مصر والسودان: مساعي تقريب وجهات النظر تضيع في زحام الأزمات

تثير اجتماعات اللجنة العليا المشتركة المصرية السودانية، التي بدأت أعمالها، الأحد، بالقاهرة، وتتوّج الأربعاء 5 أكتوبر الجاري بلقاء القمة بين الرئيسين، المصري عبدالفتاح السيسي، والسوداني عمر البشير، سؤالا مهمّا حول جدوى مثل هذه اللجان، وأهمية الدور الذي تلعبه في إصلاح العلاقات، ومدى قدرتها على تجاوز الخلافات بين الدول.
الأربعاء 2016/10/05
محللون: البشير يعتمد على السيسي في دعم وترسيخ نظامه

القاهرة – تشهد العلاقات بين البعض من الدول العربية توترات سياسية مردّها خلافات حدودية أو اختلافات في الأجندات الإقليمية، لكن هذه الخلافات لا تمنع التواصل للحفاظ على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

وتلعب دور همزة الوصل في هذا الإطار لجان مختصة تحاول تقريب وجهات النظر. ومن الأمثلة المطروحة في هذا السياق اللجنة العليا المصرية- السودانية، التي بدأت أعمالها، الأحد، بالقاهرة، وتتوّج الأربعاء 5 أكتوبر الجاري بلقاء بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيره السوداني عمر البشير.

وتعقد اللجنة، لأول مرة على المستوى الرئاسي، بما يعكس أهمية المرحلة التي تمر بها العلاقات بين الدولتين، وإدراك كل طرف أهمية التوصل إلى حلول للكثير من القضايا الخلافية العالقة بينهما.

واعتبرت منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري سابقا، أن الخلافات السياسية بين القاهرة والخرطوم، لا تمنع بالضرورة أن تكون هناك علاقات على المستويات الأخرى. وأوضحت لـ”العرب” أن اجتماعات اللجنة العليا السودانية المصرية تشهد توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية، بهدف تكثيف التعاون القائم بين البلدين.

وقالت إن المباحثات في مختلف اللجان الفرعية، المنبثقة عن اللجنة العليا، تتناول موضوعات مهمة، خاصة التعاون الاقتصادي والمالي، والذي ينتظر أن تناقش في إطاره موضوعات تيسير التبادل التجاري، وتأثير افتتاح منفذ أرقين البري بين البلدين على التجارة البينية قبل أيام، ورفع القيود الجمركية على السلع، وخلق بيئة استثمارية جاذبة للقطاع الخاص.

عانى مسار العلاقة المصرية السودانية في السنوات الماضية، من اختلالات كبيرة أدّت إلى خسائر سياسية واقتصادية واجتماعية للطرفين، بسبب مجموعة من العوامل، أهمها، اختلاف أيديولوجيا الأنظمة الحاكمة منذ استقلال الدولتين، عقب خروج الاحتلال البريطاني.

ولعبت التهديدات التي تواجه الأمن القومي لمصر دورا كبيرا في ترسيخ وتدعيم ذلك النمط من العلاقة بين الدولتين، ومنها تورط البعض من الأحزاب السودانية في علاقات مع دول في حالة عداء مع مصر، ودخول شركات أميركية وإسرائيلية إلى الجنوب السوداني (قبل انفصاله عن السودان)، وتصاعد حدة الشائعات بشأن وعود سودانية لدول مختلفة بإنشاء قواعد عسكرية بالقرب من الحدود المشتركة بين الدولتين.

رغم الخلافات العميقة في البعض من القضايا، غير أن العلاقات حافظت في شقها الظاهر على قدر من المتانة، كما أن وجود الرئيس السوداني عمر البشير في الحكم يعتبر أمرا مريحا بالنسبة إلى النظام المصري عموما، على اعتبار أن السودان مليء بالتيارات والجماعات الجهادية والميليشيات المسلحة، وربما ترى القاهرة أن البشير أفضل من يستطيع التعامل مع الجماعات والتيارات الإسلامية المتشددة، لأنه خرج من عباءتهم، حتى لو كانت تصدر عنه تلميحات أو تصريحات مثيرة للجدل.

وقالت أماني الطويل، الخبيرة في الشؤون السودانية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية لـ”العرب”، إن البشير يعتمد على السيسي في دعم وترسيخ نظامه، الذي يواجه العديد من العوائق في الوقت الراهن، من زاوية الحرص على استقرار السودان، وتقليل حجم توتراته الداخلية، تحاشيا لانعكاساتها السلبية على مصر.

وكان ملف مياه النيل، من أهم العوامل التي أدّت إلى الخلل في العلاقة، حيث تثار العديد من الاتهامات والشكوك حول طبيعة الموقف السوداني، بشأن حقوق مصر التاريخية في المياه، وهو ما يلقي بظلاله على إشكالية العلاقات مع إثيوبيا، التي بدأت بالفعل مراحل أولية لتشغيل سدّ النهضة.

وهناك أيضا قضية البحر الأحمر، وما يمثله لمصر من أهمية لأمنها القومي، حيث يطل السودان على جزء من هذا الممر المائي، بما يعتبر بوابة للقاهرة إلى دول القرن الأفريقي، ما يفرض عليها ضرورة العمل على إذابة أي عوائق في العلاقة، خاصة إذا أخذت في الاعتبار حالة الحراك الإقليمي، وتبدل ميزان القوى الإقليمية بين حين وآخر.

وشكّل هذا الملف أحد أهم نقاط إشكالية العلاقة بين مصر والسودان، حيث بدت مواقف الخرطوم خلال الفترة الماضية منسجمة مع حسابات أديس أبابا، الأمر الذي أزعج القاهرة، وخلف لديها مرارات وجدت أن الدبلوماسية الطريق الوحيدة لعلاجها أو تخفيفها.

ويضاف إلى قائمة مسببات التوتر بين البلدين قضية حلايب وشلاتين التي تعد من أهم القضايا الخلافية الساخنة بين البلدين، حيث الحدود الشمالية الشرقية للسودان تلتقي بالحدود الجنوبية الغربية لمصر.

ورأت الباحثة السودانية رشا عوض، أن نظام البشير يتعامل مع مصر في هذا الملف كجسر للعبور إلى قلب البعض من الدول العربية، للحصول على دعم منها في أزمته مع الجنوب السوداني، ما يجعله يساوم على البعض من القضايا الخلافية.

ولفتت، في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن موضوع حلايب وشلاتين، “كارت مساومة” لدى النظام السوداني، إذ عندما تكون العلاقات جيدة مع القاهرة يتم نسيانه، ومتى توترت يعود الحديث عن أن حلايب سودانية.

ووسط هذا الكمّ من الأزمات، لا تستطيع اللجان العليا، بالطريقة التقليدية التي تسير عليها، تحقيق اختراقات حقيقية في القضايا المشتعلة، وكل ما يمكن أن تفعله، محاولة للإيحاء بأن الأمور تسير على ما يرام، وأن ما يتردد حول وجود توترات وأزمات عميقة، لا يعدو كونه اجتهادات إعلامية وسياسية، لا تمت للواقع بصلة.

لذلك لم يثمر الاستمرار على هذا النهج، ولن يستطيع مستقبلا حل أو تسوية أيّ مشكلة خلافية بين الدول العربية، وليس فقط بين مصر والسودان، وما لم تتحول اللجان العليا إلى وسيلة لإنهاء الخلافات أولا، فلن يكون بمقدورها التعاون والتنسيق الكبير في ملفات اقتصادية حيوية.

6