مصر والسعودية.. تحالف ضرورة من دون أوهام

“زيارة تاريخية تحمل رسائل سياسية واقتصادية ودبلوماسية”، هكذا وصفت زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز لمصر؛ وهي بالفعل زيارة تاريخية تستمد أهميتها من جملة التحديات المطروحة والرهانات التي تنتظرها وتحيط بها ضمن سياق إقليمي يعجّ بالأزمات والملفات التي تتفق الرياض والقاهرة في بعضها وتختلفان في الهام منها.
السبت 2016/04/09
مسيرة ثنائية على إيقاع واحد

كان ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز يجلس على مقعد وثير في إحدى القاعات المخصصة للضيوف المهمين، وكان جالسا أمامه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحدق في الأرض باهتمام، بينما يستمع إلى الأمير الشاب الذي فهم أنه جاء إلى منتجع سوتشي الروسي ليس لمشاهدة سباق غراند بريكس للسيارات، لكن لتلمس ملامح سباق آخر انطلق من روسيا على النفوذ الدولي في الشرق الأوسط.

أراد الأمير محمد بن سلمان، في ذلك اليوم المشمس من شهر أكتوبر الماضي، أن يكون واضحا علّه يستطيع حصد مكاسب سياسية من العملية العسكرية الموسعة التي كانت موسكو قد أطلقتها في سوريا لمساندة نظام الرئيس السوري بشار الأسد ضد فصائل المعارضة التي تدعمها الرياض.

قال الأمير السعودي بلهجة هادئة “نحن لا نكترث كثيرا بالأسد. كل ما يهمنا هنا هو إيران”. بحسب مصادر دبلوماسية نقلت عنها صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية كان رد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف باسما “الآن باتت لدينا رؤية أوضح بكثير عن كيفية السير في طريق التسوية السياسية في سوريا”. منذ ذلك الوقت أخذ النفوذ الإيراني في سوريا يتراجع شيئا فشيئا.

وقبلها بثلاثة أشهر كان الأمير محمد بن سلمان يصافح باهتمام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في القاهرة، قبل الدخول في نقاشات مطوّلة أسفرت عن صدور “إعلان القاهرة” الذي كان بنده الأول هو “تطوير التعاون العسكري والعمل على إنشاء القوة العربية المشتركة”.

جاء هذا التعاون العسكري على رأس البنود التي تطرح الآن خلال زيارة وصفت بـ”التاريخية” يقوم بها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى القاهرة تستغرق خمسة أيام وسط استقبال رسمي حافل، لكن لن تكون “القوة العربية المشتركة” على ما يبدو أحد هذه البنود.

البلدان لا يبديان استعدادهما لتحمل تكلفة أي انهيار في العلاقات يعيد الانقسام في النظام العربي إلى الحقبة الناصرية

ولم يقدر لهذه القوة أن ترى النور ببساطة لأن الجيش المصري الذي من المفترض أن يكون العمود الفقري لها يحمل أجندة في سوريا غير تلك التي أعلن عنها المسؤولون السعوديون مرارا.

يتكوّن الجيش المصري من مراكز قيادة مختلفة موزعة جغرافيا بطول البلاد وعرضها، أهمها القيادة المركزية ومقرها القاهرة، والجيشان الثاني والثالث الميدانيان ومقرهما مدينتا السويس والإسماعيلية الواقعتان على قناة السويس. وتتركز مهام الجيشين في حماية شبه جزيرة سيناء ومواجهة أي تدخل عسكري إسرائيلي من الحدود الشمالية الشرقية للبلاد.

لكن هذه الحرب الإفتراضية لن تقتصر، وفقا للعقيدة العسكرية المصرية، على صدام ثنائي بين دولتين، بل سيكون هناك حتما طرف ثالث يضرب على الجبهة البعيدة لإسرائيل. هذا الطرف ليس سوى الجيش السوري، أو ما يعرف في القيادة العسكرية المصرية بـ”الجيش الأول الميداني”.

قال لي دبلوماسي كبير يعمل في منطقة الشرق الأوسط إن المصريين مازالوا يعتقدون بأن الجيش السوري هو الجيش العربي الوحيد القادر على لعب دور فعال في أي مواجهة عربية محتملة مع إسرائيل. ورغم الخلاف العميق في الملف السوري، حاولت القاهرة والرياض الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق.

