مصر وإثيوبيا في مواجهة الطرف الرابع

سواء كان هذا الطرف الولايات المتحدة أو البنك الدولي، ففي الحالتين لن يتم تجاوز الأزمة ما لم يملك كل طرف النية الصافية للتقدم.
الاثنين 2020/01/13
استغلال للوقت

يمثل الاجتماع المتوقع يومي الاثنين والثلاثاء في واشنطن بين وزراء الخارجية والري في دول مصر وإثيوبيا والسودان، آخر فرصة حقيقية لحل أزمة سد النهضة. فقد أخفقت الدول الثلاث في التوصل إلى تقدم ملموس، بحضور ممثلين عن كل من الولايات المتحدة والبنك الدولي خلال الجولات الأربع التي عُقدت الشهرين الماضيين. الأمر الذي فتح الطريق بقوة لدخول الطرف الرابع، حسب وثيقة واشنطن في 6 نوفمبر الماضي.

أصبحت القاهرة وأديس أبابا والخرطوم في مواجهة مباشرة مع الطرف الرابع. وإذا كانت الثالثة ليست لديها ممانعات واضحة حيال السد ولا تزال أقرب إلى رؤية إثيوبيا، فإن الأزمة سوف تظل محصورة بين الطرفين الآخرين. وهو ما تؤكده المعطيات المتفرقة الناجمة عن اللقاءات التي عقدت في عواصم مختلفة.

يبدو أن القاهرة على وشك تحقيق مسعاها في وجود طرف رابع تعتقد أنه كفيل بتسهيل عملية التفاوض المتعثرة. وسواء كان هذا الطرف الولايات المتحدة أو البنك الدولي، ففي الحالتين لن يتم تجاوز الأزمة ما لم يملك كل طرف النية الصافية للتقدم، فأيّ وساطة لن تستطيع تحقيق اختراق، مهما بلغ حجمها، إذا لم تتوفر البيئة المناسبة أمامها.

أثبتت حصيلة الاجتماعات أن المواقف بين مصر وإثيوبيا متباعدة، والحسابات التي تحكم عملية التفاوض تطغى عليها فجوات لافتة، والتقديرات النهائية تشير إلى أن الطرف الرابع يواجه تحديات صعبة لتقريب الرؤى، حيث بدت الأزمة كأنها معادلة سياسية أكثر منها فنية. وكل من القاهرة وأديس أبابا تتعامل مع الأزمة على طريقة المعادلات الصفرية التي تعتبر مكاسب طرف خسارة للآخر، ما جعل التوافق عصيّا.

من هنا تظهر واحدة من التعقيدات الرئيسية. فقد توارت النظرة الكلية الفنية أو تاهت وسط التفاصيل السياسية، بما يحوّل مهمة الطرف الرابع إلى مهمة في غاية الحساسية، لأن التوصل إلى حلول خلاقة عملية بعيدة المنال. فالاجتهادات التي قُدّمت خلال الفترة الماضية لم تلقَ قبولا، أو لقيت موافقة مبدئية، ثم جرى وأدها عقب دخولها متاهات عديدة، ما يضاعف من مأزق المقاربة الخارجية.

تستطيع الوساطة إقناع الأطراف المتنازعة وتحقيق تقدم في الأزمة التي تتدخل فيها، إذا توفرت مجموعة من المحددات أمامها، في مقدمتها أن تمتلك الجهة التي تشرف عليها الرغبة والإرادة والعزيمة والأدوات اللازمة لممارسة دورها والقبض على كل الخيوط، مع وجود حوافز تدفعها إلى مواصلة دورها للحصول على مكاسب أو درء خسائر، حالية ومستقبلية.

وبافتراض أن أزمة سد النهضة بحاجة إلى دولة كبيرة وازنة، فإن الولايات المتحدة هي الجهة المرشحة بقوة، بحكم دعوتها إلى استضافة الاجتماعات وتحديدها جدولا زمنيّا للتفاوض، وتعاظم مصالحها في المنطقة، وعلاقاتها الجيدة بالدول الثلاث، ورغبتها في الإمساك بدفة الأمور في منطقة واعدة تتصارع عليها قوى إقليمية ودولية.

على ضوء النفق المظلم الذي دخلته المفاوضات بعد انتهاء الجولة الرابعة، هل تستطيع واشنطن تجاوز الاحتقانات بين القاهرة وأديس أبابا وحضهما على الحوار بعيدا عن الاتهامات المتبادلة؟ وما هي خطتها لتجاوز جبل الخلافات والعودة إلى المسار الصحيح؟ وهل في جعبتها ما يعينها على تقديم أفكار من خارج الصندوق؟

أسئلة حرجة تصعب الإجابة عنها قطعيا، جاءت بعد تمكن الإدارة الأميركية من جمع الأطراف الثلاثة في 6 نوفمبر الماضي، وسادت أجواء من التفاؤل بشأن رعاية الرئيس دونالد ترامب باعتبار هذا الدور كفيلا بتخطي العقبات.

