مصر والسعودية: تقارب مفيد أكثر منه تحالف

يبدو التوتر الحاصل، مؤخرا، في العلاقات المصرية السعودية مرتبطا في ظاهره بالملف السوري وتباين وجهات النظر بشأنه، دعّمه تصويت القاهرة في مجلس الأمن لصالح مشروع قرار روسي بشأن الأوضاع في حلب، لكن تاريخ العلاقة بين البلدين يوضح أن التناقضات بينهما أعمق من ذلك، وهي متأصلة في جذور علاقتهما، وتظهر من وقت لآخر في شكل توتر مرتبط بملف ما أو قضية إقليمية محددة.
الثلاثاء 2016/10/18
تقارب مفيد

ليس ثمة أي مجال للحيرة أمام التناقضات التي تحكم العلاقات بين مصر والسعودية. التناقضات حكمت علاقات السعودية مع مصر منذ الخمسينات من القرن الماضي وإلى اليوم.

منذ إسقاط نظام الملكية وصعود الناصرية، التي أسست لحكم العسكريين في مصر، لم يتوصل البلدان إلى أي صيغة توافقية تمكنهما من العمل معا ضمن معسكر واحد بسهولة. بالطبع تلاقت المواقف في نكسة 67 وحرب 73 وفي حربي الخليج الأولى والثانية، لكن ظلت الخلافات تحكم نهج البلدين في الكثير من التفاصيل الأخرى.

لم ترتقِ العلاقة بين الجانبين يوما إلى مستوى التحالف، وبدلا من ذلك حافظ الحكم في السعودية وحكم الجيش في مصر على مسافات متباعدة بلورت “علاقات الضرورة” التي مازالت تحكم توجهات البلدين إلى الآن.

لا يروق نظام حكم العائلة ومحيطها من أمراء وأذرع إعلامية واقتصادية ودائرة واسعة تشارك الحكم في السعودية للعسكريين المصريين. ولا يحبذ السعوديون نظام حكم الفرد والمركزية المفرطة التي تطبع حكما أمنيا بالأساس في مصر. الاختلافات الجوهرية في تركيبة النظامين كانت القاعدة الأساسية لرسم توجهاتهما الإقليمية وعلاقتهما الدولية. لا يجد السعوديون غضاضة في الاعتماد المطلق على الأميركيين منذ إنشاء الدولة السعودية عام 1932.

طبيعة الحكم في مصر، التي مازالت رواسب الناصرية تدعم عقيدتها، لا تميل إلى التوجه نفسه، رغم الإجماع بين المؤسسات الرئيسية على أن الولايات المتحدة مازالت تملك كل أوراق اللعبة في المنطقة وغيرها.

طبيعة الشعبين وسياق تاريخهما مختلفان تماما. ثقافة الناس في الشارع المصري مازالت تحمل البعض من جينات التمدن الذي يتعارض في جوهره مع تركيبة المجتمع السعودي القائم على القبلية والسلفية بتوجهها الوهابي. لا تصنع هذه الاختلافات العميقة حليفين يمكن الاعتماد على توافقاتهما.

صراع شقيقين

تشبه العلاقة التي تجمع البلدين اليوم “صراع شقيقين” يحاولان إخفاء تبعاته عن الجيران. شقيق أكبر اعتاد على إدارة أصول العائلة منذ زمن بعيد، لكن العمر استبد به وصار جسده مثقلا بالأسقام. وشقيق آخر شاب يافع، يملك وفرة من القوة ويطمح إلى قيادة مقادير العائلة في اتجاهات مغايرة لأجندتها التقليدية. المشكلة هي أن كل محاولات الشقيقين لإخفاء أبعاد هذا الصراع المحتدم باءت بالفشل، ولم يجد كل منهما مفرّا في النهاية سوى الاستقواء بالجيران. جيران بطموحات خاصة بهم مثل إيران وتركيا.

ليست الحرب السورية هي أساس هذه الاختلافات المتجددة، بل كانت المناوشات التي أعقبت تصويت مصر في مجلس الأمن لصالح القرار الروسي، شرارة صغيرة تطايرت عن الجانبين من دون قصد. ما يهم السعوديين أكثر هو اليمن.

