مصر والخليج والألعاب الصغيرة في قطر

الثلاثاء 2014/06/10

لا يمكن أن تخطئ عين المراقب حقيقة أن الإعلام القطري لا يزال يلعب بالنار ويصوب سهامه لتخترق صدر الأمة العربية التي تحاول أن تنجو بنفسها من جحيم ما يسمى الفوضى الخلاقة.

ومن تابع قناة الجزيرة يوم الأحد الماضي، وقت تنصيب السيد عبدالفتاح السيسي رئيسا لمصر، لم يفاجئه أن الإرادة القطرية لا تزال مرتهنة إلى تلك الأجندة التي ثبت فشلها، والتي لم تتعلم من ذلك الدرس الكبير الذي يقول إن الكبار الأجانب يُسقطون حلفاءهم ويدفنونهم بمجرد أن تفرض الشعوب واقعا جديدا وتتبدل، تبعا لذلك، المصالح.

أيضا لا يمكن أن تخطئ العين أن القطريين لا يحتاجون لتوظيف مزيد من الأسماء التي طالما انتقلت من معسكر إلى آخر حسب (أسعار السوق) وقوة العرض والطلب. وما نحتاجه فعلا كعرب، في ظل مصر الجديدة وفي ظل الوضع العربي الجديد، هو أن تبقى دول مقاومة خارطة الفوضى الخلاقة متماسكة ومنتبهة إلى ما يُغزل من هؤلاء وغيرهم خلف الجدران، داخليا وخارجيا، لتقويض مقاومتها لهذه الفوضى وإغراقها في بحور الإسلام السياسي المتلاطمة عبر كل الجغرافيا العربية.

لو أخذنا، على سبيل المثال، تعليقات مدارس عزمي بشارة القطرية على رسالة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز للرئيس المصري المنتخب عبدالفتاح السيسي، فسوف يتضح لنا حجم الزلزال النفسي الذي منيت به هذه المدارس بعد أن أسقط التحالف الخليجي المصري نوايا الشر الإخوانية التي تحتضنها قطر وتغدق عليها من (زكايب) ثروتها.

المصريون كما نعلم، بشهادة آلاف المراقبين الأوروبيين والأفارقة والعرب، أجروا انتخابات حرّة نزيهة كانت نتيجتها الحاسمة لصالح عبدالفتاح السيسي، الرجل الذي حمل مفتاح إنقاذ المصريين والعرب من مصير قاتم فيما لو استمر الإخوان يحكمون مصر.

ومع ذلك يأتي صغار تلك المدارس لينعقوا بالنفاق والكذب، وبأن السيسي وصل إلى الرئاسة عبر مسار ملتوٍ بدأ بالانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وتُوّج بمسرحية انتخابية افتقرت للإخراج اللائق. مثل هذا الهراء، الذي كذّبته تقارير البعثات الدولية قبل العربية، يعني أن رُسُل الشر في قطر لا تريد أن تعترف بأن هناك بالفعل طريقا قُطعت عليهم وعلى كل الأجندات التي استهدفت إسقاط النظام العربي الرسمي برمته، واستكمال خارطة تقسيم البلدان العربية بعد القضاء على آخر قوة عسكرية عربية حية هي الجيش المصري، الذي لو قضي عليه، كما كان مبيتا، لقضي على الدولة العربية المركزية الكبرى ولسهل، بعد ذلك، التهام باقي الأنظمة والدول العربية المستقرة.

من حق كل إنسان أن يختار الأفكار والمواقف التي تناسبه، لكن ما ليس من حقه هو أن يلوي عنق الحقائق لتنسجم مع أفكاره ومواقفه، فأولا حين يلوم أحد طلبة (المدارس العزمية) السعودية على تثبيت دعائم النظام العربي الرسمي، فهو يؤكد أن الأجندة القطرية الإخوانية، والأجندة الأممية بشكل عام، تعمل على تهديم هذه الدعائم لتعم الفوضى والتناحر والقتال كل شبر عربي. وإذا ما حصل ذلك فسيمكن، كما كان مخططا، القضاء على كل مقومات الدولة الوطنية العربية ليمكن وقتها تحقيق أحلام النفوذ والسيطرة الأجنبية التي تقوم على الاستقواء والاستفراد بالدويلات العربية الجديدة التي سيجري حينها تقاسم ضعفها وثرواتها.

