مصر والسودان: خلافات لا تصل إلى نقطة اللاعودة

تبريد ملف النهضة والتركيز على المفاوضات والتعاون، وإعادة وصل اقتصاد السودان بالدائرة الدولية تحتاج إلى جهد.
الجمعة 2018/03/23
الوضع يحتاج تهدئة الخطوات

الخرطوم - عاد السودان في الفترة الأخيرة إلى اللعب على وتر علاقات الجوار والصداقة التاريخية مع مصر، ضمن مسعى لإزالة الخلافات الأخيرة التي شابت العلاقات السودانية المصرية.

ولم يفاجئ الحديث السوداني الهادئ، بعد تصعيد في الفترة الماضية، العارفين بطبيعة نظام الخرطوم وروحية السياسة الخارجية السودانية القائمة على إيجاد توازن تستطيع من خلاله أن تكون محايدة في الصراعات الدولية والإقليمية ومستفيدة من علاقاتها مع دول المنطقة لا سيما مع مصر.

 

وصف وزير الإعلام السوداني أحمد بلال عثمان الزيارة الطارئة للرئيس عمر البشير إلى مصر بأنها زيارة أسست لمرحلة جديدة بين السودان ومصر يسود فيها التفاهم وتبادل المصالح، جازما بأن التأكيد على أن العلاقة السودانية المصرية علاقة يجب أن تنمو وتزدهر في خطاب براغماتي تقليدي يأتي عقب كل تصعيد سوداني ضد مصر لغاية تحددها المرحلة والأهداف

وكان وزير الخارجية السوداني أعلن في 3 مارس الجاري عن عودة السفير السوداني في مصر عبدالمحمود عبدالحليم إلى عمله في القاهرة بعد أن تم استدعاؤه إلى الخرطوم في يناير الماضي. وتم اتخاذ هذا القرار إثر اجتماع في القاهرة في فبراير الماضي ضم وزراء خارجية ومديري أجهزة المخابرات لدى البلدين.

ورغم عملية سحب السفراء التي تمت بين البلدين، إلا أن الخرطوم والقاهرة لم ترفعا من حدة الخلاف وبقيت أسبابه خفيّة ولم تعلنا عن أسبابه بشكل رسمي، بما أوحى أن لدى العاصمتين حرصا على عدم مفاقمة الخلاف ومعالجة حيثياته عبر الخطوط الدبلوماسية الخلفية الهادئة.

غير أن عدم الإجهار الرسمي بأسباب الخلاف لا يخفي ما يعرفه المراقبون من ملفات خلافية بين البلدين. ويقول المتخصصون في العلاقات السودانية المصرية إن الخلافات تتعلق بمواقف البلدين في مقاربة سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا، ناهيك عن الخلاف القديم حول مثلث حلايب، إضافة إلى شكوك مصر في ذلك الرابط التاريخي بين الخرطوم وجماعة الإخوان المسلمين.

ويلفت الخبراء إلى أن كأس الخلافات قد فاض إثر تطور العلاقات السودانية التركية وإعلان الطرفين عن اتفاقات تتعلق بالبحر الأحمر لا سيما ذلك المتعلق بمنح السودان جزيرة سواكن لتركيا تحت عنوان الاستثمار والإنماء داخل تلك الجزيرة العثمانية القديمة.

لكن مراجع سودانية تكشف أن العلاقات السودانية المصرية أصيبت بانتكاسة كبرى إثر الاتفاقية بين القاهرة والرياض عام 2011 والتي أعلن بموجبها عن تبعية جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ما أدى إلى أن تعيد القاهرة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسودان.

وكان السودان قد تقدم عبر بعثته في الأمم المتحدة في فبراير الماضي بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي يتهم فيها الحكومة المصرية بالمضي قدما في خططها الهادفة للاستحواذ على منطقة حلايب المتنازع عليها.

وشددت الحكومة السودانية في شكواها بمجلس الأمن على أن حلايب أرض سودانية وأن المواطنين السودانيين فيها يتعرضون لانتهاكات كالاعتقال والتهجير القسري.

ويجدد السودان سنويا شكواه في مجلس الأمن بشأن مثلث حلايب وشلاتين منذ عام 1958، ويقابل ذلك الجانب المصري برفض التفاوض أو التحكيم الدولي بشأن المثلث الحدودي.

غير أن بعض التقارير قالت إن الخلاف حول حلايب بات رتيبا وتتم إدارته بشكل عادي بين الدولتين، والسبب الحقيقي وراء التدهور الذي طرأ على علاقات الخرطوم والقاهرة يعود إلى الاتفاق السوداني التركي الذي قد يمكن تركيا، رغم نفي أنقرة، من إقامة قاعدة عسكرية على جزيرة سواكن السودانية. ودفعت خطورة الأمر مصر إلى نشر قوات لها في قاعدة عسكرية إماراتية في إريتريا، وهو أمر لم تؤكده أي جهات رسمية.

