مصر وإندونيسيا والمكافحة الناعمة للإرهاب

الاثنين 2016/02/22

تبدو التجربة الإندونيسية في التعامل مع الإسلام عموما، والمتطرفين خصوصا، فريدة في نوعها، فهي لا تعتمد على مواجهة العنف بالعنف، بل بالليونة والفكر، لذلك تجلب جاكرتا منذ فترة شخصيات ذات خلفيات إسلامية معتدلة، خاضت تجربة التشدد ثم رجعت عنه، لتقديم النصح للمتطرفين القابعين في سجون جاكرتا وغيرها.

ما يوصف بالإسلام الإندونيسي أصبح يلقى اهتماما من قبل المؤيدين والرافضين له، على المستويين الإقليمي والدولي، فالفريق الأول يرى أنه يمثل نموذجا جيدا للتسامح المطلوب تعميمه لوقف زحف تيار المتشددين، الذي بات منتشرا في مناطق كثيرة، ويهدد دولا كبيرة.

بينما يخشى أنصار الفريق الثاني، من انتشار التجربة الإندونيسية، لأن استمرار نجاحها قد يقضي على طموحات دول، تستند أحيانا سياستها الخارجية على دعم قوى متطرفة.

عندما لاحظت جاكرتا أن هناك تزايدا في أعداد المنخرطين من الإندونيسيين في صفوف تنظيم داعش، بدأت تتحرك باتجاه تجفيف منابع المتشددين في الداخل، عبر سياستي الاحتواء والمواجهة، التين انطلقتا من جلسات النصح والإرشاد، والاستعانة برموز إسلامية غالبيتها من خريجي جامعة الأزهر في القاهرة، والتصدي لمحاولات الاختراق التي تقوم بها تنظيمات محلية تعمل لحساب دول لاستقطاب الإندونيسيين لأفكارها.

خلال زيارتي لإندونيسيا، منتصف العام الماضي، التقيت مسؤولين هناك أكدوا وجود ما يشبه الحرب بالوكالة بين عدد من الدول، للدرجة التي شعر بعضهم بأن ما يجري من صراعات أمنية وسياسية في سوريا يكاد ينتقل إليهم، فالدول التي بينها خلافات محتدمة، بشكل مباشر أو غير مباشر، حول مصير سوريا هي ذاتها تقريبا التي تتصارع عناصرها داخل إندونيسيا، ويحاول كل طرف جذب جاكرتا إليه، من خلال استمالة قوى مؤثرة، باعتبار أن هذا البلد أكبر بلد تسكنه غالبية مسلمة.

كما أخذ التحرك الإندونيسي اتجاها مثيرا، حيث بدأت خيوط التواصل تتسع بين قنوات عالمية وأخرى محلية، بغرض تشجيع نموذج التسامح على الانتشار خارجيا، وقامت جمعية نهضة العلماء بدور نشط في هذا المجال، لأنها أكبر جمعية دينية سياسية هناك، وأتباعها يتجاوزون 70 مليون نسمة، من تعداد سكاني يبلغ أكثر من 250 مليون نسمة، وتوصلت الجمعية إلى تفاهمات مع دوائر غربية متعددة، لتمهيد الطريق أمام التجربة الإندونيسية، والتفاهم حول تبني طروحاتها المرنة للإسلام، ودعمها ماديا ومعنويا.

المساعدة انطلقت من جملة من المحددات، أبرزها أن النموذج “المعتدل” الذي سوقته جماعة الإخوان المسلمين للغرب تبين أنه ليس معتدلا بالمرة، وجلب عليهم مشكلات سياسية كبيرة، وفقد بريقه السياسي ولمعانه الاجتماعي.

بالتالي من الضروري البحث عن بديل أكثر تسامحا، لا يملك أجندة مزدوجة، إحداها معلنة وأخرى خفية، كما أن تغول المتشددين في الجاليات المسلمة لدى بعض الدول الأوروبية أصبح ينذر بكارثة، ولا بد من مواجهته بطريقة سلسلة، لأن المواجهات الخشنة، سيتم تفسيرها على أنها عداء للإسلام ذاته، وكان تشجيع النموذج الإندونيسي الناعم من أهم الخيارات المتاحة، وبدأت سلسلة من اللقاءات تعقد في جاكرتا وخارجها، بين قيادات في جبهة العلماء وخبراء وسياسيين ومريدين غربيين، للبحث عن الوسيلة الجيدة لتشجيع ونشر النموذج الإندونيسي، بعد دراسة الأماكن المطلوب زراعته فيها.