قاد هذا الملف وغيره السعودية للسقوط في فخ التوقعات، ولم تكن قادرة على قراءة “حليفها” بشكل جيد. تعاملت دوائر الحكم في السعودية مع النظام المصري بوصفه نظاما مركزيا ليس إلا. لم يفهم الكثيرون هناك كيف لا يستطيع هذا النظام المركزي ذي السلطات المطلقة تمرير اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، أو إرسال قوات برية قادرة على حسم المعركة في اليمن.

العلاقة بين الجانبين لم ترتق يوما إلى مستوى التحالف، وبدلا من ذلك حافظ الحكم في السعودية وحكم الجيش في مصر على مسافات متباعدة بلورت (علاقات الضرورة) التي مازالت تحكم توجهات البلدين إلى الآن

ليس على هذا تجري الأمور في مصر. السيسي، وإن كان يرغب في إظهار البعض من الامتنان من دعم السعودية ودول خليجية أخرى لمصر بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين، فإنه مازال يفهم حدود حركته جيدا.

ثمة مقاربة أخرى يمكن اعتبارها الرؤية الحاكمة للفلسفة التي يعتمدها العسكريون في علاقتهم بالسعودية، وهي أنها لا تستطيع تحمل كلفة العداء مع مصر خصوصا الآن.

المعادلة ببساطة هي أن مصر ليس لديها ما تخسره. هذا بلد كبير مر بموجتين ثوريتين أطاحت بنظامي حكم خلال ثلاث سنوات فقط، ويمر الآن بأزمة اقتصادية تدفعه كل يوم إلى حافة الإفلاس، بينما يهرول حكامه يمينا ويسارا لمحاولة إنقاذه من هذا المصير المروع. لا خسائر أفدح على أي دولة من ذلك. السعودية هي من يبدو أنها الخاسر. نحن أمام وضع اقتصادي سعودي جديد عليه أن يراعي تراجع أسعار النفط، وارتفاع مستوى العجز في الميزانية لمعدلات قياسية. إيران، الخصم اللدود للسعودية، تكسب الواقع اليومي للناس في لبنان وفي سوريا وفي العراق، وتناوش السعودية في البحرين وتحافظ على ما حققته ميليشياتها في اليمن. السعودية تشعر بأنها محاصرة، وأن مصر تركتها وحيدة.

اكتسب النظام الطائفي المتطرف في إيران دفعة هائلة بعد الاتفاق النووي مع الغرب الذي حيّد الولايات المتحدة تماما عن الصراع. نحن أمام نظام يقود قطارا مندفعا على قضيبين، أحدهما هو الطائفية والآخر يمثل العنصرية الفارسية المتجددة.

بكلام أوضح لا أحد يستطيع أن يلوم السعودية على مواجهة ما تعتبره تهديدا لوجودها. قبل نحو ثلاثة أعوام كانت المقاربة السعودية مبنية بالأساس في المنطقة على محورين رئيسيين: الولايات المتحدة كمظلة استراتيجية حامية للمشرق العربي، ومصر كداعم إقليمي وعربي يمكن لانحيازاته المطلقة أن تحسم المواجهة على المدى الطويل. اليوم لا تجد السعودية لا الولايات المتحدة، التي قررت ترك المنطقة لعبث الإيرانيين من دون أي ضغوط، ولا مصر التي لا تستطيع ولا تريد أيضا لعب أي دور إقليمي في هذه المرحلة.

في النهاية الشعور المهيمن في السعودية هو أنها قدمت ما عندها لمصر عندما استثمرت في دعم النظام المصري الجديد بالمليارات من الدولارات على أمل أن تلقى دعما من نوع آخر في مواجهتها مع إيران. لكن طلب الدعم بين الحلفاء لا يكون عبر وقف المساعدات أو إلغاء الصفقات.

قبل ثلاثة أعوام واجه المصريون نفس الموقف بأبعاد مختلفة قليلا. لم ينس المصريون ما فعلته قطر. عندما قررت الدوحة إرسال مساعدات للقاهرة أيام حكم الإخوان ربطت مساعداتها بخيط. بمجرد إدراك أن رؤية النظام الجديد لا تتوافق مع أجندة المصالح القطرية، جذبت الدوحة الخيط تجاهها مرة أخرى، واستعادت كل دولار من الخزينة المصرية.

