريضية لم تكتف بصاحب المطعم، بل نالت من السوريين المقيمين في مصر، وتطورت الأمور لتصل إلى إطلاق دعوات تطالب برحيل السوريين.

الحادث عادي، لو كان بين طرفين مصريين لما تناقله أحد، حتى صفحات الحوادث، ولكن أراد البعض توظيفه للإيقاع بين الشعبين، ولو اجتهدنا قليلا لوجدنا أن الزوبعة أثيرت من أطراف خارجية خدمة لمصالح قطر وتركيا والإخوان المسلمين، الذين تربوا على سياسة “فرق تسد”.

سرعان ما تحركت أم الدنيا لوأد الفتنة في مهدها، ودشن الآلاف من المصريين هاشتاغ “#السوريين_منورين_ مصر”، الذي تصدر موقع تويتر بآلاف التغريدات وملايين المتابعات منذ ظهوره، كل يرحب باللاجئين السوريين في مصر.

الأديب رفقي بدوي كتب معلقا على الحادث “أقدم اعتذاري للشعب السوري الحر الرائع في كل شيء، حتى في كفاحه من أجل لقمة العيش بكرامة، الشعب الذي يفتح قلبه وعقله وبيته لشقيقه العربي”.

الصحافي، جمال الجمال، سخر من الحملات التي تدعو إلى طرد السوريين قائلا “ردوا إليهم ما لهم”، معددا قائمة من الأسماء: فايزة أحمد، دار الهلال، جرجي زيدان، سعاد حسني، نجاة، جول جمال، روز اليوسف، يوسف شاهين.

غدا يخرج من بين المهاجرين الجدد يوسف شاهين جديد، وعمر شريف جديد، غدا يملأون مصر كتابا وشعراء وإعلاميين ورجال أعمال يزدهرون في أم الدنيا وتزدهر أم الدنيا بهم.

هل هناك أفضل من أبيات شعرية لخليل مطران، الشامي البعلبكي، كتبها في القرن التاسع عشر، ولكنها طازجة طرية وكأنما هي كتبت اليوم نختتم بها:

شـرِّدُوا أَخْـيَـارَهَـا بَحْراً وَبَرا وَاقْـتُلوا أَحْرَارهَا حُرّاً فَحُرَّا

إِنَّما الصَّالِـحُ يَـبْقَى صَالِحاً آخِـرَ الدَّهْرِ وَيَبْقَى الشَّرُّ شَرَّا

مصر، وأنت أم الدنيا، لا تقس على أحفاد الشوام الذين جاءوا إليك مستجيرين.

9