مصر وإسرائيل.. جهود السلام محفوفة بألغام سياسية

هناك حالة من عدم الثقة لا تزال قائمة بين مصر وإسرائيل، إذا أن كل تحرك إيجابي مصري يهدف إلى إيجاد فرص سلام حقيقية تقابله محاولات إسرائيلية لتشويهه.
الاثنين 2018/08/20
رغبة إسرائيلية صريحة في ألاّ تظهر مصر في شكل الريادة

من يتابع التحركات المصرية في ملف التهدئة بين إسرائيل وحركة حماس، يستشعر أن التنسيق بين القاهرة وتل أبيب بلغ حدا كبيرا، وهو ما أكدته زيارة وفد أمني يرأسه وزير الاستخبارات المصرية اللواء عباس كامل، الأربعاء والخميس، لكل من إسرائيل ورام الله، وما تلاها من تفاؤل بشأن تثبيت التهدئة ومشاركة السلطة الفلسطينية فيها.

ومن يراقب التصورات الرسمية على الجانبين، يجد أن هناك رغبة في التعاون المشترك، على الرغم من التباين الكبير في رؤية كل جانب لطريقة التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، وربما تكون التفاهمات الأمنية أكثر نجاعة حتى الآن.

تتعمد إسرائيل إظهار تجاوبها في بعض الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بينما تتعامل القاهرة بحذر مع تل أبيب، وتدرك حساسية الحديث، مصريا وعربيا، عن توسيع أطر التعاون، وخشية أن تصل رسائل تشي، كما يريد البعض، بأن مصر تقوم بدور الوسيط أو “العرّاب” وليس كطرف رئيسي في المعادلة العربية المعنية بالصراع العربي الإسرائيلي.

بصرف النظر عن صحة هذه التخمينات من عدمها، هناك حالة من عدم الثقة لا تزال قائمة بين الطرفين، يكتشفها من يمعن النظر في الصمت المصري حيال بعض التصرفات الإسرائيلية، وهو ما جعل البعض يضع القاهرة في خانة تبتعد قليلا عن دورها التاريخي في دعم القضية الفلسطينية.

الاستفزاز الإسرائيلي لمصر لا يقتصر على تحليلات لكتّاب رأي، بل ممتد لنشرات الأخبار ومعلومات تتعلق بسيناء وجهود الرئاسة المصرية للتوصل للسلام والاستقرار في المنطقة

وإذا كانت ممارسات مصر تبدو غامضة أحيانا حيال إسرائيل، فإن تصرفات الأخيرة أكثر وضوحا، من خلال توجيه رسائل للقاهرة عبر قنوات غير رسمية، تعبر عن موقف إسرائيلي عام لا يريد لمصر أن تتمدد إلا بالقدر الذي يخدم أهداف تل أبيب.

وقد راجت معلومات حول عقد لقاء سري بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وبنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في 22 مايو الماضي بالقاهرة، لكن إشاعة هذا الخبر والترويج له مرده تعكير صفو الأجواء الإيجابية التي تحاول مصر أن تهيئها بهدف دعم استقرار المنطقة عبر إتمام التهدئة في قطاع غزة، والتوصل إلى مصالحة فلسطينية- فلسطينية.

مضت تلك الأنباء على غرار أنباء نشرت من قبل عن لقاء سري سابق بين السيسي ونتنياهو عقد في مدينة العقبة عام 2016 بحضور العاهل الأردني الملك عبدالله بن الحسين، ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، وأن نتنياهو عرض خلاله إمكانية تجميد المستوطنات بشكل جزئي، معلنا عدم قدرته على إقناع الائتلاف الحكومي بخطوات أكبر.

أغضب الإفصاح الإسرائيلي، غير الرسمي، عن اللقاء القاهرة، ووصف علاء يوسف المتحدث باسم الرئاسة المصرية، في ذلك الوقت، النبأ بالكاذب، لكنه نوه إلى رغبة مصر للاستماع إلى كل الأطراف، ولم يوضح أي جزئية من الخبر هي كاذبة، لكن الثابت أن الإعلان أحرج القاهرة.

وانطلقت المزاعم الإسرائيلية قبل أيام من مذيع في القناة العاشرة الإسرائيلية (يملكها اليهودي رون لاودر)، في مؤشر على قدرة نتنياهو كوزير اتصالات ورئيس للحكومة معا، التدخل غير المباشر في عمل القناة التي سبق وأن سببت له خسائر أمام الرأي العام الإسرائيلي بعرضها ملفات فساد ضده وأسرته ومقربين منه. وقد نسجت القاهرة علاقة جيدة مع رون لاودر اليهودي الأميركي، وهو يحمل دلالة مهمة، تتعلق بقدرة نتنياهو على المناورة واستخدام أوراق الضغط، باعتبار أن لاودر دبلوماسي سابق ورجل أعمال يهودي أميركي كبير ويشغل أيضا منصب رئيس الكونغرس اليهودي العالمي، ويمتلك الأسهم الأكبر داخل القناة العاشرة في إسرائيل الأكثر معارضة لسياسات نتنياهو.