فالسعودية لا تهتم كثيرا بمصير الأسد طالما أنه لن يؤدي في كل الأحوال إلى تثبيت وضع سوريا بالكامل تحت النفوذ الإيراني إلى ما لا نهاية. كما أن مصر لا تهتم أيضا بمصير الأسد طالما أن بقاءه أو رحيله لن يؤدي إلى تدمير الجيش السوري بالكامل أو حله، ولن يقود إلى هيمنة متشددين إسلاميين على السلطة، ولن يزيد من النفوذ التركي في دمشق.

وسط هذا الالتباس الذي يفتقد إلى الحسم، لم يحسم البلدان وجهتي نظرهما في سوريا التي بقيت على الجانبين مستندة على تصريحات دبلوماسية غطّت شعاع النار، لكنها لم تتمكن من حبس الدخان المتصاعد من خلفها.

علاقات تكامل وتنسيق فيما يخص الوضع الإقليمي

حلف الضرورة

في أبريل من العام الماضي كان الشعور المسيطر على الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد والذي يشغل منصب وزير الدفاع أيضا، هو الكثير من الإحباط بعدما استمع من مكتبه إلى قرار البرلمان الباكستاني الملزم للحكومة بعدم التدخل ضمن التحالف الذي شكلته السعودية أوائل العام الماضي لمواجهة الحوثيين المدعومين من قبل إيران، وقوات موالية للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح الذين انقلبوا معا على حكومة الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي.

لاذ رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف لتبرير هذه الخطوة التي اعتبرها السعوديون تخاذلا بتصريحات عرجاء لكسب الوقت. قال حينها إن “باكستان لن تتخلى عن أصدقائها وحلفائها الاستراتيجيين، خاصة في الوقت الذي يتعرض فيه أمنها للخطر”، لكن على أرض الواقع لم يحدث شيء.

كان من الطبيعي أن تتجه السعودية مباشرة بعد ذلك إلى القاهرة، التي لا تزال قابعة في حبس اختياري داخل فترة نقاهة طالت كثيرا منذ الإطاحة بالرئيس المنتمي إلى الإخوان المسلمين محمد مرسي في يوليو 2013 إثر احتجاجات شعبية حاشدة على حكمه.

كانت هذه خطوة طبيعية في سياق نظر السعودية، التي ترى نفسها باحتضانها المسجد الحرام والمسجد النبوي، أنها قلب العالم الإسلامي، فيما ترى مصر وباكستان على أنهما الجناحان الأقوى والأقرب وقت الأزمات.

لكن هذين الجناحين حلّقا بعيدا عن أزمة اليمن، وهو ما أضفى توترا على علاقتهما الوثيقة مع السعودية.

عبر الهاتف قال لي الدبلوماسي الرفيع إن شدّا وجذبا وقعا بين السعوديين والمصريين حول طبيعة القوات المصرية المشاركة في التحالف، إذ لم يكن المصريون يرغبون في إرسال معدات حديثة قد تستهلك في القتال، بينما أصر السعوديون على طلبهم بضرورة إرسال الخبراء والمعدات أيضا.

لكن الرد المصري الأخير على الطلب السعودي، الذي امتد إلى إرسال مصر قوات برية أيضا إلى اليمن، لم يختلف كثيرا عن رد باكستان، وإن لم تمتنع مصر عن المشاركة الخجولة في فرض الحصار البحري على البلد، والمشاركة في عدد من الطلعات الجوية لطائرات التحالف.

قبلت الرياض في نهاية الأمر أسباب مصر وتأكيداتها العلنية بأنها ستدافع عن السعودية في مواجهة أي تهديد خارجي، لكن من بين الأسباب الجوهرية للتردد المصري في اليمن منذ انطلاق الحرب، هو التخوف من أن تسير باتجاه تعزيز نفوذ الإخوان المسلمين هناك. وتحولت هذه المخاوف إلى يقين بعد تعيين هذا الشهر الفريق علي محسن الأحمر المنتمي لحزب الإصلاح الإخواني نائبا للرئيس اليمني.

شد وجذب وقعا بين السعوديين والمصريين حول طبيعة القوات المصرية المشاركة في التحالف

ووفقا لمصادر متطابقة في مصر، ترى قيادات مؤثرة داخل الأجهزة السيادية المصرية أن إدارة الملك سلمان بن عبدالعزيز “أكثر تسامحا” تجاه الإسلاميين من الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي توفي مطلع العام الماضي.

