مصر والغرام المغربي

الاثنين 2015/01/05

تحدث كما تشاء عن العلاقات الجيدة بين الشعب المصري وعدد كبير من الدول العربية، وتحدث أيضا، كما تريد، عن التقدير الذي يحظى به الرئيس عبدالفتاح السيسي في أوساط شعوب عربية كثيرة، من المحيط إلى الخليج، لكن الحديث عن العلاقات بين مصر والمملكة المغربية له شأن آخر، فهناك ما يسمى بالغرام الدفين بين الشعبين منذ سنوات طويلة، والذي لم يتأثر بأي شائعات إعلامية من هنا أو هناك.

الغرام المشترك، والذي تجده أكثر وضوحا في تصرفات قطاع كبير من الشعب المغربي، حيال الشخصية المصرية، للدرجة التي تشعرك بالألفة والمحبة من أول لقاء، وقد التقيت شرائح مختلفة من المجتمع المغربي، أكدت لي هذه الظاهرة، والتي عكستها ارتفاع حالات الزواج بين مصريين ومصريات من مغربيات ومغربيين على مدار السنوات الماضية، ولم يكن للتطورات السياسية في المنطقة، إيجابية أو سلبية، أي تأثير على هذه المسألة، بل كانت الوشائج الطيبة أحد المداخل الرئيسية للتخلص من أي سحابة سياسية أو إعلامية، مقصودة أو غير مقصودة، تظهر في سماء العلاقات بين البلدين.

يوم الجمعة الماضي مرت إحدى السحب الغامضة، والتي حاول البعض استثمارها سياسيا، بعد أن أذاعت القناة الأولى المغربية تقريرا، وصف ما حدث بمصر في 30 يونيو 2013 بأنه “انقلاب عسكري”، الأمر الذي اعتبره محمد سعد العليمي، سفير المغرب بالقاهرة، أنه محاولة للوقيعة بين الدولتين، مؤكدا أن المغرب لا يريد أن يسقط في هذا “الفخ”.

تقرير القناة الأولى، ثم كلام السفير المغربي، سبقتهما تقارير إعلامية، تحدثت عن مخطط إخواني مريب، لتخريب العلاقات بين مصر والمغرب، بدأ بهجوم قناة “مصر الآن” التي تبث برامجها من تركيا، على المملكة المغربية، في محاولة لتأليب الرأي العام هناك ضد مصر، لكن السفارة المصرية في المغرب، أصدرت بيانا أوضحت فيه هوية هذه المحطة، وعلاقتها بجماعة الإخوان، لمنع استغلال الهجوم في الإساءة للعلاقات بين القاهرة والرباط.

الحاصل أن الحادث العابر، ذكر المصريين والمغاربة، بواقعة أخرى قبل بضعة أشهر، عندما تجرأت مذيعة بإحدى القنوات الخاصة المصرية، ووجهت اتهامات غير أخلاقية إلى نساء المغرب. يومها حاول البعض توظيف الموقف، وإخراجه من إطاره الإعلامي، الذي كشف مدى جهل صاحبته، ومحاولة تضخيمه سياسيا، ونجح الطرفان، على المستوى الرسمي والشعبي، في تجاوز هذه السحابة، ووقف توسع إدعاءات المغرضين، وبقي الاعتزاز بعمق العلاقات المشتركة.

اللافت للانتباه، أن محاولات تعكير صفو العلاقات، تستفيد منها جهات متعددة، تحاول تعطيلها وفرملتها، كلما لاحت في الأفق ملامح تطويرها عبر البناء على الكتلة الصلبة الحالية، سواء من خلال اختلاق أكاذيب، أو الاستفادة من أخطاء فردية، لتأليب كل شعب على الآخر، والإيحاء أيضا أن هناك عقبات سوف تقف حائلا دون الوصول لدرجة أبعد تماسكا مما هي عليه الآن، والتقليل من أهمية الخطوات الإيجابية التي اتخذها المغرب نحو النظام المصري، خاصة أن المعلومات التي أشارت إلى عزم الرئيس السيسي زيارة المغرب قريبا، عززت الدفء الذي يلازم العلاقات المشتركة منذ فترة.

من جهة أخرى، ترمي محاولات الاصطياد في الماء العكر، إلى وقف التنسيق والتعاون بين القاهرة والرباط، بشأن آليات التعامل مع التيار الإسلامي، خاصة أن مصر لديها تجربة جيدة في التعامل الأمني مع المتشددين، والمغرب يملك خبرة سياسية غزيرة في كبح جماحهم، فقد رسم النظام المغربي، مبكرا، إستراتيجية لها خصوصية نابعة من البيئة المحلية، نجحت في أن تعبر بالبلاد إلى شط الأمان، حيث أبعدت الدولة عن مواجهة سيناريوهات قاتمة، كما حدث في مصر وتونس.

من هنا، إذا كانت الجهات (سواء جماعة الإخوان أو غيرها) التي سعت إلى توتير العلاقات بين البلدين، والمستفيدة منه بالطبع، تريد إحداث فتنة، فإن ما جرى في المرتين، ربما ينطبق عليه المثل “رب ضارة نافعة”. فقد فوتت القيادتان الفرصة على التشكيك في الروابط المشتركة، وحرصتا على تأكيد العكس، ومن الممكن أن تشهد الفترة المقبلة تحركات عملية، لرفع ما يبدو من التباس في نظر فئة من النخبة المغربية (يمينية أو يسارية) حيال الثورة المصرية، سمحت للبعض بتعميمها على الشعب المغربي، في حين أن الغالبية أصبحت تقدر الدور الوطني الذي تلعبه المؤسسة العسكرية المصرية، وفي القلب منها المشير عبدالفتاح السيسي.

أحدهم قال إن المحاولة الأخيرة لتوتير الأجواء بين البلدين، يمكن تفسيرها في إطار مغاربي أوسع، حيث تشهد العلاقات بين مصر والمغرب تطورا لافتا، بينما تراجعت درجة السخونة التي بدت عليها علاقات القاهرة مع الجزائر، بسبب خلاف مكتوم، حول تقديرات كل طرف للأزمة الليبية، وطرق التعامل مع تيار الإسلام السياسي، والتقارب الكبير بين مصر والمغرب، الأمر الذي يصب في صالح الدولتين، في القضايا التي يتقاطع فيها كلاهما مع الجزائر، أي ليبيا في الحالة المصرية، وملف الصحراء في الحالة المغربية.

الواضح أن مصر لا تملك رفاهية الصدام مع أي دولة عربية، فما بالنا إذا كانت هذه الدولة بحجم المغرب وعراقته؟ لذلك لن تنطلي محاولات الوقيعة بينهما على القيادة السياسية في البلدين، وستبقي الثوابت الرئيسية التي تحكم العلاقات المشتركة، والتي عصمتها من الاهتزاز في وقت كانت فيه العواصف أشد خطورة.


كاتب مصري

9