ربما كان مقصودا من التسريب الأخير لقاء السيسي ونتنياهو في القاهرة، عبر القناة العاشرة الإسرائيلية، عقب أيام قليلة من لقاء السيسي مع لاودر في القاهرة، وإشادة الرئيس المصري بدور رجل الأعمال اليهودي الأميركي في دعم السلام، أن نتنياهو أراد أن يوجه رسالة إلى القاهرة مفادها أن لاودر يمكن السيطرة عليه.

ويمكن رصد حزمة من المواقف المماثلة للتدليل على أن كل تحرك إيجابي مصري تقابله محاولات إسرائيلية لتشويهه، أمام الرأي العام المصري والعربي. ففي مايو 2016 قرر الرئيس المصري خلال افتتاحه محطات كهرباء جديدة من مدينة أسيوط (جنوب مصر) مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي، بعد أيام من لقاء جمعه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس معلنا عن وجود فرصة حقيقية للتوصل إلى سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقال وقتها إنه يرد على من يشكو من سلام بارد بين القاهرة وتل أبيب بأنه سيتحقق “سلام أكثر دفئا” إذا تم حلّ المشكلة الفلسطينية، معربا عن استعداد بلاده للقيام بكل الجهود التي تساهم في إيجاد حلّ، ومطالبا الأحزاب والقيادات الإسرائيلية بالتوافق.

وعقب تصريحات السيسي أكد إسحاق هرتزوغ رئيس حزب العمل اليساري المعارض والمتحالف حاليا مع حزب هتنوعاه تحت اسم “المعسكر الصهيوني”، أن نتنياهو تلقى إشارات بعثت بها شخصيات إقليمية دولية تفيد بأن هناك فرصة كبيرة لإنهاء الجمود، ولا يجب إضاعتها. وأوضح أن خطاب السيسي كان مؤثرا، وأن نتنياهو يريد أن يتقدّم في عملية السلام، لكنه “مقيّد سياسيا”، وحسب هرتزوغ كانت هذه هي المرة الأولى منذ سنوات التي يتحدّث فيها رئيس عربي بهذا الوضوح.

إسرائيل تتعمد إظهار تجاوبها في بعض الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بينما تتعامل القاهرة بحذر مع تل أبيب

ومن محطات التوتر العلني تصريحات إسرائيلية استفزازية تتعلق بسيناء في نوفمبر 2017 للوزيرة جيلا جمليئيل، قالت فيها “سيناء هي أفضل مكان لإقامة الدولة الفلسطينية نظرا إلى الوضع الأمني غير المستقر”، كأنها تعلم مسبقا أن هدف الإرهابيين من منطقة العمليات بشمال سيناء ليس السيطرة على الأرض وإدارتها، بل منح هذه الأرض لطرف ثالث وحينها سيتوقف الإرهاب.

وجاءت التصريحات بعد كلام مشابه للوزير الإسرائيلي أيوب قرا (من أصل درزي) تحدث فيها عن توافق على دولة فلسطينية في غزة وسيناء، وهي المزاعم التي عاد بسرعة ونفاها بنفسه، مؤكدا أن فكرة سيناء “تصور شخصي”.

كما ساهم أفيغادور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي في تشويه القاهرة، ففي أعقاب زعم داعش على شبكة الإنترنت أن طائرة إسرائيلية قتلت عناصر تابعة لها داخل سيناء، توجهت إذاعة الجيش الإسرائيلي إليه في فبراير 2017 تستفسر عن صحة بيان داعش فكان رده “قوات خاصة بإمارة ليختانشتين (تشبه قوات الشرطة) قامت بالقضاء على عدد من إرهابيي داعش في سيناء، ونحن لا نترك أي شيء دون رد”، بغرض الإيحاء بقدرة إسرائيل على الذهاب لمدى بعيد في سيناء، وأن مصر لن تمانع في ذلك، ليبعث رسائل ترسخ انطباعات سابقة بشأن تصاعد التنسيق الأمني بين القاهرة وتل أبيب في مجال مكافحة الإرهاب.

ولا يقتصر الاستفزاز الإسرائيلي لمصر على تحليلات لكتّاب رأي، بل ممتد لنشرات الأخبار ومعلومات تتعلق بسيناء وجهود الرئاسة المصرية للتوصل للسلام والاستقرار في المنطقة، وهو ما يمكن تفسيره بسعي تل أبيب إلى فرض شروط التفاوض، أو الرغبة في نسف جهود السلام، أو على الأقل تأجيلها لأجل غير مسمى. علاوة على رغبة إسرائيل الصريحة في ألاّ تظهر مصر في شكل الريادة، أو تفوز بثقة الرأي العام العربي.

6