مصر والآخرون.. الدرس المستفاد

السبت 2013/10/05

« لا وساطة أوروبية بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين» هذا ما أكدته كاترين آشتون، مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي. كان هناك حديث سابق عن مبادرة تحملها آشتون، تهدف في الأساس إلى الزجّ بالجماعة التي فقدت قاعدتها الشعبية قبل أن تفقد الحكم، مرة أخرى في الحياة السياسية المصرية.

غير أن ما بدا واضحا من خلال تصريحات آشتون أثناء زيارتها للقاهرة أنها قد أدركت أن كل شيء كان قد حسم لصالح الإرادة الشعبية التي قررت نبذ الإخوان، لا من الحكم وحده، بل من عالم السياسة كله.

ما أدركه العالم أن التغيير الذي شهدته مصر بعد ثورة 30 يونيو لا رجعة فيه، وأن خارطة الطريق التي وضعها حماة ذلك التغيير لن يتم التراجع عنها، ولن يكون مقبولا أن تتفاوض الدولة المصرية مع جماعة دينية صارت محظورة بحكم القانون ويقيم عدد كبير من قادتها في السجن متهمين بارتكاب جرائم قتل أو التحريض عليه.

لقد رأت آشتون في زيارتها الأخيرة مشهدا مختلفا عن المشهد الذي رأته في زيارتها الأولى، يوم كانت فعلا تسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان. بل إنها كانت يومها مقتنعة بإمكانية أن يعود محمد مرسي الذي التقته في سجنه، رئيسا ولو لأيام معدودات، بحثا عن مخرج من الأزمة، يحفظ للإخوان ماء وجوههم الذي أراقوه حين نجحوا في توحيد صفوف الشعب المصري ضدهم.

كانت هناك دعوات أوروبية من أجل التراجع عما أنجزته ثورة 30 يونيو، أعطاها المصريون الأذن الصماء. وهو ما جعل الأوروبيين يعيدون النظر في حساباتهم.

مصر ليست في أزمة حكم، والشعب المصري هو الذي صنع التغيير مستعينا بالقوات المسلحة، وما من علامة تشير إلى المسار الانقلابي الذي يصر الإخوان على أن العملية السياسية في مصر قد انتهت إليه.

لذلك فلا معنى من وجهة نظر الأوروبيين لفضيحة الاستمرار في دعم جماعة دينية لم يعد وجودها في المستقبل مؤكدا.

ثم ما الذي تربحه أوروبا حين تخسر صداقة الشعب المصري، خاصة بعد أن أدارت الولايات المتحدة ظهرها للإخوان.

كان زعماء الإخوان يحلمون بإلغاء المعونة الأميركية التي لم يلغها الأميركيون حين اكتشفوا أن الشعب المصري صار ينظر إلى الأمر بسخرية لاذعة. كانوا يحلمون بإلغاء الاستثمارات الأوروبية التي جاءت آشتون لتؤكد أنها قادمة. وكانوا يراهنون على العهدة القطرية التي أعادها المصريون بكرامة من غير أن يخفوا قرفهم.

ولن يكون مفاجئا بالنسبة لمن عرف الفكر الإخواني أن تقع أحلام الإخوان خارج سياق الأخلاق الوطنية. فالإخوان أصلا لا يعترفون بفكرة الوطن بالمعنى المتعارف عليه. مصر بالنسبة لهم ليست الوطن الذي ينظر إليه باقي المصريين بشيء عظيم من التقديس والاحترام.

لذلك لم يجد الإخوان عيبا في أن تُستشار دولة صغيرة وحديثة العهد في عالم السياسة في شؤون دولة كبيرة مثل مصر، سبقت في أنظمتها المدنية الكثير من دول الغرب.

كان على أوروبا أن تعيد النظر في موقفها المتردد من مسألة التحولات التي شهدتها مصر. فالدفاع عن شرعية حكم الإخوان استنادا إلى ما أفرزته صناديق الاقتراع في وقت سابق لم يعد مقنعا لأحد، إضافة إلى أن التستر وراء حجاب الديمقراطية لتمرير وجود جماعة ثبت بأنها تدعو إلى الإرهاب صار ثقيلا أكثر مما يجب. ولكن علينا أن نفهم الجزء الأساسي من الدرس، وهو الجزء الذي يتعلق بحقيقة الموقف الصلب الذي اتخذه المصريون من قضية وجودهم، وكان سببا في اقتناع العالم بأن ما يجري في مصر هو الصواب بعينه.

لقد صنع المصريون بتماسكهم ووضوح غاياتهم مواقف الآخرين منهم.


كاتب عراقي

9