مهمة صعبة
مهمة صعبة

غير أن النتائج التي تمخضت عنها جولات التفاوض أوضحت عدم استعداد إثيوبيا لتغيير موقفها، وإصرارها على ثوابتها المعلنة المتعلقة بالمشروع، والسعي إلى استهلاك الوقت ليكون سد النهضة أمرا واقعا، بمعنى أن الأزمة يمكن أن تقفز فوق الطرف الرابع.

ومع ذلك تتمسك القاهرة بوجوده كعنصر فاعل في العملية التفاوضية، وارتاحت إلى اقتراب إسناد المهمة إلى واشنطن. لكن النقطة التي وصلت إليها جولات التفاوض لا تدفع للتفاؤل، لأن أديس أبابا تعلم بحضور ممثلين للولايات المتحدة المرشحة لتكون الطرف الرابع، ولم تقدم ما يثبت الاستعداد لحل المشكلات الفنية، كأنها تعلم أنها في مأمن أو لن تتعرض لضغوط، ورغم تجاوبها أظهرت قدرا من عدم الاكتراث بالوسيط الجديد في الأزمة.

تعلم أديس أبابا أن أزمة سد النهضة مرتبطة بالإدارة الأميركية الحالية المنغمسة في ملفات إقليمية أشد حيوية، وهي على وشك الدخول في موسم انتخابي قاس ومعقد، وقد يعاني الرئيس ترامب كثيرا من ضربات منافسيه، بالتالي يمثل اللعب على عنصر الوقت مدخلا مهما لإثيوبيا للتعامل مع الموقف.

وتفاعلت أديس أبابا مع بوادر الوساطة الأميركية مراهنة على المستجدات. وقد تسعى إلى إرهاق واشنطن في تفاصيل فنية وسياسية متنوعة، كي لا تترك لها مجالا للتقييم والمحاسبة. وتواصل استهلاك الوقت بصورة ناعمة دون أن تضطر إلى دفع ثمن خلاف تبدو فيه كمن تتحدى إرادة واشنطن، أو تظهر كدولة مارقة وغير ملتزمة بالقوانين الدولية.

يضع الطابع القومي لمشروع سد النهضة على عاتق القيادة الإثيوبية مسؤوليات كبيرة تفرض عدم التفريط في هياكله الأساسية، فقد تحوّل إلى أحد العوامل الجامعة للشعوب التي تتكون منها الدولة. وكل اهتزاز في أركانه يؤدي إلى تداعيات وخيمة بعد هدوء الانتقادات والتظاهرات الموجهة إلى الحكومة الإثيوبية.

هذه إحدى أهم الرسائل التي تحرص أديس أبابا على توصيلها إلى الولايات المتحدة التي رأتها حليفا استراتيجيا مهما في منطقة القرن الأفريقي، وتعمل على تقديمه كنموذج للانصهار الوطني والحداثة. ومن الصعوبة أن تمارس ضغوطا تفضي إلى انفجار الأوضاع. ونجحت أديس أبابا في ربط تقدمها بإنجاز السد كمشروع تنموي يقود البلاد إلى نقلة حضارية.

يظل الخطاب المصري محكوما بالأحقية في عدم الإضرار، والتمسك بالاتفاقيات السابقة، وجوهر وروح القوانين الدولية المتعلقة بالأنهار. وهو خطاب عاطفي وملتزم نسبيا وجذاب أحيانا، لكنه غير كاف للتعامل مع مشروع في حجم سد النهضة الذي شارف على الانتهاء.

ربما تكون القاهرة تقدمت في قضية الطرف الرابع، لكن حضوره ليس هو المعضلة، ولن يكون الحل السحري لطي صفحات أزمة تمضي بوتيرة سريعة، وأصبح الوقت فيها عنصرا حاسما. ولذلك ألمحت مصر عقب الجولة الأخيرة إلى أن تعديات إثيوبيا تجاوزت النيل الأزرق الذي يعتمد عليه كثيرا نهر النيل، إلى أنهار أخرى ممتدة في دول مجاورة.

قد يكون هذا المسار مفيدا في إقامة الحجة على أديس أبابا ويزيد من تفريعات الأزمة. فمصر تريد إثبات أن إثيوبيا لها سوابق في التجاوزات على الأنهار في المنطقة، ويمكن أن تتحول إلى دولة قلق بدلا من دولة استقرار، ما يمنح الفرصة للدخول في أزمات جديدة تحرف القاهرة وجهة الوساطة عن الأزمة المركزية. كما أن الدول المعتدى عليها، مثل كينيا والصومال وإريتريا، ليس لديها الوقت الكافي للمطالبة بحقوقها.

أقامت مصر حساباتها النظرية في وقت متأخر على أساس المنطق والعدالة والحقوق التاريخية، وتبنت إثيوبيا منطقا عمليا. ولم تصل الأولى إلى نتيجة تقريبا، بينما حققت الثانية ما تصبو إليه. الأمر الذي يضع على كاهل الطرف الرابع مسؤولية دقيقة للتوفيق بين المنطقين المتصادمين. ووفقا للنتيجة التي سيتم الوصول إليها سوف تتحدد الكثير من معايير الوساطة في هذه النوعية من الأزمات.

9