مصر والثورة الثالثة

الأربعاء 2016/02/03

ظهر الرئيس عبدالفتاح السيسي في برنامج تلفزيوني قبل أيام متحدثا عن قضية رسام الكاريكاتير الشاب إسلام جاويش الذي تم إيقافه لفترة وجيزة تحت تهم مضحكة أبرزها فتح صفحة في فيسبوك بلا تصريح، وتحدث أيضا عن قضية ألتراس الأهلي المصري، النادي الذي يبدو أحيانا دولة داخل الدولة، وقد حصل تحرك الألتراس قبل أيام في ذكرى شهداء مذبحة (المصري – الأهلي) التي راح ضحيتها 72 مشجعا أهلاويا، الألتراس رفعوا الشعار الإخواني الذائع “مكملين” وأطلقوا الهتافات ضد وزارة الداخلية وضد المشير طنطاوي مطالبين بالقصاص لزملائهم.

من حيث الشكل، كان يمكن أن تكون مداخلة الرئيس المصري أفضل، والسبب دائما إصراره على الارتجال، وقد كتب الصديق وجيه وهبة في صحيفة المصري اليوم قبل أسابيع عن هذه اللازمة الرئاسية الذي يجب أن تعالج، لقد ضاع المضمون الجيد لمداخلة الرئيس بين جمل ناقصة وأفكار مشتتة وحواش يمكن الاستغناء عنها، وهنا من اللازم توجيه التحية للإعلامي عمرو أديب التي أوصى الرئيس بحقوق الإنسان في مصر، وهي توصية لها دلالاتها.

على كل حال، لقد شاهدت مداخلة الرئيس كاملة، وقد احترمته في غير موضع، الأول أنه قال إن مشكلة الدولة المصرية بدأت منذ عام 1967 ولا يتحملها مبارك والإخوان وحدهما، الثاني هو تفكيره في أن يشرّك الألتراس في تحقيقات مذبحة بورسعيد، أما الثالث فهو حرصه الصادق والمخلص على فقراء مصر.

وما عدا ذلك، فبقية المضمون الجيد ذاب في التناقضات، فالرئيس يطالب نخبته بالتحرك بينما قضاته يستهدفون المثقفين المصريين كإسلام البحيري وفاطمة ناعوت وكأن الدولة في رحلة صيد ثقافية، والرئيس يصرح بأنه لا ينزعج من النقد الذي يعتبر من تبعات المسؤولية وتداعياتها، لكن الإعلام المصري تم تجريفه من ناقديه، وخارج الإعلام لم تقصر وزارة الداخلية ولم يتردد القضاة.

وفي موضوع النخب والنقد لا بد من الإشارة إلى غير ملاحظة، فالنخب المصرية ليست جزءا من النظام السياسي حتى تتحرك أو تقرر، مركزية الدولة الأزلية جعلت القرار في يد رئيس أو ملك أو خديوي أو فرعون وما عدا ذلك تفاصيل، وكان الأولى بالتكتل البرلماني “في حب مصر” أو “دعم الدولة” الموالي للرئاسة أن يركز على استقطاب النخب والشباب بصور مضاعفة، بدلا من الالتفات إلى رواسب الحزب الوطني ومتقاعدي الأجهزة الأمنية وسقط المتاع الذين عجزوا عن صون الهيبة البرلمانية تحت قبة أعرق الديمقراطيات العربية في ظل خليط من النواب لا يليق جلهم ببرلمان دولة ناشئة إن لم نقل أكثر، وهنا من الواجب التأكيد على أن كتلة الموالاة في البرلمان تتضمن أسماء جيدة ومحترمة لكنها نادرة ومهمّشة.

أما ما يخص النقد، فالحقيقة أنه لا يليق بثورة 30 يونيو المجيدة، أن تشهد انخفاضا في مستوى النقد للأجهزة الرسمية وعلى رأسها الرئاسة وأجهزة الأمن، لا يليق مطلقا أن تكون هوامش الصحافة والإعلام والسياسة، ولو على صعيد الشكل، أكثر براحا في عهدي مبارك والإخوان من الآن الراهن.

في أربع سنوات شهدت مصر ثورتين شعبيتين رئيستين، 25 يناير و30 يونيو، هذا غير الثورات الجانبية خلال فترة المجلس العسكري والعهد الإخواني، ما أقترحه على الرئيس المصري كمحب لمصر، أن تقوم الدولة هذه المرة بإطلاق الثورة الثالثة، لقد عاينت مصر على مر تاريخها ثورات رسمية متعددة منها ما أصاب ومنها ما أخطأ وفشل، نهضة محمد علي وطموحات إسماعيل وتنوير الوفد واشتراكية عبدالناصر وقفزات السادات، لكن هذه المحاولات رغم تناقضاتها الشاسعة أفضل من نظرية الثبات التي يقترحها الرئيس، فإن جمدت الدولة فالعالم لن ينتظر والمجتمع سيتفسخ والدولة نفسها ستتآكل وتذوب، فالثبات من معانيه أحيانا الموت والفناء.