من المبكر الحكم على أن السعودية ستقع في نفس الخطأ، سواء عبر إيقاف شحنات نفط كان متفقا عليها بين الطرفين مسبقا أو السماح لبوق إعلامي بالكلام عن الشأن السعودي المصري خارج حيز الدبلوماسية والتكتم. لكن في نفس الوقت مازالت السعودية تتبنى سلوكا يشبه في حد كبير منه سلوك الأميركيين تجاه أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. كان مشروع مارشال لإنقاذ دول أوروبية مدمرة تماما جسرا لعبور الولايات المتحدة إلى وراثة الإمبراطورية البريطانية التي لطالما حافظت على الهيمنة المطلقة قبل الحرب.

لكن دولارات الأميركيين كانت أيضا مشروطة بتأكيد أوروبا ولاءها للرأسمالية، ومعاداتها للشيوعية الستالينية. لكن الشرق الأوسط ليس أوروبا، والسعودية ليست قوة عظمى تحاول فرض رؤية بديلة واضحة للمنطقة، ومصر ليست دولة أوروبية تحولت إلى أنقاض يبحث الناس بينها عن الخبز.

الفكرة الأساسية التي باتت مسيطرة على العقل الحاكم في القاهرة اليوم هي أن المساعدات، خصوصا السعودية، كانت ثمنا بسيطا لإطاحة نظام الإخوان المسلمين الذي يعد العدة للوصول إلى الحكم في الرياض مباشرة أو بالاستعانة بإيران كما شهدت زيارة محمود أحمدي نجاد للقاهرة. احتاج النظام الجديد في القاهرة إلى دعم اقتصادي كي يتمكن من تثبيت نفسه في مواجهة شبه عزلة دولية، وطموح إخواني بالعودة.

الفكرة الأساسية التي باتت مسيطرة على العقل الحاكم في القاهرة اليوم هي أن المساعدات، خصوصا السعودية، كانت ثمنا بسيطا لإطاحة نظام الإخوان المسلمين الذي يعد العدة للوصول إلى الحكم في الرياض مباشرة أو بالاستعانة بإيران

الخطوط الحمراء

لم تكن المساعدات الاقتصادية عملا خيريا. أدركت الرؤية السعودية الآن، ولو بشكل غير مكتمل، الخطوط الحمراء التي لا يمكن للمؤسسة العسكرية المصرية بشكل خاص تخطيها إقليميا.

لا يروق لمصر أيضا عودة الرياض إلى دعم الإخوان المسلمين في اليمن وتنظيمات سلفية، اجتماعية أو جهادية، يسهم صعودها في إنهاء أي أثر للدولة الوطنية حتى بعد انتهاء الصراع في سوريا.

لا تبدي السعودية أي استعداد لتفهم وجهة النظر المصرية في الملف السوري بالذات. يقع الكثير من وسائل الإعلام السعودي في فخ الاستسهال الرومانسي والسطحية عند الترويج لفكرة أن مصر تدعم بشار الأسد.

يغيب عن فكر الكثيرين في السعودية، وبين صفوف المعارضة السورية على حد سواء، أن الفلسفة التاريخية للسياسة الخارجية المصرية في الشرق الأوسط تضع سوريا في المقدمة بعد القضية الفلسطينية. في العقيدة العسكرية للجيش المصري سوريا هي مجال حيوي لأي عمليات خارجية ضد إسرائيل، والجيش السوري (أو ما تبقى منه) هو آخر ما تبقى للجيش المصري قبل أن يصبح مكشوفا تماما.

بالطبع قد تكون هذه العقيدة غير مفهومة للكثيرين مقارنة بالتغيرات الجذرية التي تشهدها المنطقة حاليا، لكن إذا كان الحلفاء لا يفهمون تحفظات بعضهم البعض، إذن كيف يمكننا أن نسميهم “حلفاء”؟

اتفاق السعودية ومصر على عدم الاتفاق والتعايش مع هذا الواقع هو الحل الأنسب كي يقف “التحالف” الشكلي عند حد “التقارب المفيد”، ولا ينحدر إلى ما هو أسوأ من ذلك. تكرار الحقبة الناصرية مرة أخرى اليوم لن يكون مفيدا للطرفين، وسينقل إيران حتما إلى المرحلة التالية من خططها لهيمنة مطلقة على المنطقة.

كاتب مصري مقيم في لندن

7