الشيء الآخر أن السعودية لم تُخْف، كما لم تخف مصر والإمارات وباقي الدول العربية، مخاوفها من تنظيم “الإخوان”. لكن هذه المخاوف ليست، كما يزعمون، بسبب أنهم القوة السياسية الوحيدة المنظّمة القادرة على لعب دور أساسي في أكثر من بلد عربي، بل لأنهم، كما ثبت بالبراهين الدامغة، الأجرأ على الدسائس والأسرع إلى التآمر ضد مصالح دولهم وأمتهم. وحين تفتح ملفات وإثباتات التآمر والتخابر قريبا، سيتأكد المترددون والمشككون من حجم الخطر الذي كان يحدق بهم من جراء مطامع ومطامح الإخوان. وسيعرفون حينها أن سقوطهم كان بمثابة إنقاذ للعرب من طوفان محقق.

اللعب، أيضا، على وتر النشطاء في الداخل و”الإخوان” السعوديين، وكل داعمي الثورات العربية، في تفسير رسالة العاهل السعودي إلى السيسي لم يعد ينفع هذه المدارس التآمرية في قليل أو كثير.

السعوديون والخليجيون، أكثر من أي شعب عربي آخر، يرون نتيجة هذه الثورات العربية التي انفلت فيها زمام الأمور لتدخل دولها في أتون حروب أهلية تحدث كلها، زورا وبهتانا، باسم الدين، حيث لا يفهم أي عاقل أي دين هذا الذي يتقاتل فيه المسلمون أبناء الوطن الواحد في الشوارع وعلى أسطح بيوتهم. أو أي دين يقصدون حين يقطع المتناحرون الرؤوس والأيدي ويتلاعبون بها تحت أقدامهم بمنتهى السفاهة والبشاعة.

إذا كان هذا ما يريده القطريون ومدارسهم وأقلامهم المؤجّرة فهذا شأنهم حيث لا يمكن أن نجبرهم على التعقل وحسن الفهم للأخطار التي تحدق بنا وبهم، لكن شأن العقلاء والحكماء في هذه الأمة أن يقاوموا بكامل طاقاتهم وإمكاناتهم أي فعل سياسي أو إعلامي، ويقاوموا بوجه عام أي فعل فوضوي يهدد استقرار النظام العربي الرسمي، ويهدد سلامة الشعوب العربية والخليجية.

ولعل القطريين هذه المرة يفهمون المغزى من الحشد الخليجي الرسمي الرفيع الذي حضر حفل تنصيب رئيس مصر الجديد عبدالفتاح السيسي، فحضور ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبدالعزيز، وأمير الكويت، وملك البحرين، وولي عهد أبو ظبي يوجه رسالة قوية بأن المنظومة الخليجية في أغلبها وبأهم دولها تدعم الموقف الجديد في مصر وتدعم التغير الاستراتيجي الذي قاده السيسي لصالح بلده مصر، ولصالح الوطن العربي برمته.

وإذا ما استمرت المكابرة القطرية ضد إرادة أمتها المجتمعة فأعتقد أن قطر ستغلق المزيد من منافذ الخروج من عزلتها، وستقطع مزيدا من طرق الالتقاء التي لا تزال مفتوحة أمامها إلى الآن، ووقتها لن ينفعها أولئك الذين يوظفون أصواتهم وأقلامهم للتكسب من خلافات الأشقاء. أولئك الذين عادَوْا أوطانهم، ولم يحبوا قطر بقدر ما يحبون انتفاخ بطونهم وأرصدتهم.


كاتب سعودي

8