هناك كثر داخل مصر وخارجها، لم ينظروا بارتياح للسنوات الأخيرة من عهد مبارك كما لم يتقبلوا أبدا الحقبة الإخوانية، لكنهم أيضا غير مطمئنين لمسار الأحداث في مصر اليوم، وليس السبب أنهم من معارضي كل العهود، بل لأنهم لم يجدوا تعاملا جديا أو مغايرا مع أزمات مصر وتحدياتها في كل تلك المراحل، والحقيقة أن الرئيس المصري منذ انتخابه لم يقدم لمحات من خارج الصندوق الذي تشرنق داخله كل المصريين والعرب، ولعلنا نلخص أزمة الرئاسة بغياب الرؤية وانعدام الثقة بالمدنيين.

ما زالت الرئاسة المصرية تتبنى منهجية ثورة يوليو التي تجاوزها الزمن شعارات وثورة، فنظرية تجميد الإصلاح الشامل، وعلى رأسه الإصلاح السياسي واقتطاع الإصلاح الاقتصادي اهتماما، ثبت فشلها طوال ستين سنة، وما زالت الرئاسة متعلقة بأيديولوجية الحزب الوطني وإن مقتت بعض رجاله، وأعني بذلك أيديولوجية السلطة، إنني لا أعرف إلى اللحظة ما هو الرابط الفكري بين أعضاء كتلة الموالاة الرئاسية في البرلمان تماما كما كان الأمر في الحزب الوطني وقبل ذلك حزب مصر، وكارثة أن تكون السلطة مشروعا وغاية لا مجرد وسيلة، والمأساة المؤلمة أن يخيّر المواطن المصري بين أيديولوجيا السلطة النهمة المسيطرة، وأيديولوجيا الإسلام السياسي المتخلفة والعنصرية والدموية والهدامة.

ليس هناك أقدر من النخبة المصرية التي كانت عماد التنوير والتعليم على مستوى العالم العربي لرسم مانفستو الثورة المصرية الثالثة التي يجب أن تتبناها الدولة، وإن حق لمحبي مصر التذكير ببعض النقاط فهذه أبرزها: القطيعة مع الاستبداد الزمني الذي أرسته دولة 23 يوليو، والقطيعة مع الاستبداد الديني الذي تتبناه جماعات الإسلام السياسي. الإيمان بمنهجية الحكومة الرشيقة “شعب أكبر وحكومة أصغر”، وتوسيع الاعتماد على القطاع الخاص وفق أسس صحيحة. تحرير الاقتصاد من سلطان الدولة المركزية، وتحريره من عبء “الدعم” بالتدريج بالتوازي مع تحسين أحوال المواطنين. اعتبار مكافحة الفساد مشروعا تنمويا وطنيا نظير صونه للمال العام وتحسينه للبيئة الاستثمارية. تحرير الجيش من همومه الاقتصادية، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية على أساس الموازنة بين مكافحة الإرهاب والجريمة وبين حفظ حقوق الإنسان. إحياء الحياة السياسية في مصر على أساس التنوع خارج الأحزاب الدينية نهائيا واعتماد مبدأ إدارة الأكثرية، وليس حكمها أو تسلطها، مع ضمان حق المعارضة واحترام المبادرة الفردية وتقديس الحريات العامة والخاصة. استعادة الأزهر الشريف كقوة ناعمة بدلا من وضعه الراهن كسلطة دينية متفردة. إعادة الاعتبار للنخبة المصرية والاعتماد عليها كشريك استراتيجي في التنمية، فتهذيب الدولة والخطاب الديني لن يستقيم دون تهذيب العقول والنفوس بإشاعة الفنون والثقافة وإطلاق الفكر والإبداع، بل إنني أقول إن تجديد الخطاب الديني سيتم على يد أهل الفن والثقافة أكثر من أهل المنابر. عودة مصر النهائية والدائمة إلى محور الاعتدال العربي.

إننا نتحدث باختصار عن الانتقال الآمن والناجز للدولة الحديثة، وكما ثبت وفشلت نظرية الإصلاح الاقتصادي بمعزل عن الإصلاح السياسي، فلن تنجح محاربة الإرهاب بالحل الأمني وتجديد الخطاب الديني فقط، لا بد من مشروع ناضج ومتكامل، أي ثورة شاملة تقودها الدولة.

من الضروري أن يتذكر الرئيس المصري قضيتيْن جوهريتيْن: الأولى هي أن مصر عاصمة العالم العربي، فالزهرة التي تنبت في مصر سيشتم عبيرها مغاربي، والفيلم الذي ستنتجه مصر سيشاهده خليجي في عمق الصحراء، والكتاب الذي ستطبعه مصر سيقرأه شامي في أعالي جبل لبنان، أي أن رفعة مصر أو تأزمها مؤثر عضوي وفوري على العالم العربي ككل، أما القضية الثانية وهي الأهم، أن معركة إصلاح الدولة وإنقاذها وانتشالها أصعب ألف مرة من محاربة كل القوى العظمى وكل جماعات الإرهاب مجتمعة. حفظ الله مصر من كل مكروه وكتب لها كل نصر.

كاتب سعودي

9