كانت نقطة الضعف الرئيسية، وفقا لتصريحات عناصر قيادية في جبهة العلماء لـ”العرب”، الحاجة إلى توفير قوة تاريخية محترمة ومناسبة، ولها جذور عميقة ومصدر ثقة، حتى يتسنى الترويج لتجربة التسامح الإندونيسي، بحسبانها لا تسعى إلى السلطة، ولا تجبر الناس على الالتزام بتعاليم الإسلام، فقط تريد تطبيق الآية القرآنية “لكم دينكم ولي دين”.

من هنا زادت أهمية التفكير في الاستعانة بالأزهر وتوظيف مكانته، والاستفادة من الرصيد الإيجابي الذي تركه في إندونيسيا وغيرها، منذ فترة طويلة.

المعلومات التي حصلت عليها “العرب” آنذاك من مصادر إندونيسية، قالت إن الرغبة بدأت تتزايد، والتنسيق والتعاون بين جبهة العلماء والأزهر من الضروري أن يدخلا حيز التنفيذ.

كان من المنتظر أن يقوم وفد من جبهة العلماء بزيارة القاهرة أواخر شهر فبراير الحالي لهذا الهدف، بل والتباحث مع مسؤولين مصريين حول الرغبة الإندونيسية، وإطلاعهم على جانب من تفاصيل المشروع من أجل مباركته ودعمه.

لكن فجأة تم الإعلان عن زيارة للدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر لجاكرتا، بالفعل بدأها، السبت، تتضمن لقاء الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو، وقيادات في جبهة العلماء، ما يعني أن رغبة جاكرتا وجدت ترحيبا وقبولا عند القاهرة، وأن طريق التفاهم بدأ يأخذ طريقا عمليا بين الجانبين.

يبقى السؤال المحوري في هذا السياق، هل تستطيع القاهرة، من خلال الأزهر، وجاكرتا، عبر جبهة العلماء، تبني مشروع إسلامي مشترك وتسويقه عالميا؟

من الناحية السياسية، العلاقات بين البلدين جيدة، فقد قام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بزيارة لإندونيسيا منتصف العام الماضي، ومتوقع أن يقوم الرئيس جوكو بزيارة مماثلة للقاهرة قريبا، الأمر الذي يكشف عمق الروابط بينهما.

إذا أضيف لهذه المسألة التقارب الحاصل في ملف مكافحة الإرهاب، والرغبة الحثيثة لتشجيع النموذج المعتدل للإسلام، واستعداد مصر للتخلي عن أسلوبها الخشن في التعامل مع المتطرفين، تبدو فكرة التعاون المشترك بالوسائل الناعمة قابلة للتنفيذ.

لكن المشكلة في المصدات التي يمكن أن تواجه هذا النوع من المشروعات، فإذا افترضنا أن هناك قبولا غربيا به، فإن مواقف دول عربية وإسلامية تتصدر أو تريد أن تتصدر مشهد ممثلي الإسلام الحقيقي، قد تقف حائلا دون استكمال الفكرة – المشروع، وربما تجتهد في وضع العقبات أمامه.

حسب مصادر إندونيسية سوف تظل التوجهات والنوايا الحقيقية في طي الكتمان، لمنع الاحتكاك بجبهات ممانعة على أصعدة مختلفة، يمكن أن تؤدي تصرفاتها إلى إفشيل المشروع مبكرا، ولن يتم الإعلان عنه قبل أن يجد الدعم الكافي، غربيا وإسلاميا. لأن الحالة التي تبدو عليها الجماعات المتشددة، والقوى الداعمة لها وتقف خلفها، يمكن أن تقضي عليه معنويا، فقد يتم تصويره على أنه “تخريب للإسلام” وهي تهمة لو جرى العزف عليها كثيرا، كفيلة بأن تضربه في مقتل وتعجل بوفاته.

كاتب مصري

9