وفي نفس الوقت يرى مسؤولون سعوديون أن لدى إدارة السيسي “استعدادا أقل” للدخول في مواجهة حاسمة مع إيران من الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي كان حليفا مقربا من السعودية.

رغم ذلك لا يبدو أن البلدين مستعدان لتحمل تكلفة أي انهيار في العلاقات قد يعيد الانقسام في النظام العربي إلى الحقبة الناصرية، ببساطة لأن الساسة في الرياض والقاهرة يدركون أن الصعود إلى مسرح إقليمي بات مزدحما، يتطلب حتما الدخول في رقصة طويلة مع أحد اللاعبين الأساسيين الذين يرسمون المشهد أمام جمهور المتفرجين في الأسفل.

تسوية المواقف تجاه إيران

قبل يومين من بدء زيارة الملك سلمان إلى القاهرة مهّد وزير الخارجية المصري سامح شكري الأجواء بطريقة ذكية مفهومة الدوافع، حينما قال إن “الثورة الإيرانية كانت لها تأثيراتها في المنطقة”، وأن إيران “تسعى لمد نفوذها في الدول الإقليمية المحيطة بها بشكل طائفي”، مؤكدا أن مصر “مستمرة في موقفها من قطع العلاقات مع إيران حتى اللحظة”.

بعدها مباشرة أبلغت إدارة شركة نايل سات المصرية وزارة الاتصالات اللبنانية رغبتها في وقف بث قناة “المنار” الناطقة باسم حزب الله المدعوم من قبل إيران لبثها “برامج تثير النعرات الطائفية والفتن”.

ظلت العلاقات المصرية – الإيرانية مقطوعة منذ اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات واحتفاء إيران بـ”قتل الفرعون”. ورغم ذلك بقي الشعور بالرضا يهيمن على القاهرة تجاه الخطاب العدائي الذي يتبناه نظام الولي الفقيه ضد إسرائيل.

الموقف المصري من لبنان ظل مستترا واقتصر فقط على نقاشات الدبلوماسيين المطولة بين الجانبين في الغرف المغلقة

كان سامح شكري يعكس هذه النظرة المصرية تماما، قبل عشرة أيام فقط من زيارة العاهل السعودي للقاهرة، عندما قال في حوار نشرته صحيفة “اليوم السابع” المحلية عن قرار جامعة الدول العربية باعتبار حزب الله منظمة إرهابية، “ما صدر كان توصيفا لأعمال أكثر منه إقرارا بصفة معينة على الحزب في مجمله”.

كان هذا التصريح أيضا تعبيرا عن الموقف المصري الذي يشوبه عدم الارتياح للتصعيد السعودي في لبنان خوفا على استقرار هذا البلد الصغير، كما قال لي الدبلوماسي الذي يعمل منذ وقت طويل في المنطقة.

لكن الموقف المصري من لبنان ظل مستترا واقتصر فقط على نقاشات الدبلوماسيين المطولة بين الجانبين في الغرف المغلقة، ولم يظهر إلى العلن في وقت احتاجت فيه مصر دعما سعوديا مطلقا لضمان مقعد الأمين العام لجامعة الدول العربية الذي انتخب له مرشحها وزير الخارجية الأسبق أحمد أبوالغيط منتصف مارس الماضي.

جاء هذا الدعم بعد جولات متواصلة من الشد والجذب الدبلوماسي الذي كانت دوافعه كما قالت لي مصادر مصرية إحساس القاهرة بأن “هناك مساعي سعودية بنقل ما تبقى من تأثير داخل الجامعة العربية المتهالكة إلى منظمة التعاون الإسلامي الذي تلعب تركيا دورا هاما داخلها”.

وشهد تشكيل القوة العربية المشتركة جولات أخرى من النقاشات الشاقة بين الجانبين، انتهت في نهاية المطاف بإعلان السعودية عن تأسيس “تحالف إسلامي” لمواجهة الإرهاب والنفوذ الإيراني ضم 34 دولة بينها مصر.