Thumbnail

وتؤكد مصادر سودانية أن البلدين أدركا خطورة التدهور في علاقاتهما وأن زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى القاهرة في 19 مارس الجاري كان هدفها تتويج ما توصلت إليه القنوات الدبلوماسية (وزراء الخارجية) والأمنية (رؤوساء الأجهزة الأمنية) من تفاهمات من خلال لقاء على أعلى مستوى جمع بين الرئيس البشير والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

وقال الرئيس السوداني، إن بلاده لديها إرادة سياسية قوية لحل أي إشكالية مع مصر من أجل تحقيق مصلحة الشعبين والبلدين. وأكد دعمه لاستقرار مصر ولنظيره عبدالفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية، فيما شدد البلدان على أهمية تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات. وقال البشير إن اختياره لتوقيت هذه الزيارة بالتزامن مع إجراء الانتخابات الرئاسية في مصر جاء “لنؤكد أننا مع استقرار مصر ومع دعم الرئيس السيسي لأننا عرفناه عن قرب وعرفنا صدقه وتطلعاته لعلاقات قوية بين البلدين”.

ومن جهته قال السيسي “تأتي هذه الزيارة لتعكس الروح الإيجابية بين البلدين، والحرص التام على تعزيز التشاور والتنسيق، وتوثيق أواصر التعاون في مختلف المجالات”.

ورأى محللون أن البلدين يسعيان إلى تبريد ملف النهضة والتركيز على مسائل المفاوضات والتعاون. ونقل عن الرئيس السيسي قوله إن “نموذج التعاون في حوض نهر النيل لا يجب أن يكون بأي شكل من الأشكال ‘معادلة صفرية’، وإنما قاطرة لتحقيق التنمية والرخاء لشعوبنا، من خلال التعاون وتفهّم شواغل الطرف الآخر، لا سيما حينما تتعلق تلك الشواغل بشريان الحياة الرئيسي للشعب المصري الذي يتجاوز عدد سكانه 100 مليون نسمة، ويعتمد بشكل رئيسي على هذا النهر كمورد للمياه”.

ويسعى الرئيس السوداني إلى تطوير علاقات بلاده بأفريقيا. وقال وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، الأربعاء، إن الرئيس البشير، بحث مع قادة أفارقة (لم يذكرهم)، على هامش القمة الأفريقية برواندا، العلاقات الثنائية، وعملية السلام بدولتي ليبيا وجنوب السودان اللتين تشهدان اضطرابات سياسية وأمنية منذ سنوات.

Thumbnail

وتحاول الخرطوم إيجاد وسائل ناجعة للخروج من أزمة اقتصادية خانقة انفجرت منذ أن فقد السودان على نحو كبير ربع مداخيله من إنتاج النفط بعد خسارته لربع الإنتاج منذ انفصال جنوب السودان عام 2011. وارتفعت معدلات التضخم في السودان بنسبة 54.34 بالمئة في فبراير الماضي على أساس سنوي، مقارنة مع 52.37 بالمئة في يناير الذي سبقه.

وأرجع بيان صدر عن الجهاز المركزي للإحصاء ذلك إلى ارتفاع مجموعة الأغذية والمشروبات، التي كانت الأكثر مساهمة، بنسبة 52.86 بالمئة. وكانت الحكومة السودانية، أقرت مطلع العام الجاري عددا من الإجراءات الاقتصادية، من بينها رفع سعر الدولار في البنوك التجارية ومحلات الصرافة، ليقفز سعر الدولار الجمركي والرسمي إلى 18 جنيها، مقارنة بـ6.9 جنيهات سابقا.

ورفعت الحكومة السودانية الدعم عن القمح وتركت أمر استيراده للقطاع الخاص، بما أدى إلى ارتفاع أسعار الخبز بنسبة الضعف.

وتستهدف الموازنة السودانية للعام الحالي، إبقاء معدل التضخم في حدود 19.5 بالمئة، مع معدل نمو 4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع 4.4 بالمئة في2017. غير أنه حسب بعض المراجع الدولية، فإن هذا المعدل وصل إلى 122 بالمئة، وهي أعلى نسبة تضخم في العالم بعد فنزيلا.

وتتحدث تقارير عن أن المصرف المركزي السوداني تلقى وديعة بقيمة 1.4 مليار دولار من دولة الإمارات. ويقول خبراء الاقتصاد إن السودان يسعى للخروج من تداعيات المقاطعة التي فرضتها الإدارة الأميركية لمدة عشرين عاما والتي لم تُرفع إلا حديثا في عهد الرئيس دونالد ترامب.

وكشف مقال في موقع “كوارتز” حول الاقتصاد السوداني أن رفع العقوبات الأميركية كان أمرا جيدا بالنسبة إلى السودان ولرجال الأعمال السودانيين، لكن إعادة وصل اقتصاد البلاد بالدائرة الاقتصادية الدولية مازالت تحتاج إلى جهد دؤوب قبل أن تعود دورة البلاد الاقتصادية لتتصل بالأسواق الدولية وأنظمتها المالية الكبرى.

7