مصر والمعارضة التركية

الاثنين 2013/09/16

الزيارة التي قام بها وفد حزب الشعب التركي المعارض للقاهرة خلال الأيام الماضية، فتحت الباب لقائمة طويلة من التساؤلات، بعضها له علاقة بما يمكن أن تقوم به مصر، ردا على التجاوزات السياسية لرئيس وزراء تركيا أردوغان، وبعضها على صلة بإمكانية حدوث تغير في توجهات القاهرة نحو قوى المعارضة في الدول الأخرى، وقد أثبتت العقود الماضية أن القيادة السياسية المصرية كانت حريصة على عدم استخدام هذه الورقة، لكن يبدو أن التحولات الداخلية التي تشهدها مصر، والتطورات الحاصلة في البيئة الإقليمية وأمواجها المتلاطمة، يمكن أن تؤدي إلى إحداث نقلة في بعض الملفات التقليدية.

الشاهد أن أنقرة ضاعفت من انتقادها للسلطات السياسية والأمنية والدينية في مصر، وقام أردوغان بدور رأس الحربة في الأزمة التي اشتعلت مؤخرا، دفاعا عن حليفته جماعة الإخوان المسلمين، التي منيت بهزيمة سياسية ساحقة، وسقطت في اختبار الحكم بعد حوالي عام في سدة السلطة، حيث ارتكبت أخطاء فادحة في مجالات متنوعة، عجلت بعدم استمرارها في السلطة، ومع ذلك لم يتفوه أردوغان بكلمة واحدة تشير إلى اعترافه بأي من الأخطاء الظاهرة للجماعة، مع أنه كانت له ملاحظات على أداء الرئيس المعزول محمد مرسي وجماعته وقت أن كانوا في السلطة، ومنها كلامه حول أن الجماعة «تأكل أكثر مما تهضم»، في إشارة لنهمها الشديد للاستحواذ على السلطة، لكن عندما خرجت الجماعة من الساحة السياسية رسميا، أشهر أردوغان سيفه في وجه جميع معارضي ومنتقدي الإخوان، ورفض الاعتراف بأن هناك ملايين المصريين خرجوا في الشوارع، اعتراضا على حكم الإخوان، وأنكر كل مظاهر الرفض لهم، وتجاهل عمدا كل علامات الإخفاق، وركز على وصف ما حدث بأنه «انقلاب عسكري»، وتمادى في التحريض على التدخل الدولي، في محاولة لإنقاذ مرسي وجماعته، وقاد حملة تحريض إقليمية ودولية، نجحت السلطات المصرية في نزع أنصالها السياسية والأمنية والاقتصادية.

لم تأت حملات حزب العدالة والتنمية من فراغ، بل خرجت من رحم اعتقاد قيادته أن فشل مشروع الإخوان في مصر، سوف تكون له تأثيرات سلبية على تركيا، التي وضعت جزءا كبيرا من رهاناتها في المنطقة على استمرار الجماعة في السلطة، بالتالي عندما يسقط حكمها بهذه الطريقة المهينة، معنى ذلك أن طموحات وحسابات تركيا الإقليمية حتما سوف تتأثر، ويتبين أن مشروع الإسلام السياسي الذي نجحت أنقرة في الترويج والتسويق له، باعتبار أنها رائدة في تطبيقه، غير متماسك وتنقصه الكثير من المقومات والمؤهلات العملية، وهو ما يشكك في احتمالات صموده في المستقبل، وكذلك يقلل من فرص صعود المنتمين للتيار الإسلامي في بعض الدول العربية، ويثبت أن التيار المدني قادر على المنافسة، عكس ما ذهبت إليه بعض الكتابات، التي نعتته بأقذع الصفات، واعتبرته مترهلا وأقل جاذبية من نظيره الإسلامي. وتتعاظم خسارة أنقرة بسبب عدم استبعاد تساقط المزيد من الحلفاء والمؤيدين في المنطقة، ووقف الترتيبات التي بنيت على أساس استمرار الإخوان في السلطة، بصورة تمثل ركيزة مهمة للدولة التركية.

المهم أن التعامل التركي وصل في تجاوزاته درجة لم تقبلها السلطات الرسمية في مصر، التي استدعت سفيرها في أنقرة، ولوحت ببعض الإجراءات الاقتصادية العقابية، واضطرت إلى تمديد خيوط التواصل مع قوى في المعارضة التركية، وعندما قام وفد من حزب الشعب بزيارة القاهرة، وأجرى حوارات ومناقشات مع عدد من المسؤولين، قيل أن مصر بدأت تتخذ سياسة هجومية وقائية وقد فتحت الزيارة الباب للحديث عن إمكانية أن تستخدم مصر هذه الورقة، وتخرج عن تقاليدها السياسية المعروفة، والتي تبتعد عن التدخل في شؤون الدول الأخرى.

لكن بعض المصادر أكدت أن زيارة وفد حزب الشعب لا تدخل في باب المكايدة السياسية، لأن أعضاء الوفد أجروا اتصالات بقوى سياسية مختلفة، وإذا أرادت القاهرة مضايقة أنقرة فلديها بعض الأوراق الأكثر أهمية، مثل الورقة الكردية أو السورية. لذلك يظل البعد المعنوي للزيارة هو الأبرز، والمضمون السياسي أقل حضورا، أولا لأن غالبية قوى المعارضة في تركيا حريصة على الاحتفاظ بهامش استقلالها، خوفا من اتهامها بالعمالة لقوى خارجية، وثانيا لأن مصر لم تتخل عن مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين حتى الآن، والذي سيفضي إلى مبادلتها بالطريقة ذاتها، التي يمكن أن تكون تكلفتها مرتفعة، وسط السيولة التي تتسم بها الخريطة السياسية، وصعوبة السيطرة على جزء معتبر من معادلاتها السياسية.

الحقيقة أن القاهرة حرصت على التعامل بدرجة عالية من ضبط النفس مع الدول التي ثبت أنها تدخلت في شؤونها، أو تردد أنها قامت بأفعال تنطوي على ملامح تشي بالتدخل، غير أنها لم تتوان عن ردع أي تصرفات يمكن أن تهدد الأمن القومي للبلاد، وربما لم نر ممارسات عملية معلنة، لكن هناك مؤشرات تثبت أن القاهرة لديها من الامكانيات ما يجعلها تستطيع كبح الدول التي تحاول مضايقتها بأي صورة، ولنا في قطر وتركيا عبرة، ومن يلاحظ التغير النسبي في الأداء السياسي والإعلامي لكل من الدولتين يتأكد أن وسائل الردع الخفية أتت أكلها.

يجب عدم التضخيم من ورقة المعارضة التركية، التي تخوض معركة كسر عظم ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وتستطيع أن تكبده خسائر سياسية باهظة، دون لجوء إلى تعاون أو تنسيق مع دولة في حجم مصر، لكن زيارة وفد حزب الشعب استهدفت التأكيد على أن قيادة الحزب منفتحة على الجميع، ولعل زيارة شيخ الأزهر تعزز هذا الاستنتاج، خاصة بعد الهجوم الذي تعرض له أحمد الطيب من جانب أردوغان. نحن أمام لعبة عجيبة من التوازنات بين الدولتين، سوف ينجح فيها من يملك أوراقا أكثر وبإمكانه توظيفها بصورة صحيحة.

________


* كاتب مصري

9