لا مزيد من المنح

طالما كانت خشية دول مجلس التعاون الخليجي من اتساع نطاق النفوذ الإيراني في المنطقة مسوغا لدى إدارات مصرية متعاقبة لتوقع المزيد من دعم مالي وصل ذروته خلال حكم الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي شاهد بكثير من القلق في فبراير 2013 الرئيس الإيراني المحافظ أحمدي نجاد في قلب القاهرة بدعوة من مرسي.

لكن الكثير من الوعود السعودية بتقديم المزيد من المنح إلى مصر، التي لم يعلن الطرفان عن مجملها أبدا، توقفت منذ تولي الملك سلمان الحكم، وبعدما بدأت السعودية تشعر بوطأة التراجع الحاد في أسعار النفط منذ صيف عام 2014.

والجمعة، قال رجل أعمال سعودي مطّلع إن الدعم المالي الذي تقدمه المملكة لحليفتها الاستراتيجية مصر لن يشمل “منحا” بعد الآن، وإن الرياض ستركز على القروض الميسرة والعائد على الاستثمار في الوقت الذي تتجه فيه إلى تنويع مصادر إيراداتها.

وقال رجل الأعمال لرويترز إن “هذا تغيير في الاستراتيجية. العائد على الاستثمار مهم للمملكة العربية السعودية في الوقت الذي تنوع فيه مصادر الإيرادات”. (أنظر ص11)

قبل ذلك قال لي دبلوماسي مصري في لندن إن مصر كانت لديها شكوك عميقة حول قدرة السعودية على الاستمرار في تقديم هذا الدعم القوي “دون أن تحصل من القاهرة على التنازلات السياسية التي كانت تتطلع لها خاصة في الملفين اليمني والسوري”.

وأعلنت السعودية مطلع الشهر الجاري عن خطط لتأسيس صندوق ضخم بقيمة تريليوني دولار لمواجهة حقبة ما بعد النفط. كما كشفت عن خطط مماثلة لطرح 5 بالمئة من شركة أرامكو العملاقة للنفط للتداول خلال 2017.

وجاءت هذه الإجراءات الجذرية لتعكس عقلية جديدة في السعودية، التي كانت تعتمد بشكل كامل على عوائد النفط، تسعى لبناء اقتصاد أكثر مرونة. وقبل موجة الهبوط الحاد في أسعار النفط التي بدأت منتصف عام 2014، كان الصندوق السيادي السعودي يدير أصولا قدرت بـ750 مليار دولار.

ولجأت السعودية إلى السحب من أصول الصندوق بمعدل ما يقرب من 100 مليار دولار سنويا. وتشير تقديرات إلى أن حجم أصول الصندوق السيادي تراجعت إلى 540 مليار دولار. والعام الماضي، سجلت موازنة السعودية عجزا قيمته 98 مليار دولار. ومن المتوقع أن ينخفض العجز في موازنة العام الحالي ليصل إلى 87 مليار دولار.

وذكر رجل الأعمال السعودي أيضا أن الرياض ستعلن عن مشروعات في القطاعين العام والخاص في مصر خلال الزيارة، لافتا إلى أن جميع المشروعات السعودية في مصر خضعت لدراسات جدوى.

ويعني هذا أن الطرفين لم يعودا قادرين على تحمل تكلفة المنح المجانية التي تثقل كاهل السعودية بالمزيد من العجز المالي، وتخصم في الوقت نفسه من الاستقلالية الوطنية المصرية ومن المساحة المتاحة أمامها للتحرك على المستوى الإقليمي.

كما يتطلع البلدان إلى تحقيق عوائد أكبر عبر المشروعات الاستثمارية في سوق مصرية عذراء ومتعطشة لضخ المزيد منها، لاحتواء معدلات البطالة التي تقول تقارير رسمية إنها وصلت إلى 13 بالمئة العام الماضي. ويعكس هذا التعاون تشبثا متبادلا بين الجانبين بعلاقات ضرورية لا يجدا بديلا محتملا لها، كما قال لي عضو في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس العموم البريطاني.

وقال هذا البرلماني البارز بعد عودته مباشرة من القاهرة، حيث التقى ضمن وفد رفيع المستوى، مسؤولين مصريين كبار “ما يجمع مصر والسعودية هو رباط إلهي كالزواج الكاثوليكي، الذي يخرج أحد طرفيه من الملة إذا حاول وضع حد له”.

كاتب مصري مقيم في لندن

اقرأ أيضا:

جسر استثماري وجسر عابر للبحر بين السعودية ومصر

7