مصر والورقة الروسية

الاثنين 2014/08/11

المتابع لتحركات مصر الإقليمية والدولية خلال الأشهر الماضية، توقع أن تكون روسيا ورقة مهمة من الأوراق الرئيسية في أيدي القاهرة، كان كبار المسؤولين يلوحون بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كلما ضاق الحال من الأميركان، دون أن يدفعهم الغضب إلى حد القطع أن موسكو بديل عن واشنطن، لكن الظروف التي تتم فيها زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي روسيا غدا (الثلاثاء) والنتائج المتوقع أن تترتب عليها ربما تدفع كثيرين للكلام عن أن موسكو سوف تصبح عنصرا مهما في تفاعلات مصر الخارجية، وقد تتحول إلى بديل، إذا واصلت واشنطن التلكؤ في تعديل دفتها نهائيا مع القاهرة.

الظاهر أن مصر كانت تتجنب الحديث عن العلاقة مع روسيا بطريقة مع وضد، لأنها تعرف جيدا قدر ومكانة موسكو، ولا تقبل أن تتحول إلى احتياطي استراتيجي لأي طرف، كما أن توجهات السياسة المصرية الجديدة بدت أميل إلى تعدد الأقطاب وتنوع العلاقات، ورفض وضع الرهانات كلها على عاتق طرف بعينه، ولم تكن هناك رغبة لتكرار تجربتي الرئيسين الراحلين جمال عبدالناصر وأنور السادات، في انحياز الأول للكتلة الشرقية، وعلى رأسها موسكو، أو انحياز الثاني للكتلة الغربية، وعلى رأسها واشنطن، في ظل متغيرات كبيرة دخلت على موازين القوى الدولية التقليدية، لذلك أعطى الرئيس السيسي نفسه مساحة واسعة للحركة بصورة تتسم بالمرونة الشديدة.

هذا التقدير فرض على مصر مؤخرا، توثيق العلاقات مع قوى متعددة، فقبل أيام قليلة شاهدنا التطور الذي لحق بالعلاقات مع إيطاليا، وارتفاع درجة التفاهم في قضايا إقليمية وعرة، وبعدها خطت الصين أولى خطواتها الكبيرة نحو القاهرة، عندما فُهم من كلام وزير خارجيتها في قلب القاهرة أن التعاون والتنسيق والمصالح (السياسية والاقتصادية) المشتركة يمكن أن تتقدم بشكل مذهل، وهكذا تسير التصرفات مع دول كثيرة غيرت مواقفها في قضايا مختلفة، بما يلائم النظام المصري الحالي، ودون أن تستجدي القاهرة أحدا، بل تصرفت بطريقة حافظت على كرامتها، وأكدت أن تقديراتها صائبة، ولعل الموقف من العدوان على غزة لا يزال ماثلا في الأذهان.

الزيارة التي يقوم بها الرئيس السيسي إلى موسكو غدا تستحق أن توصف بـ”التاريخية”، لأن مصر بدأت تتعافى سياسيا، وأنجزت خطوتين أساسيتين في خارطة الطريق، الدستور والانتخابات الرئاسية، بالتالي يذهب رئيسها إلى موسكو وهو في موقف قوي ومتماسك، ولن يضطر إلى قبول إملاءات من أحد، كما أن التقارب في ملفات سوريا والعراق وليبيا والقضية الفلسطينية، يمكن أن يسمح بمزيد من التفاهم، مقابل تباعد واضح في المواقف مع الولايات المتحدة، التي ترتفع علامات الارتباك في حساباتها في غالبية القضايا الإقليمية، الأمر الذي وضع واشنطن في مربع غامض، حتما سوف يضطرها قريبا إلى مراجعة جزء معتبر من سياساتها، ظهرت بشاراته مع تنظيم “داعش” ونوري المالكي في العراق، حيث بدأت ترفع يديها عن كلاهما أخيرا، فتضرب الأول، وتمتعض من الثاني.

لم يأت وصف زيارة السيسي بالتاريخية من فراغ، لكن هناك ما يعززه على عدد من المستويات، فسياسيا قد تكون بعض الأمور معروفة وجرى الحديث عنها، غير أن ثمة أمورا أخرى مجهولة، منها الموقف من الجماعات الإسلامية المتشددة، فإذا كانت واشنطن تغازلها، أو تغض الطرف عن ممارساتها العنيفة، مما مكنها من التغول والانتشار، فإن لدى القاهرة وموسكو قواسم مشتركة حيالها، تساعد على التناغم في محاربة الإرهاب الذي تتسبب فيه هذه الجماعات، ولا تزال أميركا تتجاهل محركيه الحقيقيين، وتتركه يضرب في الأفنية القريبة من مصر وروسيا، أو تلك التي تؤثر على المصالح الحيوية لكل منهما.

في هذا السياق، تدعم موسكو القاهرة في ضرورة إيجاد تصور عالمي لهذه المشكلة، التي تتعمد واشنطن في أحيان كثيرة عدم الاكتراث بها، ويمكن أن يكون ما يحدث في ليبيا مثالا حيا على ذلك، فقد تركت السياسات الأميركية الخاطئة هذا البلد نهبا للمتطرفين، ولن تنسى موسكو الخدعة التي تعرضت لها في مجلس الأمن، عندما وافقت على تفويض الناتو بدك حصون القذافي، على أمل المساعدة في الاستقرار الإقليمي، وكانت النتيجة دخول ليبيا مرحلة خطيرة من الانهيار، وفقدان موسكو لجانب من مصالحها هناك، وربما تصبح ليبيا واحدة من نقاط التفاهم الرئيسية على المستوى الأمني بين القاهرة وموسكو، وإجبار واشنطن على تصحيح مسار تحركاتها الراهنة مع مصر، التي تتشكل أمامها بدائل كثيرة، لتعويض التلاعب الأميركي بورقة المساعدات، وتحجيم الالتزام باستحقاقات السلاح المطلوب الوفاء به تجاه مصر.

أما على المستوى الاقتصادي بدأت تلوح في الأفق ملامح فرصة جيدة لتطوير التعاون بين البلدين، بعد تدشين محور تنمية قناة السويس، التي تعد رمزا لنضال المصريين ودعم موسكو الدائم لهم، وتوجد مجالات كثيرة لجذب استثمارات وخبرات من روسيا، التي تستطيع تقديم وسائل دعم في المشروع النووي المصري السلمي في الضبعة، وهو ما سيجعل زيارة السيسي لموسكو نقلة حقيقية نحو استشراف معالم المستقبل وطبيعة التوازنات الحاكمة للمرحلة القادمة، لأنه من الممكن أن تتحول هذه الزيارة إلى نقطة فاصلة لتغيير معادلات كثيرة في المنطقة، إذا لم توقف واشنطن نزيف النقاط في قضايا إقليمية عدة.


كاتب مصري

9